في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 72 : -

 3 - طهارة أهل البيت

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأهل بيته وساواهم بالقرآن ، ففي الحديث ( إني تارك فيكم الثقلين ، اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، ثم قال وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي . . ثلاثا ) ، وذلك لان أهل البيت ، سلاسة الحسن والحسين ، ابني 

- ص 73 -

الزهراء إنما هم بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء الذي اصطفاه من اطهر المناقب واعرق الأصول ، وتعهد نوره في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة ، من لدن آدم حتى حملته أمه ، ما تشعبت شعبتان إلا وكان صلى الله عليه وسلم في خيرهما شعبة ، ولا افترقت فرقتان إلا وكان صلى الله عليه وسلم في اكر مهما فرقة ، ومن ثم كان أهل البيت ، سلالة النبي صلى الله عليه وسلم ، أهل الحسب والنسب ، والطهر والشرف ، لا يلوثهم رجس ولا ينا لهم دنس ، فلقد طهر هم الله فضلا منه وكرما ثم دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى ، ان هو إلا وحي يوحي ، فقال ( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) .

ويقول العارف بالله محي الدين أبو عبد الله محمد بن عربي في الفتوحات الملكية : ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا محضا قد طهره الله تعالى وأهل بيته تطهيرا ، واذهب عنهم الرجس ، يقول تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فلا يضاف إليهم إلا مطهر ، ولا بد فان المضاف إليهم هو الذي يشبههم ، فما يضيفون لا نفسهم الأمن له حكم الطهارة والتقديس ، وأهل البيت هم المطهرون ، بل هم عين الطهارة .

فهذه الآية ( الأحزاب 33 ) تدل على ان الله تعالى قد شرك أهل البيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى في سورة الفتح ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) ، فطهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة مما هو ذنب بالنسبة إلينا ، لو وقع منه صلى الله عليه وسلم لكان ذنبا في الصور ة ، لا في المعنى ، لان الذم لا يلحق به على ذلك من الله تعالى ، ولا منا شرعا ، فلو كان حكمه حكم الذنب من المذمة ، ولم يكن يصدق قوله تعالى : ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) , ومن ثم فقد دخل الشرفاء أولاد فاطمة عليهم السلام كلهم إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ، فهم المطهرون باختصاص من الله تعالى ، وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله سبحانه به ، وبالتالي فينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما انزله ان يصدق الله تعالى في قوله ( ِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت ، رضي الله عنهم ، ان الله تعالى 

- ص 74 -

قد عفا عنهم ، ولا ينبغي لمسلم ان يلحق المذمة ، ولا ما يشنا اعراض من قد شهد الله تعالى بتطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم ، ليس ذلك بعمل عملوه ، ولا بخير قدموه ، بل هو سابق عناية واختصاص الهي ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ) .

على ان هذا الشرف لأهل البيت لا يظهر إلا في الدار الآخرة ، فإنهم يحشرون مغفورا لهم ، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حدا أقيم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم ( لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) وقد أعاذها الله من ذلك ، وطهر ها تطهيرا .

ويقول المقريزي في كتابه ( معرفة ما يجيب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم ) ما رواه الحاكم في المستدرك ، في حديث معاوية بن هشام عن عبد الله بن مسعود ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار ) .

وما رواه الحافظ محب الدين الطبري في ( ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ) ، وأخرجه الملا في سيرته من حديث حصين بن عمران قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سالت ربي ان لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطانا ذلك ) .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : ( ان الله غير معذبك ولا ولدك ) ( رواه الطبراني والهيثمي ) .

وما رواه الحافظ الدمشقي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا فاطمة : تدرين لم سميت فاطمة ؟ قال علي رضي الله عنه ، لم سميت ، قال : ان الله عزوجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة ) .

وقد رواه الإمام علي بن موسى الرضا بسنده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان الله فطم ابنتي فاطمة وولدها ومن أحبهم من النار ) .

وما رواه النسائي والمحب الطبري عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان ابنتي فاطمة حوراء إذا تحض ولم تطمث ، وإنما سماها فاطمة لان الله عزوجل فطمها ومحبيها من النار ) .

ويقول المقريزي ، نقلا عن العلامة نجم الدين سليمان الطوفي في ( الإرشادات الإلهية في المباحث الأصولية ) ، ان الشيعة قد احتجت بقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) على ان أهل

- ص 75 -

البيت معصومون ، ثم على ان إجماعهم حجة ، أما إنهم معصومون ، فلأنهم طهورا ، واذهب الرجس عنهم . كل من كان كذلك فهو معصوم ، أما الأولي فلنص الآية ( الأحزاب 33 ) ، وأما الثانية فلان الرجس اسم جامع لكل شر ونقص ، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص ، يندرج تحت عموم الرجس الذاهب عنهم بنص الآية وبالتالي تكون لهم الإصابة في القول الفعل والاعتقاد ، والعصمة بالجملة ثابتة لهم ، فضلا عن ان الله الله طهركم وأكد تطهيرهم بصيغة المصدر ، فقال ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، ثم أكد عصمتهم من الكتاب والسنة ، في الإمام علي وحده ، وفي فاطمة عليها السلام وحدها ، وفيهم جميعا .

أما دليل العصمة من الإمام علي ، فقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى المن قاضيا ، قال ( يا رسول الله : كيف تبعثني قاضيا ولا علم لي بالقضاء ، قال : اذهب فان الله سيهدي قلبك ويسدد لسانك ، ثم ضرب صدره وقال ( اللهم اهد قلبه وسدد لسانه ) ، قالوا : قد دعا له بهداية القلب وسدد اللسان ، واخبره بأنه سيكونان له ، ودعاؤه مستجاب ، وخبره حق وصدق ، ونحن لا نعني بالعصمة لا هداية القلب للحق ، ونطق اللسان بالصدق ، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا اوما يلازمه فليذكره .

