الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
3
الحمد لله رب العالمين وأفضل
الصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا ونبينا أبي القاسم
محمد وعلى أهل بيته المنتجبين الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهرهم تطهيراً ، ولعنة الله الدائمة على أعدائهم وظالميهم إلى
قيام يوم الدين .
يهدف هذا الكتاب إلى معالجة
مجموعة من المسائل الخلافية المهمة بين االمسلمين الإعتقادية
أو الفقهية بالبحث والتحقيق ، وحيث أنّ جملة من المسائل تتوقف
على بعض القواعد والأصول فقد كان من اللازم تقديم مقدمة تتكفل
ببيانها ، وقد حاولنا بيان بعض الموارد الأساسية فيها ، كما
أنه قد نتعرض لبعض آخر منها لاحقاً .
4
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
المبحث الأول
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات علماء الجرح
والتعديل
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
5
من الأمور الواضحة أنّ من أهم
مصادر معرفة وثاقة الراوي أو ضعفه كلمات أهل الخبرة والمطلعين
من علماء الجرح والتعديل الذين يمكن الاعتماد على كلامهم بهذا
الشأن ، وهذا الكلام وإن كان تاماً في الجملة ، ولكن لا يمكن
قبوله على إطلاقه لاسيما إذا قمنا بتحقيق أسباب الجرح والتعديل
عند علماء السنة المتصدين لإمامته ، فإنّ كثيراً من كلماتهم
لاسيما في جرح الراوي وتضعيفاتهم غير معتبرة ولا يمكن التعويل
عليها ، وهذا الكلام قد يبدو غير مقبول لأول وهلة ، ولكن سيتضح
حاله عند البحث والتحقيق ، لاسيما بعد ملاحظة أن كبار أئمة
الجرح والتعديل أنفسهم هم الذين قرروا ذلك ونبهوا عليه باهتمام
بالغ ، وأكدوا على أن جملة وافرة من الطعون التي صدرت من جماعة
عدوهم من كبار الأئمة وأرباب علوم الرواية والدراية صدرت
لأسباب واهية لا تقتضي أدنى طعن في الراوي ، مضافاً إلى أن
عدداً كبيراً لا يُستهان به من الأئمة المعتمدين عندهم طعنوهم
بالضعف وسقوط العدالة إما لأسباب لا يلزم منها ذلك أو لأسباب
أخرى يطول شرحها ، وليتضح ما نريد أن نصل إليه نبدأ بذكر
الموارد التي قرر علماء الجرح والتعديل رفضها بشأن جرح الرواة
وتضعيفهم ، فقد ذكروا لذلك الموارد التالية :
الأول : الجرح غير المفسر :
ونقصد به الجرح الذي لم يبين سببه ، وقبل أن نذكر الأسباب التي
دفعتهم إلى ذلك نذكر بعض العبارات التي ذكروها بهذا الشأن :
1- قال
ابن الصلاح : حكى أبو عبد الله بن مندة الحافظ أنه سمع
محمد بن سعد البارودي بمصر يقول : كان مذهب أبي عبد الرحمن
6
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
النسائي أن يخرج عن كل من لم
يجمع على تركه . (1)
والذي تفيده العبارة المتقدمة
أن الحافظ النسائي كان لا يعتد بالجرح إلا إذا اتفق عليه
المحدثون ، وأما إذا كان مختلفاً فيه ، فلا يحكم لأجله بضعف
الراوي ، بل يعتمد عليه ، ويخرج حديثه إذا وثقه البعض ممن
يعتمد عليهم ويكون حديثه معتبراً على شرطه .
وقد تعرض الحافظ ابن حجر
العسقلاني لشرح الأسباب التي دفعتـه لذلك وأن ذلك لم ينشأ من
جهة التساهل ثم قال : وإذا تقر ر ذلك ظهر أنّ الذي يُتبادر إلى
الذهن من أنّ مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك ، فكم
من رجل أخرج له أبو داود والترمـذي تجنـب النسـائي إخــراج
حـديثـه ... إلى أن قــال : بـل تجـنب النسـائي إخراج حديث
جماعة من رجال الصحيحين . (2)
2- قال
الخطيب البغدادي في الكفاية : ومذاهب النقاد غامضة
دقيقة ، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن
الاحتجاج بخبره ، وإن لم يكن الذي سمعه
(1) علوم الحديث لابن الصلاح ص 33 ،
النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر ج1 ص
482.
(2) النكت علي كتاب ابن الصلاح ج1 ص 482
.
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
7
موجباً لرد الحديث ، ولا مسقطاً
للعدالة . (1)
3- قال
الحافظ ابن الصلاح في مقدمته : التعديل مقبول من غير
ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور ... إلى أن قال : وأما
الجرح فإنه لا يقبل إلا كان مفسراً مبين السبب ... إلى أن قال
: وقد ذكر الخطيب الحافظ (2) أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث
ونقاده مثل البخاري ومسلم وغيرهما ، ولذلك احتج البخاري بجماعة
سبق من غيره الجرح لهم ، كعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما
، وكإسماعيل بن أويس ، وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق وغيرهم ،
واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة ، وهكذا فعل أبو داود
السجستاني ، وذلك دال على أنهم ذهبـوا إلى أنّ الجـرح لا يثبت
إلا إذا فسر سببه ، ومذاهب النقاد غامضة مختلفة . (3)
ونحو ذلك ذكر ابن حجر في هدي الساري . (4)
4- قال
الحافظ ابن الملقِّن : يقبـل التعديل من غير ذكر سببه
على المذهب الصحيح المشهور ، لأن أسبابه كثيرة يصعب
(1) الكفاية في علم الرواية ص
109 .
(2) يقصد به الخطيب البغدادي ، ذكر ذلك في
الكفاية ص 108 .
(3) علوم الحديث ص 69 ،
مقدمة ابن الصلاح ص 86 .
(4) هدي الساري / مقدمة فتح الباري ص 381
.
8
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
ذكرها ، ولا يقبل الجرح إلا
مبين السبب ، ليُنظـر فيه أهـو جـرح أم لا ، فقـد يُظن ما ليس
بجارح جارحاً . (1)
وكلماتهم بهذا الشأن كثيرة جداً . (2)
ولعله اتضح من بعض العبارات
السبب الذي دفعهم إلى عدم قبول الجرح ما لم يكن مبين السبب وهو
أنه كثيراً ما يطعن في الراوي ويضعف لأسباب واهيـة جـداً لا
تستدعي في الراوي أدنى مغمز ، أو لا تقتضي رد روايته ، يقول
ابن حجر في بيان الوجه في ذلك (3) :
لأن الأسباب الحاملة للأمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ،
ومنها ما لا يقدح .
وقال ابن الصلاح (4) : لأن
النـاس يختلفون فيما يـجرح وما لا يجـرح ، فيطلق أحدهم الجرح
بناءاً على أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر
(1) المقنع في علوم الحديث ج1 ص
248 .
(2) راجع أيضاً : تدريب الراوي ج1 ص 308
، فتح المغيث للسخاوي ج1 ص 121 ،
التقييد والإيضاح ص 140،
التبصرة والتذكرة للعراقي وهامشها ج1 ص
30 ، الرفع والتكميل ص 409 ،
الموقظة للذهبي ص 82 ،
الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم
ص 23 .
(3) هدي الساري / مقدمة فتح الباري ص 381
.
(4) مقدمة ابن الصلاح ص 86 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
9
فلا بد من بيان سببه لينظر فيه
أهو جرح أم لا .
أمثلة
وتطبيقات
ولا بأس أن نذكر عدة أمثلة
لبيان ما تقدم :
1- قيل لشعبة بن الحجاج وهو الذي ينسب إليه تأسيس علم الجرح
والتعديل : لم تركت حديث فلان ؟ قال رأيته يركض على برذون له
فتركت حديثه . (1)
2- طعن إمام الجرح والتعديل
يحيى بن معين المعروف عند السنة في أحد الرواة لأنه سمع الحديث
ممن هو أصغر منه ، يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي :
أنّ يحيى بن معين يطعن على عامر بن صالح . قال : يقول ماذا ؟
قلت : رآه يسمع من حجاج . قال : قد رأيت أنا حجاجاً يسمع منه
هشيم ، وهذا عيب ؟ يسمع الرجل ممن هو أصغر منه وأكبر . (2)
3- أخرج الخطيب بإسناده عن أبي
عبيدة الحداد قـال : حدثنا شعبـة يوماً عن رجل بنحو من عشرين
حديثاً ، ثم قال : أمحوها ، قلنا له : لم ؟ قال : ذكرت شيئاً
رأيته منه ، فقلنا : أخبرنا به ، أي شيء هو ؟
(1) الكفاية في علم الرواية ص
111 .
(2) الكفاية في علم الرواية ص
110 .
10
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
قال : رأيته على فرس يجري ملء
فروجه . (1)
4- أخرج أيضاً بسنده عن شعبة
قال : قلت للحكم بن عتيبة : لم ترو عن زاذان ؟ قال : كان كثير
الكلام .
5- أخرج أيضاً بسنده عن محمد بن
علي الوراق قال : سألت مسلم بن إبراهيم عن حديث لصالح المري ،
فقال : ما تصنع بصالح ؟ ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط
حماد . (2)
وممن اتهم بأنه يجرح بما لا
يقتضي ذلك الخطيب البغدادي ، يقول بشأنه ابن الجوزي في المنتظم
:
... وكـان في الخطيب شيئان : أحدهما : الجـري على عادة عـوام
المحدثين فتراهم يجرحون بما ليس يجرح (3) وذلك لقلة فهمهم .
(4)
والشواهد على ذلك كثيرة يمكن أن يعثر عليها المتتبع في كتب
الجرح والتعديل .
ومما تقدم يظهر أن مقتضى
القاعدة عدم قبول الجرح غير المفسر، وعدم معارضته للتعديل ،
وهذه القاعدة على عمومها هي المعروفة بين علماء الحديث من أهل
السنة ومنهم البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم كما صرح عدة بذلك
وهي من أهم الأسس للقول بأن من احتج به البخاري ومسلم فلا
يلتفت إلى ما قيل فيه .
(1) الكفاية في علم الرواية ص
110 .
(2) الكفاية في علم الرواية ص 113 .
(3) ليست هذه العادة مقتصرة على عوام المحدثين ، بل على كبار أئمتهم
كيحي بن سعيد القطان وابن القطان والذهبي وابن الجوزي نفسه وغيرهم كما
سيتضح مما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى .
(4) المنتظم ج16 ص 133 وفيات 463 هجري .