في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 115 : -

الفصل الثاني مع الإمام علي
 1 - زواج الزهراء بالإمام علي

يروي ان أبا بكر وعمر ، رضي الله عنها ، خطبا الزهراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لكل منهما : انتظر بها القضاء ، أو قال : إنها صغيرة ، كما جاء في سنن النسائي عن بريدة رضي الله عنها قال : خطب أبو بكر وعمر فاطمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انها صغيرة ، فخطبها علي فزوجها منه ) .

وروى ابن الأثير في ( أسد الغابة ) ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما رفض زواجها لأبي بكر وعمر ، قال عمر : أنت لها يا علي ، قال علي : فقمت اجر ردائي فرحا بما نبهت إليه ، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : تزوجني فاطمة ، قال : أو عندك شئ ، قلت : فرسي وبدني أي درعه ، قال : أما فرسك فلا بد منها ، وأما بدنك فبعها ، فبعتها لعثمان بن عفان بأربعمائة درهم وثمانين ، قال الزرقاني ثم ان عثمان رد الدرع إلى علي فجاء بالدرع والدراهم إلى المصطفى صلى الله صلى الله عليه وسلم فدعا لعثمان بدعوات ، ولما جاء علي ، بالدراهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقبض منها قبضة فقال : أي بلال ، ابتغ لنا طيبا ، وأمرهم ان يجهزوها .

وفي رواية أخرى عن الإمام احمد عن عكرمة : ان عليا خطب فاطمة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما تصدقها ، قال : ما عندي ما أصدقها ، قال : فأين درعك الحطمية التي كنت منحتك ، قال : عندي ، قال أصدقها إياها ، قال : فأصدقها وتزوجها .

وجاء في انساب الأشراف للبلاذري : فباع بعيرا ومتاعا فبلغ من ذلك 

- ص 116 -

أربعمائة وثمانين ، يقال أربعمائة درهم ، فأمره ان يجعل ثلثها في الطيب ، وثلثها في المتاع ، ففعل .

وروى ابن عساكر عن انس انه قال : خطب علي فاطمة ، بعد ان خطبها أبو بكر وعمر ، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي : ( قد أمرني ربي ان أزوجها منك ) .

وروى الطبراني مرفوعا برجال ثقات: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان الله أمرني ان أزوج فاطمة من علي )

في طبقات ابن سعد : ان أبا بكر وعمر لما خطبا فاطمة ، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هي لك يا علي لست بدجال ) يعني لست بكذاب ، لأنه كان قد وعد عليا بها قبل ان يخطبها .

وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال : ( كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيه الوحي ، فلما أفاق قال لي : يا انس أتدري ما جاء جبريل عليه السلام من صاحب العرش عز وجل ، قلت بابي أنت وأمي ، ما جاء به جبريل قال ، قال لي : ان الله تبارك وتعالى يأمرك ان تزوج فاطمة من علي ) .

ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له : انطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ، وبعدتهم من الأنصار قال فانطلقت فدعوتهم ، فلما اخذوا مجالسهم ، قال صلى الله عليه وسلم بعد ان حمد الله وأثنى عليه ( ان الله جعل المصاهرة سببا لاحقا ، وأمرا مفترضا ، اوشج به الأرحام ، وألزم الأنام ، فقال عز من قائل : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ) ، فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكل قدر اجل ، ولكل اجل كتاب ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ، ثم ان الله تعالى أمرني ان أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب ، فاشهدوا علي إني زوجته على أربعمائة مثقال فضة ، ان رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطال نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ، ومعادن الحكمة وأمن الأمة ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ) .

قال انس : وكان علي عليه السلام ، غائبا في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه فيها ، ثم أمر لنا بطبق فيه تمر ، فوضع في أيدينا ، فقال صلى الله عليه وسلم : انتبهوا ، فبينما نحن كذلك ، إذ اقبل علي ، فتبسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا علي ، ان الله أمرني ان 

- ص 117 -

أزوجك فاطمة ، واني زوجتكما على أربعمائة مثقال فضة ، فقال علي : رضيت يا رسول الله ، ثم ان عليا خر ساجدا شكرا الله ، فلما رفع رأسه ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لكما وعليكما ، واسعد جدكما ، واخرج منكما الكثير الطيب ) ، قال انس : والله لقد اخرج منهما الكثير الطيب ,

وروى الطبراني والخطيب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم يبعث الله نبيا قط ، إلا جعل ذريته من صلبه غيري فان الله جعل ذريتي من صلب علي رضي الله عنه ) وارجع الأقوال ان هذا الزواج كان بعد الهجرة وقيل غزوة بدر ، كان في رمضان ( وربما في محرم أو صفر أو رجب ) من السنة الثانية للهجرة ، ومضى على هذا القران شهور ثلاثة ، حتى إذ كانوا ذو الحجة من السنة نفسها ، دخل علي بها وكان جهاز فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سريرا من الخوص مشدودا بالحبال ووسادتين حشوهما ليف ، وبساط صوف ، وجلد كبش يقلب على صوفه فيصير فراشا ، وإناء به سمن جاف يطبخ به ، وقربة للماء ، وجرة وكوزا ، ورملا مبسوطا ورحاء أو رحاءين ، وخفت بعض نساء الأنصار الثريات فاهدين الزهراء ردائين جميلين للزفاف ، وبعض حقاق من الطيب والعطور ، واقرضنها بعض الحلي .

ويروي ابن شهاب الزهري في المغازي ان رسول ا لله صلى الله عليه وسلم قال لبلال : إني زوجت ابنتي ابن عمي ، وأنا أحب ان يكون من سنة أمتي إطعام الطعام عند النكاح ، فات الغنم ، فخذ شاة وأربعة امداد أو خمسة فاجعل لي قصعة لعلي اجمع المهاجرين والأنصار .

وفي رواية أخرى ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( يا علي انه لا بد للعروس من وليمة ) فقال احد أغنياء الأنصار : عندي كبش ، فأعده صاحبه ، ودعا علي رهطا من المهاجرين والأنصار واحضروا الطيب والزبيب والتمر فطعموا .

ويروي الأستاذ أبوعلم انه في ليلة الزفاف هذه ، أتى الرسول صلى الله الله عليه وسلم ببغلته الشهباء ، وثنى عليها قطيفة ، وقال لفاطمة : اركبي فاركبها ، وأمر سلمان ان يقود بها ، ومشى صلى الله عليه وسلم خلفها ومعه حمزة وبنو هاشم مشهرين سيوفهم وأمر بنات عبد المطلب ونساء الهاجرين والأنصار ان يمضين في صحبة فاطمة ، وان يفرحن ويرجزن ويكبرن ويحمدن ، ولا يقلن مالا يرضي الله ونساء النبي صلى الله عليه وسلم معها ، حتى 

- ص 118 -

أو صلنها إلى بيت علي .

وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ، الا يحدث شيئا حتى يأتيه ، ثم جاءت العروس الطاهرة البتول ، مع أم أيمن بركة الحبشة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقعدت فاطمة في جانب من البيت ، وقعد علي في الجانب الآخر ، ثم جاء ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ها هنا أخي ، فقالت أم أيمن : بابي أنت وأمي يا رسول الله ، أخوك ، قال : علي بن أبي طالب ، قالت وكيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك ، قال : هو ذاك يا أم أيمن ، وفي رواية قال نعم ، أي هو كأخي في المنزلة والمؤاخاة ، فلا يمتنع علي تزويجي إياه ابنتي ) .

هذا وكانت النساء قد انصرفن بعد الوليمة ، غير ان النبي صلى الله عليه وسلم وجد امرأة مع الزهراء ، فسألها الرسول صلى الله عليه وسلم عمها يبقيها ، قالت : أنا التي احرس ابنتك ، ان الفتاة ليلة بنائها ( زفافها ) لا بد لها من امرأة قريبة منها ، ان عرضت لها حاجة أو أرادت أمرا أفضت إليها بذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم للمرأة ، وهي أسماء بنت عميس ، فاني اسأل الهي ان يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فغسل فيه يديه ، ثم دعا عليا فجلس بين يديه فنضح على صدره من ذلك الماء وبين كتفيه ، ثم دعا فاطمة فجاءت بغير خمار تعثر في ثوبها ، ثم نضح عليها من ذلك الماء ، ثم قال : ادخل بأهلك باسم الله والبركة ، وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم توضأ في إناء ثم أفرغه على علي وفاطمة ، ثم قال : اللهم بارك فيهما ، وبارك لهما في شملهما ، وفي رواية ، وفي شبليهما ، والشبل ولد الأسد ، فيكون ذلك كشفا واطلاعا منه صلى الله عليه وسلم على ان الزهراء تلد الحسن والحسين ، فأطلق عليهما شبلين .

هذا وقد روى ان السيدة الزهراء بكت تلك الليلة ، ربما لعلها تذكرت أمها الراحلة السيدة الطاهرة أم المؤمنين خديجة ، رضي الله عنها ، فتمنت لو انها كانت معها في تلك الليلة الفريدة من العمر ، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ان يطيب خاطرها ، فاقسم لها انه لم يأل جهدا ليختار لها أصلح الأزواج ، وما اختار لها الا خير فتيان بني هاشم ، وأضاف ( والذي نفسي بيده قد زوجتك فتى سعيدا في الدنيا ، وانه في الآخرة لمن الصالحين )

وفي رواية للحاكم في المستدرك : فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إلي ) .

- ص 119 -

وفي رواية ثالثة ( لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة ، وانه لأول أصحابي إسلاما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما )

وعن ابن عباس قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت فاطمة وهي تبكي ، فقال صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا فاطمة ، قالت : يا رسول الله ، عيرتني نساء قريش آنفا ، زعمن انك زوجتني رجلا معدما ، لا مال له ، قال صلى الله عليه وسلم ( لا تبكي يا فاطمة ، فو الله ما زوجتك حتى زوجك الله تعالى من فوق عرشه ، واشهد على ذلك جبريل وميكائيل ) .

وعن بلال بن حمامة قال : ( طلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام عبد الرحمن ابن عوف فقال يا رسول الله : ما هذا النور ، فقال صلى الله عليه وسلم بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي ، فان الله زوج عليا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان ، فهز شجرة طوبى فحملت رقاعا ، يعني صكاكا ، بعدد محبي أهل بيتي ، وانشأ تحتها ملائكة من نور ، ودفع إلى كل ملك صكا ، فإذا استوت القيامة بأهلها ، نادت الملائكة في الخلائق ، فلا تلقى محبا لنا أهل البيت ، إلا دفعت له صكا فيه فكاكه من النار ، فأخي وابن عمي وابنتي بهم فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار ) .

ولعل سائلا يتساءل : ما في هذا الزواج من الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص به الإمام وحده ، دون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودون غيره ممن تزوجوا من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ؟

من البدهي ان الصهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرف عظيم ، وقد تزوج عثمان ابن عفان رضي الله عنه بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رقية وأم كلثوم ) فاكتسب بذلك لقب ( ذي النورين ) ، كما تزوج أبو العاص بن الربيع من زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم غير ان الزواج من الزهراء أمر آخر ، ذلك لان الزهراء قد اختصت من بين أخواتها بهذه الدرجة التي رفعها الله إليها ، فوصفها رسول الله بأنها ( سيدة نساء المؤمنين ) ، وبأنها ( سيدة نساء أهل الجنة ) ، وبأنها ( سيدة نساء العالمين ) ، هذا فضلا عن ان فاطمة وحدها من دون بنات النبي وأبنائه ، هي التي كان منها سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ، وهما ابنا علي ، وهكذا يصبح النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى له ولدا غير ولد فاطمة 

- ص 120 -

وعلي ، ولا نسل متصلا الا من كان من فاطمة وعلي ، فاذا ما تذكرنا كذلك ، انه ما من أمر كان يعني النبي صلى الله عليه وسلم في شخصه ، وفي خاصة نفسه ، الا وكان الإمام علي هو الذي يندب للقيام بهذا الأمر ، وليحل محل الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ، وليأخذ مكانه الذي تركه وراءه ، فمبيت علي في برد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فراشه ليلة الهجرة ، وقراءته ما نزل من سورة براءة على أهل الموسم من المسلمين والمشركين ، وخلافته للرسول على آل البيت من غزوة تبوك ، أفلا يسوغ لنا ذلك كله ، كما يقول الأستاذ الخطيب ، ان نذكر معه ، خلافة علي بن أبي طالب للرسول صلى اله عليه وسلم في ان يكون منه نسل النبي ، وان يكون ولد علي وفاطمة نسلا مباركا للنبي ولعلي معا ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوا الحسن والحسين ابنيه فيقول صلى الله عليه وسلم في الحسن ( ان ابني هذا سيد ) وانه صلى الله عليه وسلم يقول في الحسين : ( حسين مني وأنا من حسين ) .

واخرج الترمذي عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لفاطمة : ادعي ابني فيشمهما ونصمهما إليه )

بقيت الإشارة إلى سن الزهراء وقت الزواج ، وفي الواقع ان هذا متوقف على معرفة تاريخ ميلادها ، وهو أمر قد اختلف فيه المؤرخون ، بين ان يكون قبيل البعثة أو بعيدها ، ومن ثم فهناك من رأى ان الزهراء قد تزوجت ، وهي في الثامنة عشرة من عمرها ، بينما ذهب آخرون إلى انها كانت في الخامسة عشرة وخمسة أشهر أو ستة ، بل اننا لو أخذنا بوجهة النظر التي ذهبت إلى انها قد ولدت بعد البعثة بخمس سنين ، لكان عمرها يوم زواجها في السنة الثانية من الهجرة ، لا يعدو سنوات عشر ، على ان ارجع الآراء ان الزهراء كانت فيما بين الخامس عشرة والثامنة عشرة من عمرها يوم زفت إلى الإمام علي .

ومن عجب ان يزعم المستشرق اليسوعي الأب هنري لامانس ، ان الزهراء لم تتزوج قبل الثامنة عشرة لأنها كانت محرومة من الجمال ، ولم تصدق ان أحدا يخطبها بعد تلك السن ، وعندما خطبها علي سكتت هنيهة ، ثم تكلمت فشكت من ان يخطبها رجل فقير ، وفي الواقع ما كنا نظن ان ينزلق الاب هنري ، وهو رجل دين وعلم ، غالى هذا المستوى في كراهيته للإسلام ونبي الإسلام وآل بيته الكرام ، 

- ص 121 -

وكنا نحب له ان يقرأ النصوص جيدا ، وان يقارن بينها ، لا ان يأخذ منها ما يتفق وهواه ، ثم يفسر هذا الذي أخذه بهواه ، مرة أخرى فتضيع منه الحقائق بين هواه وهواه ، ولو كان السند الذي استند إليه هذا المستشرق ، كما يقول الأستاذ العقاد ، واضحا ملزما ، لقلنا انها أمانة العلم ، ولا حيلة للعالم في الأمانة العلمية ، لكن السند كله قائم على ان الزهراء قد تزوجت في الثامنة عشرة من عمرها ، وتقابله أسانيد أخرى تنقضه ، وتتراءى للمستشرق حيثما نظر حوله ، ولكنه لا يحب ان يراها ، لأنه يحب ان يرى ما يعيب ، ولا يحب ان يرى مالا عيب فيه .

وعلى أية حال ، فان تقويض رأي لامنس سهل لأسباب كثيرة :

منها ( أولا ) ان المشهور المتواتر ، كما رأينا من قبل ، ان السيدة فاطمة الزهراء ولدت لأبوين جميلين ، وان أخواتها تزوجن من ذوي غنى وجاه ، كابي العاص من الربيع وعثمان بن عفان ، وليس المألوف ان يكون الأبوان والأخوات موصوفين بالجمال ، وان تحرم منه إحدى البنات .

ومنها ( ثانيا ) ان السيدة الزهراء ، كما هو مشهور ، قد بلغت سن الزواج ، والدعوة المحمدية في ابانها ، المسلمون بين مهاجر أو مقيم غير آمن ، والحال قد تبدلت بعد الدعوة المحمدية فأصبحت خطبة المسلمين مقصورة على المسلمين ، وهم قلة منهم المتزوج ومنهم من لا طاقة له بالزواج .

ومنها ( ثالثا ) ما اشرنا من ان هناك الكثير من الآراء التي لا تجعل الزهراء تبلغ الثامنة عشرة ، يوم بنيت بالإمام .

ومنها ( رابعا ) إننا لا نستطيع ان نستبعد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص بها ربيبه وابن عمه علي بن أبي طالب ( وهو أرجح الأسباب في رأينا ) وينتظر بها يوم البيت في هذا الأمر ، وذلك حين تهدا الحال ، ويستعد ابن عمه للزواج ، ولعل مما يعضد هذه الفكرة ما رويناه من قبل ، من ان الصديق والفاروق قد خطبا الزهراء قبل الإمام علي ، وان رد النبي صلى الله عليه وسلم عليهما قوله لكل منهما ( انتظر بها القضاء ) أو قال ( إنها صغيرة ) .

ومنها ( خامسا ) ان الأب لا مانس تجاهل كثيرا من النصوص التي تشير إلى ان السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ، انما كانت تتمتع بقسط وافر من الجمال ، من ذلك ما رواه انس بن مالك عن أمه : ان فاطمة كانت كأنها القمر ليلة البدر .

- ص 122 -

ومنها ما رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن انس بن مالك قال : سألت أمي عن صفة فاطمة ، رضي الله عنها ، فقالت كانت اشد الناس شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بيضاء مشربة بحمرة ، لها شعر اسود يتعفر لها ) ، وان الروايات كلها مجمعة على ان السيدة الزهراء كانت أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في كتب السيرة ، وقد قراها لامانس ، وكلها تشير بوضوح إلى ما كان يتمتع به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمال الخليفة والخلق .

ومنها ( سادسا ) ان السيدات اللواتي لا يبكرن إلى الزواج في المجتمع الإسلامي انما هن من اللواتي يتنعمن بالجمال الرائع ، والحذق البارع ، والذكاء الحاد ، وشرف المحتد ، وشغف الوالدين بهن والضن بهن ، وكان هذا أمر الزهراء الى حد كبير ، هذا إذا افترضنا جدلا ان الزواج في سن الثامنة عشرة ، انما هو سن متأخرة لزواج الفتاة ، فما بالك إذا لم يكن الأمر كذلك ، فضلا عن ان كثيرا من الروايات تحدد سن الزهراء يوم زواجها بالخامسة عشرة ، وروايات أخرى تنزل بها إلى سن اقل من ذلك .

ومنها ( سابعا ) ما تذهب إليه الدكتورة عائشة عبد الرحمن في كتابها ( بنات النبي ) من ان تأخر زواجها انما كان عن تهيب لها ، فلقد بعث أبوها صلى الله عليه وسلم ، وهي وحدها التي لم تتزوج ، إذ كان عمرها خمس سنوات والناس بعد البعث احد رجلين أما كافر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهيهات ان يفكر في مصاهرته وأما مسلم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويصدق برسالته وقد عرفنا موقف المسلمين من نبيهم والى أي مدى كانوا يجلونه ويعظمونه ويفتدونه بالمهج والأرواح ، فغير مستغرب الا يروا أنفسهم كفئا لمصاهرته ، وان يغضوا الطرف عن ( أم أبيها الزهراء ) ، إجلالا وتهيبا ، ولا يرد على هذا بان ( عثمان بن عفان ) رأي في نفسه كفئا لرقية ، فلقد قل في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم - بل في قريش بعامة - مثل عثمان ثراء وشرفا وجاها ، وهو بعد قد طمع من الزواج من بنت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان طلقها ابن أبي لهب كيدا وحقدا ، وليس الأمر كذلك مع الزهراء ، ونحن - حتى يومنا هذا - نرى بنات الأسر الكريمة يتأخر زواجهن في انتظار الأكفاء ، وهم عادة القلة ، إذ القاعدة المطردة هي انه كلما تميزت الفتاة لعلمها أو ثرائها أو عزتها ، قل اكفاؤها

- ص 123 -

ومع ذلك فلم يكن ( علي ) أول من طمح في الزواج من ( فاطمة ) ، بعد تهيب وتردد .

وفقد تسامى إلى ذلك الشرف قبله ، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ، على ما روي البلاذري في ( انساب الأشراف ) فردهما أبوها ردا كريما

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب