في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 172 : -

 14 - وفاة الزهراء

لم تكن حياة الزهراء هنية بعد انتقال أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ذلك انها فجعت بوفاة أبيها صلى الله عليه وسلم ، وفوجئت بمنع الصديق رضي الله عنه إياها حقها في فدك ، فتأثرت لذلك اشد الأثر وأعظمه فغدت شاكية لا ترى إلا هي معصوبة الرأس ، وطبقا لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم ، الصادقة فسرعان ما لحقت به ، فكانت أسرع أهله لحوقا به ، وقد اختلف العلماء في مدة بقائها بعد أبيها صلى الله عليه وسلم ، فقيل أربعون يوما ، وقيل خمسة وأربعون ، وربما كان ذلك اشتباها بمدة مرضها .

وروى الحاكم بسنده عن عائشة انها شهران ، وروى ابن عبد البر في الاستيعاب انها سبعون يوما ، وذهب أبو الفرج الأصفهاني إلى انها ثلاثة أشهر ، لكن المشهور ان الزهراء عليها السلام ، ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر ، وطبقا لرواية الإمام الباقر وعروة بن الزبير ، وان وفاتها كانت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة ( 20 نوفمبر 632 م ) وبوليدها الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، حفظت العترة المحمدية

- ص 173 -

وروي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الا الثقلين ، كتاب الله عزوجل ، وعترته أهل بيته ، وكان قد اسر إلى فاطمة رضي الله عنها ، إنها لاحقة به ، وإنها أول أهل بيته لحوقا به ، فقالت رضي الله عنها ( بينما أنا نائمة بعد وفاة أبي بأيام ، إذ رأيت كان أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشرف علي ، فلما رايته لم املك نفسي ان ناديت : يا أبتاه ، انقطع عنا خبر السماء فبينما أنا كذلك إذ أتتني الملائكة صفوفا يقدمها ملكان حتى أخذا بي فصعدا بي إلى السماء ، فرفعت راسي ، فإذا أنا بقصور مشيدة وبساتين وانهار ، تطرد قصرا بعد قصر وبستانا بعد بستان ، وإذا قد طلع علي من تلك القصور جوار كأنهن الدمى مستبشرات يضحكن إلي ويقلن : مرحبا بمن خلقت لها الجنة ، وخلقنا نحن من اجل أبيها ، ولم تزل الملائكة تصعد بي حتى أدخلوني إلى دار فيها قصور ، وفي كل قصر بيوت فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفيها من السندس والإستبرق ، وعلى الأسرة الكثير منها ، وعليها الالحفة من الحرير والديباج بألوان شتى ، ومن أواني الذهب والفضة ما يأخذ بالأبصار ، وعليها ألوان الطعام ، وفي تلك الجنان نهرا شد بياضا من اللبن ، وأحلى مذاقا من العسل ، وأطيب رائحة من المسك ، فقلت لمن هذه الدار ، وما هذه الأنهار ، فقالوا هذه الدار هي الفردوس الأعلى الذي ليس بعده جنة ، وهي دار أبيك ومن معه من النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ، ومن أحب الله عزوجل من الشهداء والصديقين ، وهذا هو نهر الكوثر الذي وعد الله تبارك وتعالى أباك صلى الله عليه وسلم ان يعطيه إياه ، قلت : فأين أبي ، قالوا : الساعة يدخل عليك ، فبينما أنا كذلك إذ برزت لي قصور اشد بياضا من تلك القصور ، وفرش هي أحسن من تلك الفرش ، وإذا أنا بفرش مرتفعة على أسرة ، وإذا أبي جالس على تلك الفرش ومعه جماعة ، فأخذني وضمني وقبل ما بين عيني ، وقال : مرحبا بابنتي ، وأقعدني في حجرة ، ثم قال : يا حبيبتي ، أما ترين ما اعد الله لك وما تقدمين عليه ، واراني قصورا مشرفات فيها ألوان الطرائف والحلي والحلل ، وقال : هذا مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن احبك وأحبهم ، فطيبي نفسا ، فانك قادمة علي بعد أيام ، قالت : فطار قلبي ، واشتد شوقي ، فانتبهت مرعوبة