وأما دليل العصمة في فاطمة عليها السلام ، فقوله صلى الله عليه وسلم ( فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ) ( أخرجه البخاري ومسلم ) ، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم ، فبضعته ، أي جزؤه ، والقطعة منه يجب ان تكون معصومة .

وأما دليل العصمة فيهم جميعا ( علي وفاطمة والحسن والحسين ) فقوله صلى الله عليه وسلم ( إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله ، عترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ) ( رواه الترمذي )

ووجه دلالته انه لازم بين أهل بيته والقرآن المعصوم ، وما لازم المعصوم فهو معصوم ، قالوا : وإذا ثبت عصمة أهل البيت وجب ان يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ والرجس عليهم بشهادة السمع المعصوم ، والالزم وقوع الخطأ فيه ، وانه محال ، واعترض الجمهور بان قالوا : لا نسلم ان أهل البيت في الآية من ذكرتم ، بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما ما أكدتم به عصمتهم من السنة فأخبار آحاد لا تقولون بها ، مع ان دلالتها ضعيفة ، وأجاب الشيعة بان الدليل على 

- ص 76 -

ان أهل البيت في الآية من ذكرنا ( علي وفاطمة وولداهما ) فثابت بالنص والإجماع ( وقد ذكرنا ذلك من قبل عند تحديدنا لأهل البيت ) وأما خبر الآحاد فقال الشيعة عنه : إننا أكدنا به دليل الكتاب ، ثم هي لازمة لكم ، فنحن أوردنا ها إلزاما لا استدلالا ، على ان الرأي عند ( الطوفي ) ان آية الأحزاب 33 ( آية التطهير ) ليست نصا ولا قاطعا في عصمة آل البيت ، وإنما قصا رآها إنها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال الذي حكيناه عنهم .

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى إننا سق ان اشرنا من قبل إلى دخول أبناء فاطمة البتول في حكم آية التطهير ( الأحزاب 33 ) من الغفران ، فهم المطهرون اختصاصا من الله ، وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به ، ويذهب بعض العارفين إلى ان حكم هذه النسبة لأهل البيت تكون في الدار الآخرة فإنهم يحشرون مغفورا لهم ، قال تعالى : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) ( الرعد 24 )

قال سعيد بن جبير : يدخل الرجل الجنة فيقول ابن أبي أين أمي أين زوجي ، فيقال لهم لم يعولوا مثل عملك ، فيقول كنت اعمل لي ولهم ، فيقال لهم ادخلوا الجنة ) .

ويقول ابن عباس : ان الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله ، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء ، فدل على عنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل ، ولا فائدة للتبشير والواعد إلا بهذا ، إذ كل مصلح في عمله قد وعد دخول الجنة .

وبدهي انه إذا جاز ان يكرم الله تعالى عباده المؤمنين بالذين عملوا بطاعته ، ونهوا أنفسهم عن مخالفته بان يدخل معهم الجنة من أهليهم وذوي قربا هم من كان مؤمنا قد قصر في عبادة ربه ، وخالف بعض ما نهى عنه ، بطريق التبعية لهم ، لا إنهم قد استحقوا تلك المنازل بما أسلفوا من الطاعات في الدنيا ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المر سلين وإمام المتقين ، لولي بهذه الكرامة ان يدخل الله تعالى عصاة ذريته الجنة ، تبعا له ، ويرضى عنهم برضاه عنه صلى الله عليه وسلم .

وروى ابن جرير في تفسيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته ، وان كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ، ثم قرأ ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ

- ص 77 -

وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ) ( الطور 21 ) قال : ما أنقصنا الآباء بما أعطيناه للبنين ) .

ويستخلص المقريزي من ذلك بان الله تعالى إذا أكرم المؤمن لإيمانه ، فجعل ذريته الذين لم يستحقوا درجته معه في الجنته لتقصيرهم ، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه تبارك وتعالى من ان يهين ذر يته بإدخالهم النار في الآخرة ، وهو عزوجل يقول في آل عمران ( آية 192 ) ( إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) ، بل من كمال شرفه صلى الله عليه وسلم ورفيع قدره وعظيم منزلته عند الله عز وجل ان يقر الله عينه بالعفو عن جرائم ذريته ، والتجاوز معاصيهم ، ومغفرة ذنوبهم ، وان يدخلهم الحنة من غير عذاب .

كما يستخلص المقريزي كذلك من قوله تعالى في الآية 82 من الكهف ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) ، انه إذا صح ان الله سبحانه وتعالى قد حفظ غلامين بصلاح أبويهما وما ذكر عنهما صلاحا ، رغم ان بينهما سبعة أو تسعة آباء ، فيكون قد حفظ الأعقاب برعاية الأسلاف ، وان طالت الأحقاب ، ومن ذلك ما جاء في الأثر من ان حمام الحرم من حمامتين عششتا على فم الغار الذي اختفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك حرم حمام الحرم ، فانا ذلك كذلك ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أحرى وأولى وأحق وأجدر ، ان يحفظ الله تعالى ذريته ، فانه إمام الصلحاء ، وما أصلح الله فساد خلقه إلا به ، ومن جملة حفظ الله تعالى لأولاد فاطمة ان لا يدخلهم النار .

وقد روى الإمام احمد والطيالسي عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال ( ما بال أقوام يزعمون ان رحمي لا تنفع ، والذي نفسي بيده ان رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة ) .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب