الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
67
نماذج
من المفرطين
من أئمة الجرح والتعديل
وليستكمل الموضوع بصورة
تامة لا بأس أنْ نتعرض لجماعة من كبار ائمة الجرح
والتعديل عند السنة لتتضح قيمة كلماتهم في الجرح
والتعديل .
1-
الحافظ الذهبي
يقول بشأنه تلميذه
السبكي في طبقات الشافعية الكبرى : ... وهذا شيخنا
الـذهبي رحمـه الله من هـذا القبيل ، لـه علم وديانـة
، وعنـده على أهل السنة (1) تحمّل مفرط فلا يجوز أنْ
يُعتمد عليه .
ونقلت مـن خط الحافـظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي
العلائي رحمه الله ما نصه :
(1) يقصد بأهل السنة هنا الأشاعرة فقط كما سيتضح من سياق كلامه .
68
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
الشيخ الحافظ شمس الدين
الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس
، ولكنه غلب عليه طبع مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل
(1) والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه إنحرافاً
شديداً عن أهل التنزيه ، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات
، فإذا ترجم واحداً منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل
فيه من المحاسن ، ويُبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته
، ويتأول ما أمكن ، وإذا ذكر أحداً من الطرف الآخر
كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما ، لا يبالغ في وصفه ،
ويُكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ،
ويعتقده ديناً وهو لا يشعر ، ويُعرض عن محاسنهم
الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحـد منهم بغلطـة
ذكـرها ، إذا لم يقـدر على أحـد منهم بتصريح يقـول في
ترجمته : والله يُصلحه ، ونحو ذلك ، وسببه المخالفة في
العقائد .
(1) يقصد بهم الحنابلة الذين جمدوا على ألفاظ بعض الروايات
الواردة عند أهل السنة بشأن الصفات التي أطلقوا عليها مصطلح ( الصفات
الخبرية ) التي تنسب للباري عز إسمه وتعالت قدرته صفة اليد والوجه
والرجل وغير ذلك ، ورفضوا تأويلها حسب مقتضى الدليل الذي هو عند
الأشاعرة ، فكانوا في نظر الأشاعرة بعيدين عن القول بالتنزيه .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
69
قال السبكي بعد ذلك :
والحال في حق شيخنا الذهبي أزيد مما وصف ، وهو شيخنا
ومعلمنا ، غير أنّ الحق أحق أنْ يُتبع ، وقد وصل من
التعصب المفرط إلى حد يُسخر منه ، وأنا أخشى عليه يوم
القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا
لنا الشريعة النبوية ، فإنّ غالبهم أشاعرة وهو إذا وقع
بأشعري لا يُبقي ولا يذر ، والذي أعتقده أنهم خصماؤه
يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده ، فالله المسئول
أنْ يُخفف عنه ، وأنْ يلهمهم العفو عنه ، وأنْ يُشفعهم
فيه .
والذي أدركنا عليه
المشايخ النهي عن النظر في كلامه ، وعدم اعتبار قوله
ولم يكن يستجري أنْ يُظهر كتبه إلا لمن يغلب على ظنه
أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه .
وأما قول العلائي رحمه
الله ( دينه وورعه وتحريه فيما يقوله ) ، فقد كنت
أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء إنه ربما اعتقدها
ديناً ، ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب ، وأقطع
بأنه لا يختلقها ، وأقطع بأنه يُحب وضعها في كتبه
لتنتشر ، وأقطع بأنه يُحب أنْ يعتقد سامعها صحتها
بغضاً للمتحدث فيه وتنفيراً للناس عنه ، مع قلة معرفته
70
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
بمدلولات الألفاظ ، ومع
اعتقاده أنّ هذا مما يوجب نصرة العقيدة التي يعتقدها
هو حقاً ، ومع عدم ممارسته ، غير أني لما أكثرت بعد
موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفت
في تحريه فيما يقوله ، ولا أزيد على هذا غير الإحالة
على كلامه ، فلينظر كلامه من شاء ، ثم يبصر هذا الرجل
متحر عند غضبه أو غير متحر ، وأعني بغضبه وقت ترجمته
لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية
والمالكية والشافعية ، فإني أعتقد أنّ الرجل كان إذا
مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضباً مفرطاً ، ثم قرطم
الكلام (1) ومزقه وفعل من التعصب ما لا يخفى على ذي
بصيرة ، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما
ينبغي فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق
بها ، ودائماً أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازي
في كتاب الميزان في الضعفاء ، وكذلك السيف الآمدي ،
وأقول يالله العجب ! هذان لا رواية لهما (2) ، ولا
جرّحهما أحد ، ولا سُمع من أحد أنه ضعفهما فيما
ينقلانه من علومهما ، فأي مدخل لهما في هذا الكتاب ؟
إنا لم نسمع أحداً يُسمي الإمام فخر الدين
(1) يعني : قطعه .
(2) لأنّ ميزان الإعتدال صنفه في رجال الحديث الذين نسب لهم الضعف سواء
قبله أم لا، وليس في رجال الفقه والكلام وغيرهما .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
71
بالفخر ، بل إما الإمام
وإما ابن الخطيب ، وإذا ترجمة كان في المحمّدين (1)
فجعله في حرف الفاء ، وسماه الفخر ، ثم حلف في آخر
الكتاب أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه ، فأي هوى نفس أعظم
من هذا ؟! فإما أنْ يكون ورى في يمينه ! أو استثنى غير
الرواة ، فيقال له : فلم ذكرت غيرهم ؟! وإما أنْ يكون
اعتقد أنّ هذا ليس هوى نفس ، وإذا وصل إلى هذا الحد
والعياذ بالله فهو مطبوع على قلبه . (2)
وقال الحافظ جلال الدين
السيوطي : ... إنْ غرّك دندنة الذهبي ، فقد دندن على
الإمام فخر الدين بن الخطيب ذي الخطوب ، وعلى أكبر من
الإمام وهو أبو طالب المكي صاحب ( قوت القلوب ) ، وعلى
أكبر من أبي طالب ، وهو الشيخ أبو الحسن الأشعري ،
الذي يجول في الآفاق ويجوب ، وكتبه مشحونة بذلك ،
الميزان والتاريخ وسير النبلاء ، أفقابل كلامـه في
هـؤلاء ؟ كـلا والله لا يقبل كلامه فيهم ، بل نوصلهم
حقهم ونوفيهم . (3)
أقول : نقلنا كلام السبكي وغيره بطوله ليتضح الحال
بالنسبة لموقف بعض علماء السنة من
(1) يعني في باب إسم محمد .
(2) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 13- 15
(ط. دار إحياء الكتب العربية - القاهرة )
(3) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص
319 ، 320 .
72
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
الحافظ الذهبي
الذي هو من كبار ائمة الجرح والتعديل عند السنة ،
وكتبه في أحوال الرواة من الكتب المعروفة المشهورة
كسير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام وميزان الاعتدال
وغيرها ، وإذا كان هذا هو انطباع بعض كبار السنة
كالسبكي وصلاح الدين بن كيكلدي العلائي وجلال الدين
السيوطي مع أنهم من علماء السنة ويتفقون مع الذهبي في
كثير من أصول الاعتقاد ، ولا يختلفون معه في أمر
الإمامة ولا غيرها ، فكيف يكون قول غيرهم ممن يختلفون
معه اختلافاً أوسع من ذلك كالشيعة والمعتزلة ، وكيف
يكون الأمر إذا ترجـم مـن نُسب إلى التشيـع أو نقـل
روايـة لا تعجبـه في منـاقب أهـل البيت (ع) ، وماذا
يمكن أنْ نقول في كتابه تلخيص المستدرك الذي تجاوز فيه
القواعد المعتمدة لديه لتضعيف ما ورد في مناقب أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأهل بيت العصمة
والطهارة (ع) في حدود ما أمكنه منه .