- ص 174 -

واخرج ابن سعد في الطبقات والهيثمي في مجمع الزوائد والإمام احمد في المسند والفضائل عن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن أم سلمى قالت : اشتكت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرضتها فأصبحت يوما كأمثل ما كانت ، فخرج علي بن أبي طالب ، فقالت يا أمتاه ، اسكبي لي ماء غسلا ، فسكبت لها فقامت فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ، ثم قالت هاتي ثيابي الجدد فأعطيتها فلبستها ثم جاءت إلى البيت الذي كانت فيه فقالت : قدمي الفراش إلى وسط البيت ، فقدمته فاضطجعت واستقبلت القبلة فقالت : يا أمتاه : اني مقبوضة الآن ، واني قد اغتسلت فلا يكشفني احد وقبضت ، فجاء علي بن أبي طالب فأخبرته فقال : ( والله لا يكشفها احد ، ثم حملها بغسلها ذلك فدفنها )

وفي رواية الإمام احمد بن حنبل في المسند عن أم سلمى قالت : اشتكت فاطمة سلام الله عليها شكواها التي قبضت فيه فكنت أمرضها ، فأصبحت يوما كأمثل ما رايتها في شكواها تلك ، قالت : وخرج علي عليه السلام لبعض حاجته ، فقالت : يا امة اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رايتها تغسل ثم قالت : يا امة أعطني ثيابي الجدد فأعطيتها فلبستها ، ثم قالت : يا امة قدمي لي فراشي وسط البيت ، ففعلت واضطجعت واستقبلت القبلة ، وجعلت يدها تحت خدها ، ثم قالت : يا امة إني مقبوضة الآن ، وقد تطهرت ، فلا يكشفني احد ، فقبضت مكانها ، قالت : فجاء علي فأخبرته ) .

على ان هناك من يثير جدلا حول هذا الحديث ، فيقول الدار قطني بعد أخراجه : وكيف يكون صحيحا ، والغسل انما شرع لحدث الموت ، فكيف يقع مثله ولو قدرنا حقا هذا عن فاطمة ، أفكان يخفي على علي عليه السلام ، ثم ان احمد والشافعي يحتجان في غسل الزوج زوجته ان عليا غسل فاطمة عليها السلام .

فلقد روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن موسى ان علي بن أبي طالب غسل فاطمة كما ان هناك رواية عن أسماء بنت عميس قالت فيها : غسلت أنا وعلي ابن أبي طالب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى ان ذلك كان بوصية من الزهراء نفسها ان تغسلها أسماء وعلي ، فغسلاها

- ص 175 -

وهناك رواية تذهب إلى ان أعرابيا جاء من الشام ، وابن عباس كان في المسجد الحرام يفتي الناس ، فسأله عن أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناته ، فاخبره ان أبناءه كانوا خمسة : القاسم والطاهر والمطهر والطيب ، وهم من خديجة ، رضي الله عنها ، وإبراهيم من مارية ، وبناته كن أربعا : زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، وكن أيضا من خديجة وكلهم مات في حياته صلوات الله عليه ، الا فاطمة فإنها بقيت أربعين يوما بعده ، ولما جاء اجل فاطمة لم تحم ولم تصدع ، ولكن أخذت بيد الحسن والحسين فذهب بهما إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأجلستهما عنده ثم وقفت ، فصلت بين المنبر والقبر ركعتين ثم ضمتهما إلى صدرها والتزمتهما ، وقالت يا ولدي اجلسا عند أبيكما ساعته ، والإمام علي عليه السلام ، يصلي في المسجد ، ثم رجعت نحو المنزل فحملت ما فضل من حنوط النبي صلى الله عليه وسلم فاغتسلت به ولبست فضل كفنه ثم نادت يا أسماء فقالت لها : لبيك يا بنت رسول الله ، فقالت تعاهديني ، فاني ادخل هذا البيت فأضع جنبي ساعتة فإذا مضت ساعة ولم اخرج فناديني ثلاثا فان أجبتك ، وإلا فاعلمي إني لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قامت مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها ، فصلت ركعتين ، ثم جللت وجهه بطرف ردائها وقصت نجبها ، وقيل بل ماتت في سجدتها .

فلما مضت ساعة أقبلت اسماء فنادت يا فاطمة الزهراء ، يا أم الحسن والحسين ، يا بنت رسول الله ، يا سيدة نساء العالمين ، فلم تجب فدخلت فإذا هي ميتة ، فقال الأعرابي : كيف علمت وقت وفاتها يا ابن عباس ، قال : اعلمها أبوها ، ثم شقت أسماء جيبها ، وقالت كيف اجترئ فاخبر ابني رسول الله بوفاتك ، ثم خرجت فتلقاها الحسن والحسين فقالا : أين أمنا فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة فحركها الحسين فإذا هي ميتة فقال : يا آخاه آجرك الله في أمنا ، وصاح أهل المدينة لاعلموا بخبر وفاتها واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع منها وهن يقلن : يا سيدتاه ، يا حبيبتاه ، يا بنت رسول الله ، واقبل الناس إلى علي وهو جالس ، والحسن والحسين ، رضي الله عنهم أجمعين بين يديه يبكيان فبكى لبكائهما ، واجتمع الناس فجلسوا وهم يسترجعون وينتظرون ان تخرج الجنازة فيصلوا عليها ، فخرج أبو ذر الغفاري وقال : انصرفوا فان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخر إخراجها هذه 

- ص 176 -

العشية فقام الناس وانصرفوا .

هذا وهناك ما يشير إلى ان الزهراء قد أوصت الإمام بثلاث : أولها : ان يتزوج بامامة بنت أختها زينب من أبي العاص بن الربيع ، وذلك لأنها كما قالت الزهراء : إنها بنت أختي وتحنوا على ولدي ( أو ) إنها في حنوى ورومتي وثانيها : ان يتخذ لها نعشا وصفته له وعن ابن عباس : ان فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس ، وكانت قد راته بأرض الحبشة ( وذلك بان دعت بسرير فاكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدتها على قوائمه وجعلت عليه نعشا ثم جللته ثوبا ، فقالت فاطمة رضي الله عنها اصنعي لي مثله ، استريني سترك الله ، ) وثالثها : ( ألا يشهد احد جنازتها ممن كانت غاضبة عليهم وان تدفن ليلا وان تحنط بفاضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم وان يغسلها في قميصه ولا يكشف عنها ) .

وهكذا تنفيذا لوصية الزهراء دفنت ليلا وصلى عليها الإمام علي ونزل في قبرها ، ولم يكن معه سوى بنو هاشم والصفوة من أصحابه تنفيذا لوصيتها .

روى ابن سعد عن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين قال : سالت ابن عباس ، متى دفنتم فاطمة ، فقال دفناها بليل بعد هداة ، قال قلت : فمن صلى عليها قال : علي ، وعن الزهري وعروة بن الزبير ان عليا صلى على فاطمة ، ودفنها ليلا .

وروى السمهودي في وفاء الوفا عن جعفر الصادق عن أبيه ان عليا دفن فاطمة عليها السلام ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد ، فقبرها عند باب المسجد ، المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله ( في وقته ) وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق .

وهناك رواية أخرى ان الزهراء دفنت في البقيع وسوى علي حول قبرها قبورا مزورة حتى لا يعرف احد موضعه ( ولست ادري لماذا ، ومن ثم فهو رأي غير مقبول ) ويستدلون على ذلك بان الإمام الحسن قال ( ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي ) .

على ان هناك رواية تؤكدان الزهراء دفنت في بيتها الذي ادخله عمر بن عبد العزيز في المسجد ، وان عبد العزيز بن مروان كان يقول انها دفنت في بيتها ، وصنع بها ما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم وانها دفنت في موضع 

- ص 177 -

فراشها ويحتج بانها دفنت ليلا ، ولم يعرف بها كثير من الناس ( وهذا ما أحسن أنا شخصيا به زياراتي التي اشرف بالمثول فيها أمام سيدي ومولاي وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكاد رجلاي تقف هناك عند المكان الذي قيل لي انه بيت الزهراء )

هذا وقد حزن الإمام علي اشد الحزن وأقساه على زوجه الزهراء البتول وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم له ، فيما روى الإمام احمد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ( سلام عليك أبا الريحانتين من الدنيا ، فعن قليل يذهب ركناك ، والله خليفتي عليك ، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال علي : هذا أخد الركنين الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ماتت فاطمة ، قال هو الركن الأخر ، الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك ، والمختار لها سرعة اللحاق بك قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ، وقل عنها تجلدي ، الا ان لي التأسي بسنتك وفي فرقتك موضع تعز ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد ولا يبرح ذلك من قلبي حتى يختار الله لي دارك أنت بها مقيم ، كمد مبرح وهم مهيج ، سرعان ما فرق بيننا يا رسول الله فبعين الله تدفن ابنتك سرا ، ويهتضم حقها قهرا ، ويمنع ارثها جهرا ، ولم يطل منك العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، فإلى الله المشتكى ، وفيك أجمل العزاء ، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته ) .

هذا وقد روي ان الإمام كان يزور قبر الزهراء كل يوم .
 

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب