في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - محمد بيومي  ص 77 : -

 4 - تحريم الصدقة على أهل البيت

بلغت كرامة أهل البيت عند الله ان حرم عليهم الصدقات ، وان احل لهم الهدايا ، شانهم في ذلك شان جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لان الصدقات أردان الناس وأوزارهم ، وهم ، رضي الله عنهم ، الطاهرين المطهرون ، وقد أورد 

- ص 78 -

السيوطي في الخصائص الكبرى عدة أحاديث في هذا المعنى .

منها ما أخرجه مسلم واحمد عن المطلب ان ربيعة ين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ان هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد ) .

واخرج ابن سعد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : ( ان الله حرم علي الصدقة وعلى أهل بيتي ) .

واخرج الطبراني عن ابن عباس قال : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الأرقم الزهري على السعاية ( جمع الصدقات ) فاستتبع أبا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( يا أبا رافع ان الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد ) ( أخرجه احمد وأبو داود من حديث أبي رافع ، وفيه قال : ان الصدقة لا تحل لنا ، وان مولى القوم من أنفسهم ) .

واخرج ابن سعد عن عبد الملك بن المغيرة قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا بني عبد المطلب : ان الصدقة أوساخ الناس فلا تأكلوها ولا تعملوا عليها ) .

واخرج مسلم وابن سعد عن المطلب بن ربيعة بن الحارث قال : ( جئت أنا والفضل بن العباس ، فقلنا يا رسول الله : جئنا لتؤمرنا على هذه الصدقات ، فسكت ورفع رأسه إلى سقف البيت حتى أردنا ان نكلمه ، فأشارت إلينا زينب من وراء حجابها كأنها تنهانا عن كلامه واقبل فقال : ان الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس ) .

وروى احمد في مسنده عن الحسن بن علي قال : أخذت تمرة من تمر الصدقة فتركتها في فمي ، فنزعها صلى الله عليه وسلم بلعابها ، وقال : ( انا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) .

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة انه صلى الله عليه وسلم قال : كخ كخ . . ارم بها ، ( أما شعرت إنا لا نأكل الصدقة ) .

وهكذا يحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذين الحديثين الأخيرين على توجيه الحسن إلى التسامي بنفسه ، كما حرص في الأحاديث السابقة على توجيه آل بيته ، إلى المكانة اللائقة بأهل البيت الذين يذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فتكون أيديهم هي العليا ، يعطون ولا يأخذون ، ويتصدقون ولا يتصدق عليهم ، لان مقام أهل البيت بالنسبة إلى غيرهم ، مقام النجوم في السماء من أهل الأرض ، ولا يليق بأهل البيت ان يأكلوا من الصدقات لأنها ملوثة بذنوب الناس . بها يتطهرون من هذه الذنوب ، قال تعالى في الآية ( 103 ) من التوبة ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ) .

- ص 79 -

هذا ويقول العلماء لما كانت الصدقة أوساخ الناس ، فقد نزه منصبه الشريف عن ذلك على آله صلى الله عليه وسلم بسببه ، هذا إلى ان الصدقة إنما تعطى على سبيل الترحم المبني على ذل الأخذ ، ومن ثم فقد أبدلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز والشرف المبني عن عجز الأخذ ، وذل المأخوذ منه .

هذا ويجمع العلماء على ان الزكاة وصدقة التطوع لا تحل له صلى الله عليه وسلم ، وأما أهل البيت فتحرم عليهم الزكاة ، وتحل لهم صدقة التطوع ، وان رأي البعض إنها تحرم عليهم كذلك ، وهو الأصح فيما نرى .

ويذهب ( الثوري ) إلى ان الصدقة لا تحل لآل محمد ، فرضها ونقلها ، وكذا مواليهم لا ن موالي القوم منهم .

وقال ( مالك ) تحل لمواليهم ، وقال أبو يوسف ، صاحب أبي حنيفة ، لا تحل لآل محمد صدقة غيرهم ، وتحل لهم صدقة بعضهم على بعض .

هذا وقد ذهب الإمام احمد إلى تحريم الصدقة على أزواج النبي ، دون مواليهم ، ولكنها تحرم على موالي آل محمد ، لقوله صلى الله عليه وسلم ( مولى القوم منهم ) ، ذلك لان تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليس بطريق الأصالة ، كال النبي ، وإنما حرمت عليهم تبعا لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم ، والتحريم على المولى فرع التحريم سيده ، ولما كان التحريم على أهل البيت أصلا ، استتبع ذلك التحريم على مواليهم ، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تبعا ، لم تحرم على مواليهم لأنه فرع عن فرع .

وقد ثبت في الصحيح ان ( بريرة ) مولاة عائشة رضي الله عنها قد تصدق عليها بلحم فا كلته ، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، بينما حرم صلى الله عليه وسلم الصدقة على مولاه أبي رافع ، وقال له : ( ان الصدقة لا تحل لنا ، وان مولى القوم منهم ) .

حق أهل البيت في الغنائم خص الله سبحانه وتعالى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بسهم في الغنية ، قال تعالى في الآية ( 41 ) من الأنفال ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) وقد اتفقت المذاهب الإسلامية على ان المراد بالقربى إنما هي قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وان اختلفوا فيمن يأخذه من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فذهب فريق إلى انه للإمام علي وفاطمة الزهراء وولديهما الحديث ابن 

- ص 80 -

عباس قال قيل يا رسول الله : ( من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم ، فقال : علي وفاطمة وابناهما ) .

وقد جاء في تفسير البيضاوي مثل ذلك ، على ان هناك من يرى ان سهم ذي القربى إنما يصرف لكل بني هاشم ، وكذا بني المطلب ، الذين آزر وابني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام ، ودخلوا معهم في شعب أبي طالب ، غضبا لرسول الله وحماية طالب عم له ، فعل ذلك مسلمهم طاعته لله ولرسوله ، وفعله كافرهم حمية للعشرة ، وطاعته لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بنو عبد شمس ونوفل ، وان كانوا بنبي عمهم ، فلم يوافقوهم على ذلك بل حاربوهم ونابذوهم ، وقال جبير بن مطعم بن عدي : مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله : أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة ( أي جميعهم أبناء عبد مناف ) فقال صلى الله عليه وسلم ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحده ) ، رواه مسلم ، وفي بعض روايات هذا الحديث ( إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام )

وفي رواية البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب : ان جبير بن مطعم اخبره قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ، ونحن بمنزلة واحدة منك ، فقال : ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ، قال جبير : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا )

وهذا قول جمهور العلماء : إنهم بنو هاشم وبنو المطلب ، وقال ابن جرير وآخرون إنما هم بنو هاشم ، وروى عن مجاهد انه قال : علم الله ان في بني هاشم فقراء ، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة وفي رواية عنه انه قال : هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة وروى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبت لكم عن غسالة الأيدي لان لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم ) .

هذا وقد اختلف العلماء في الغنيمة فهي عند السنة ما أخذه المسلمون من المشركين بالحرب والقتال وهي عند الشيعة الإمامية ما أخذه المسلمون من المشركين بالحرب والقتال والإغارة على بلاد الشرك ، بل ويلحق بها المعادن التي يجدها الإنسان في أرضه والكنز المدفون لم يعرف صاحبه وما يستخرج من البحر 

- ص 81 -

وكل ما يفضل عن مؤنة الإنسان سواء اكتسبه بالصناعة أو الزراعة أو التجارة كل ذلك يجب فيه الخمس عند الشيعة ، هذا وقد ذهب أهل السنة إلى ان المراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من الناس من بني هاشم أو غيرهم وقال الشيعة تقتصر على الهاشميين وذهب الشافعي وابن حنبل إلى ان الغنيمة تقسم إلى خمسة أسهم ، سهم للرسول صلى الله عليه وسلم ويصر على مصالح المسلمين وسهم يعطي لذوي القربى أغنياء كانوا أم فقراء والباقي لليتامى والمساكين وابن السبيل وذهب أبو حنيفة إلى ان سهم الرسول سقط بموته صلى الله عليه وسلم أما ذو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما مالك فالرأي عند السنة ان يرجع أمر الخمس إلى الإمام يقسمه حسب ما يراه من المصلحة وأما الرأي عند الشيعة فان الأسهم الثلاثة ( سهم الله والرسول وذو القربى ) فيفوض أمرها إلى الإمام أو نائبه يضعها حسب ما يراه من المصلحة وأما الأسهم الثلاثة الباقية فتعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب