في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 110 : -

 3 - حياة الزهراء في مكة المكرمة

ولدت الزهراء ونشأت في بيت ربه محمد ، وربته خديجة ، وأي أب في تاريخ الإنسانية كلها ، أعظم وأنبل ، وأكرم واشرف من محمد صلى الله عليه وسلم ، وأي أم أرفق واحن وأشفق من خديجة رضي الله عنه ، ثم سرعان ما أصبح هذا البيت ، بيت النبوة والرسالة ، ومهبط الوحي والتنزيل .

وهكذا تأديب الزهراء بأدب أبيها النبي الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، ومن ثم فقد كانت سيدتنا فاطمة الزهراء ، المثل الأعلى في الخلق الكريم والطبع والسليم ، وقد عنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عناية تامة ، فكان يثقفها ثقافة إسلامية ، ويروضها على الهدي النبوي ، والصراط المستقيم ، ومن ثم فقد نشأت الزهراء نشأة كانت المثل الأعلى في الكمال والجلال ، فهي انما تمثل اشرف ما في المرأة من إنسانية وكرامة وعفة وقداسة ورعاية إلى ما كانت عليه من ذكاء وقاد ، وفطنة حادة ، وعلم واسمع ، وكفاها فخرا انها تربت في مدرسة النبوة ، وتخرجت في معهد الرسالة ، وتلقت عن أبيها الرسول الأمين صلى اله عليه وسلم ما تلقاه عن رب العالمين .

وبدهي ان الزهراء تعلمت في دار أبويها ، ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة ، بل وفي الدنيا كلها ، وصدقت أم المؤمنين أم سلمة حيث تقول ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض أمر ابنته إلي ، فكنت اودبها وأدلها ، وكانت والله آدب مني ، واعرف بالأشياء كلها ) ، أوليست هي يا أم المؤمنين بضعة رسول الله 

- ص 111 -

أوليست هي ( أم أبيها ) كما كان يسميها سيد المرسلين ، أوليست هي التي اصطفاها الله لتكون التيار الذي يحمل نور النبي صلى الله عليه وسلم عبر أسلاك الزمن ، ولتضاء البشرية بعد ذلك من هذا النور الفياض .

وصدق الأستاذ العقاد ، حيث يقول ( في كل دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة ، يتخشع بتقديسها المؤمنون ، كأنما هي آية الله فيما خلق من ذكر وأنثي ، فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء ، ففي الإسلام ، لا جرم ، تتقدس صورة فاطمة البتول ) .

كانت الزهراء عليها السلام ، اصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم فما ان انتقلت السيدة خديجة ، رضي الله عنها إلى جوار ربها الكريم ، راضية مرضية ، حتى أصبحت الطفلة الصغيرة ، فاطمة الزهراء ، مسئولة عن رعاية أبيها والسهر عليه ، ولكنه لم يكن أبا عاديا ، وإنما هو رسول الله الذي أرسله للناس كافة ، ومن ثم فقد كان على الزهراء ، وهي ما تزال صغيرة لا تكاد تتحمل مسؤولية بيت ورعاية أسرة ، فضلا عن ان يكون هذا البيت وتلك الأسرة ، بيت محمد صلى الله عليه وسلم ، تأخذ نصيبها من من أعباء الدعوة ، واثقال الرسالة ، وسوف يكون لها ولزوجها ، ولا بنائها وبناتها من بعدها ، النصيب الأوفر ، فلقد أخذت حتى الآن نصيبها من الحصار الرهيب في شعب أبي طالب ، حيث حصر أهلها من بني هاشم ، ولمدة سنوات ثلاث ، الا ان يسلموا أباها فتقتله قريش ، وسوف تأخذ نصيبها من أحداث الهجرة ، وتنال حظها من خطوب ( احد ) والأحزاب ، وسوف تشارك أباها كل ما يلاقيه من أذى قريش ، وتقاسمه كل همومه ، بقدر ما نالته من الحظوة عنده ، والمكانة لديه .

 

 4 - حياة الزهراء في المدينة المنورة

هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم تبعته الزهراء وأم كلثوم ، وهناك روايتان عن هجرتهما ، تذهب الأولى إلى ان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث زيد بن حارثه وأبا رافع ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة ، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسوده بنت زمعة زوجته ، وأسامة بن زيد ، وأمه أم أيمن ، وتذهب الرواية الثانية 

- ص 112 -

إلى ان النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة نزل إلى المدينة نزل في بني عمرو بن عوف في قباء ، ومن هناك كتب إلى على رضي الله عنه ، مع أبي واقد الليثي ، يأمره بالقدوم إليه ، فخرج علي بالفواطم ( فاطمة الزهراء وفاطمة بنت أسد أم علي ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ) وأم كلثوم ، ومعه أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو واقد الليثي ، وسار الركب ، وعلى رأسه فتى الإسلام علي بن أبي طالب ، حتى إذا ما كانوا على مقربة من ( ضحنان ) ( وهي حرة بمكة على مبعدة 54 كيلا في طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية )

أدركهم الطلب ، وهم ثمانية فرسان ملثمون ، ومعهم مولى لحرب بن أمية يدعى جناح ، فقال علي لأيمن وأبي واقد : انيخا الإبل واعقلاها ، وتقدم فانزل النسوة ودنا القوم فاستقبلهم الإمام ، فقالوا : ظننت انك يا عذرا ناج بالنسوة ، ارجع لا ابالك ، قال علي : فان لم افعل ، قالوا لترجعن راغما ، أو لترجعن باكثرك شعرا ( أي راسك ) واهون بك من هالك ودنا الفوارس من المطايا ليثيروها ، فحال علي بينهم وبينها ، فأهوى له جناح بسيفه ، فراغ علي عن ضربته ، وضربه ضربة على عاتقه فقده نصفين حتى وصل السيف إلى كتف فرسه ، وشد على أصحابه ، وهو على قدميه ، فتفرقوا ، ثم سار ظافرا حتى نزل منزلا بعد ضحنان ، فبات فيه يومه وليله ، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين ، فيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ساروا في طريقهم نحو المدينة حتى وصلوها بعد أيام ،

وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصول أهل بيته ، وانزل الزهراء وأم كلثوم معه منزلا كريما على أم أيوب الأنصارية الخزرجية امرأة أبي أيوب الأنصاري ( خالد بن زيد النجاري ) وهو ممن شهد العقبة وبدرا واحد والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان مع الإمام علي ، ومن خاصته ، وشهد معه الجمل وصفين وكان على مقدمته يوم النهروان .

وبقيت الزهراء مع أبيها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب ، حتى إذا ما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم سوده بنت زمعة القريشة بعد خديجة ، واتخذ لها دارا بالمدينة ، فانتقلوا جميعا إلى تلك الدار ، فكانت سوده تتولى الزهراء وتقوم بحاجتها ، ثم تزوج نبي الله أم سلمة بنت أمية المخزومية ، فانتقلت الزهراء إلى بيت أم سلمة رضي الله 

- ص 113 -

عنها وهي صاحبة القول المشهور ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوض إلي أمر ابنته فاطمة ، فكنت اودبها وأدلها ، وكانت والله آدب مني ، واعرف بالأشياء كلها ) ، إلى ان بني بها علي رضي الله عنه فانتقل بها إلى بيت مستقل في موضع الزور ، فخرج رسول الله صلى الله عله وسلم ، وقد كان السلف الصالح ومن اقتدى بهم لا ينسون حظهم من الصلاة إلى الاسطوانة التي خلف الاسطوانة المواجهة للزور ، فانها كانت باب فاطمة التي كان يدخل إليها علي منها .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه ويأخذ بعضادتي الباب ويقول ( السلام عليكم أهل البيت ، الصلاة الصلاة ( ثلاث مرات ) ثم يقرا ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرً )

 

 5 - مشابهة الزهراء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن انس بن مالك انه قال : سألت أمي عن صفة فاطمة ، رضي الله عنها فقالت : ( كانت اشد الناس شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم بيضاء مشربة بحمرة ، لها شعر اسود يتعفر لها ) .

واخرج الإمام احمد في مسنده عن انس بن مالك قال : ( لم يكن احد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي ، وفاطمة ، صلوات الله عليهم أجمعين ) .

واخرج الترمذي عن عائشة أم المؤمنين قالت : ( ما رأيت احد أشبه سمتا ودلا هديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى عليه وسلم قالت : وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته في مجلسها ) .

واخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن أم سلمة قالت : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه الناس وجها برسول الله صلى الله عليه وسلم وروى انها عندما وضعتها السيدة خديجة ورأت في وليدتها الزهراء انها صورة من أبيها النبي الأعظم ، سرها ذلك الشبه ، ورأته بركة من بركات الله عليها وعلى آل البيت الكرام .

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت 

- ص 114 -

( أقبلت فاطمة تمشي كان مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مرحبا بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو شماله . . . الحديث )

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عائشة قالت : ( كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، فلما رآها رحب بها فقال : مرحبا بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو شماله . . . الحديث ) .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب