74 ........................................ تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات علماء الجرح والتعديل

3- ابن حزم الأندلسي الظاهري

وهو من كبار أركان المذهب الظاهري ، ومن علماء السنة المعروفين ، وقـد كان من المعروفين بشدة التعصب والتعنت في النقد والمبالغة في طعن من يخالفه يقول السبكي :
وهذا ابن حزم رجل جريء بلسانـه ، متسرع إلى النقل بمجرد ظنـه ، هاجم على أئمة الإسلام بألفاظه ، وكتابه هذا الملل والنحل من شر الكتب ، وما برح المحققون من أصحابنا ينهون عن النظر فيه ، لما فيه من الإزراء بأهل السنة ، ونسبة الأقوال السخيفة إليهم من غير تثبت ، والتشنيع عليهم بما لم يقولوه ، وقد أفرط في كتابه هذا الغض من شيخ السنة أبي الحسن الأشعري وكاد يُصرح بتكفيره في غير موضع ، وصرّح بنسبته إلى البدعة في كثير من المواضع ، وما هو عنده إلا كواحد من المبتدعة . (1)

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته في لسان الميزان : وكان واسع الحفظ جداً إلا أنه لثقته بحافظته كان يهجم على القول في التعديل والتخريج وتبيين أسماء الرواة فيقـع له من ذلك أوهـام شنيعـة ، وقـد

 

(1) طبقات الشافعية الكبرى ج1 ص 90 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 75

تتبع كثيراً منها الحافظ قطب الدين المحلي . (1)
وقال أيضاً : ومما يُعاب على ابن حزم وقوعه في الأئمة الكبار بأقبح عبارة وأشنع رد ، وقد وقعت بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات ومنافرات .
ثم قال : وقال أبو العباس بن العريف الصالح الزاهد : لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان . (1)

أقول : يكفي دليلاً على تعصبه المفرط أنه عندما يذكر عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين (ع) والذي كان من الخوارج الذي وردت الروايات المتواترة عن النبي (ص) بشأنْ مروقهم عن الدين وقد أخرجها البخـاري ومسلم وغيرهما ، يـذكر بأنّ الأمـة كلها تتفـق على أنه كـان متأولاً مجتهداً مقدراً أنه الصواب ، يقول في المحلى :
ولا خلاف بين أحـد من الأمـة في أنّ عبـد الرحمن بن ملجـم لم يقتل علياً رضي الله عنه إلا متأولاً مجتهداً مقدراً أنه الصواب ، وفي ذلك يقـول عمران بنت حطان شاعر الصفرية :

 

(1) لسان الميزان ج4 ص 198 رقم 531 ، وراجع هامش الرفع والتكميل لعبد الفتاح أبو غدة ص 293 .
(2) لسان الميزان ج4 ص 201 رقم 531 .

 
 

76 ........................................ تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات علماء الجرح والتعديل

يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حيناً فأحسبه أوفى البرية عنـد الله ميـزانا (1)

ولكنه عندما يتحدث عن قتلة عثمان تجده يرفض فكرة كونهم متأولين ومجتهـديـن ، وفي الوقت نفسـه يعـطي الأعـذار البالغـة لقتلـة عمار بن ياسر (رض) يقول في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل : وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي ، شهد عمار بيعة الرضوان فهو من شهد الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو الغادية رضي الله عنه !!! متأول مجتهد مخطيء فيه باغ عليه مأجور أجراً واحداً ، وليس هذا كقتلة عثمان ، لأنهم لا مجال للاجتهاد في قتله ، لأنه لم يقتل أحداً ، ولا حارب ، ولا قاتل ولا دافع ولا زناً بعد إحصان ولا ارتد ، فيسوغ المحاربة تأويل ، بل هم فساق محاربون سافكون دماً حراماً عمداً بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان ، فهم فُساق ملعونون . (2)

 

(1) المحلى ج10 ص 484 ، الغدير ج1 ص 323 .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص 161 ط1 ، وج4 ص 242 ط شركة مكتبات عكاظ – سنة 1982 م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 77

هذا مع تواتر الحديث عن الرسول الأعـظم (ص) أنه قال في عمـار بن ياسر (رض) أنه تقتله الفئة الباغية كما اعترف هو نفسه بصحة هذا الحديث عن النبي (ص) (1) ، ومع أنّ عثمان بن عفان تسلط على الناس بسببه بنوا أمية وحصل منهم الفساد بالاتفاق لاسيما من مروان بن الحكم ، ولذا أرادوا منه تسليمه (2) ، كما أنّ الذين تسببوا في قتل عثمان فيهم بعض الصحابة كطلحة والزبير وغيرهما أيضاً ، فما الذي يجعـل التأويـل ممكنا في قتل أمير المؤمنين (ع) وفي قتل عمار بن ياسر الذي أخبر الرسول الأعظم (ص) (3) أنه تقتله الفئة الباغية التي يدعوها إلى الجنة ويدعـونه إلى النار كما أخرج ذلـك عـدة من الحفاظ منهم البخاري في صحيحه ويجعله ممتنعا في قتل عثمان ؟!

 

(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص 151 ط شركة مكتبات عكاظ .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص 239 .
(3) صحيح البخاري ج1 ص 172 وج3 ص 1035 ط. دار ابن كثير – اليمامة / بيروت ، صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج4 ص 2236 ح 2916 ، والمصادر علي ذلك في غاية الكثرة .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب