80 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

المبحث الثاني
قيمة اتهام الرواة بالتشيع

وحيث وصل بنا المقام إلى طبيعة الإتهامات الصادرة منهم ، وأنّ كثيراً منها في حق أئمتهم فضلاً عن غيرهم ، لم تكن بدوافع موضوعية ، بل بسبب العصبية المفرطة وإتباع الهوى أو الحسد أو غير ذلك كما صرحوا أنفسهم بذلك كالذهبي وأبي بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ ، فمن الجدير بنا أنْ نقيم الطعون الصادرة منهم في كثير من الرواة بنسبتهم إلى التشيع أو الرفض على حد تعبيرهم ، وقبل الحديث عن هذا الموضوع نحتاج إلى تقديم مقدمة في بيان الفـرق بين الرفض والتشيع في عباراتهم .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 81

الفرق بين مصطلحي الرفض والتشيع في كتب محدثي السنة

تتفق كلمات علماء السنة من المحدثين وغيرهم بأنّ الرفض هو عبارة عـن الاعتقاد بإمـامـة أمير المؤمنين (ع) بلا فصـل بعـد الرسول الأعظم (ص) ، وعدم الإعتقاد بإمامة غيره بعد رسول الله (ص) مباشرة ، ولكن كلماتهم في مصطلح التشيع متباينة ، كما سيتضح إنشاء الله تعالى ولكنها تتفق على أنّ معنى التشيع أعم من الرفض ، فالتشيع عندهم قد يلتقي مع الإعتقاد بإمامة أبي بكـر وعمـر وعثمان بعـد الرسـول الأعـظم (ص) ، فمن يفضـل أمير المؤمنين (ع) عندهم على عثمان فهو من الشيعة وإنْ كان معتقداً بأصول معتقدات السنة فيما عدا ذلك ، ولذا حكموا بتشيع جماعة من كبار الأئمة المعتمدين عندهم والذين حكموا بوثاقتهم وإمامتهم وعلو شأنهم كالنسائي والحاكم وغيرهما .

ولا بأس بعرض بعض أقوالهم بهذا الشأنْ لبيان مقصودهم من مصطلح التشيع :
1- قال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن تغلب بعد أنّ حكم بوثاقته ، وذكر بشأنه أنه شيعي جلد : فلقائل أنْ يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان ، فيكف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟

82 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

والجواب : أنّ البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .

ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحـط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يُحتج بهم ولا كرامة . وأيضاً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً بل الكذب شعارهم ، والتقية والنفاق دثارهم ، فكيف يُقبل نقل من حالـه هذا ؟! حاشا وكلا ، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والـزبيـر وطلحـة وطائفـة ممن حـاربت علياً (ع) رضي الله عنه ، وتعـرض لسبهم .

والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أيضاً ، فهذا ضال معثر ، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً ، بل قد يعتقد علياً (ع) أفضل منهما . (1)

2- قال ابن حجر في ترجمة أبان بن تغلب أيضاً في تهذيب التهذيب : فالتشيع في عرف

 

(1) ميزان الإعتدال ج1 ص 4 رقم 2 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 83

 المتقدمين هو اعتقاد تفضيل علي (ع) على عثمان ، وأنّ علياً كان مصيباً في حروبه ، وأنّ مخالفه مخطيء ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما ، وربما اعتقد أنّ عليا (ع) أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وإذا كان معتقد ذلك ورعاً ديناً صادقاً مجتهداً فلا ترد روايته بهذا ، ولاسيما إذا كان غير داعية ، وأما التشيع في عرف المتأخرين ، فهو الرفض المحض ، فلا تقبل رواية الرافضي ولا كرامة . (1)

3- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء بشأنْ تفضيل أمير المؤمنين (ع) على عثمان : ليس تفضيل علي (ع) برفض ولا هو ببدعة ، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين ، فكل من عثمان وعلي (ع) ذو فضل وسابقة وجهاد وهما متقاربان في العلم والجلالة ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة ، وهما من سادة الشهداء رضي الله عنهما ، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي (ع) ، وإليه نذهب ، والخطب في ذلك يسير ، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر ، من خالف في هذا فهو شيعي جلد ، ومن أبغض الشيخين واعتقد عدم صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت ،

 

(1) تهذيب التهذيب ج1 ص 81 رقم 166 .

 
 

84 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بأمامي هدي فهو من غلاة الرافضة . (1)

4- قال ابن حجر العسقلاني في هـدي الساري : والتشيع محبـة علي (ع) وتقديمه على الصحابة ، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويُطلق عليه رافضي ، فإنْ انضاف إلى ذلك السب والتصريح بالبغض فغـال في الرفض ، وإنْ اعتقـد الرجعـة إلى الدنيـا فأشـد في الغلو . (2)

5- قـال ابن عبـد ربـه الأندلسي في العقد الفريد : الرافضة ، وإنما قيل لهم رافضة ، لأنهم رفضوا أبا بكر وعمر ، ولم يرفضهما أحد من أهل الأهواء غيرهم ، والشيعة دونهم ، وهم الذين يفضلون علياً  على عثمان ويتولون أبا بكر وعمر . (3)

والذي يستفاد مما تقدم :
أولاً : أنّ التشيع حسب كلام الذهبي في ميزان الإعتدال هو عبارة عن أحد أمور :
1- تفضيل أمير المؤمنين (ع) على عثمان .
2- تفضيل أمير المؤمنين (ع) على سائر الصحابة .
3- الكـلام في عثمان وطلحـة والزبيـر وجمـاعة ممن حاربـوا أمير المؤمنين (ع) .

 

(1) سير أعلام النبلاء ج16 ص 457 رقم 332 .

(2) هدي الساري ص 640 . (3) العقد الفريد ج2 ص 245 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 85

ووافق ابن حجر الذهبي في الأمرين الأولين حسب كلامه في تهذيب التهذيب .
بينما حد الرفض هو إنكـار إمامة أبي بكر وعمر والاعتقاد بأنّ أمير المؤمنين (ع) هو الخليفة بلا فصل بعد رسول الله (ص) .

وأما ابـن عبد ربه الأندلسي فقـد أطلق التشيـع على مـن يفضل أمـير المؤمنين (ع) على عثمان ، وذكـر ابن حجر أنّ حـد الرفـض هو تفضيل أمير المؤمنين (ع) على أبي بكر وعمر ، وهو خلاف كلامه الذي ذكره في تهذيب التهذيب .

ومقتضي التحقيق بتتبع كلماتهم في الجرح والتعديل هو اتساع مفهوم التشيع عندهم لما هو أكثر مما تقدم ، فحتى مجرد الإكثار من نقل فضائل أهل البيت (ع) عندهم يقتضي التشيع .

ثانياً : التشيع عندهم لا ينافي الصدق ولا الإيمان والورع ، بل قد يكون المحكوم بتشيعه من الأئمة المعتمدين الذين يرجع إليهم في شئون الدين ، بخلاف الرفض فإنهم اعتبروه من المثالب التي تستوجب الوهن وعدم الاعتبار ويدل على ما ذكرنا حكمهم على عدة من أئمتهم وكبار الحفاظ المعتمدين بالتشيع مع أنه لم يثبت عنهم القول بتفضيل أمير المؤمنين (ع) على عثمان ، بل الثابت عنهم هو العكس ، كالنسائي والطبري وشريك القاضي وغيرهم والحاكم صاحب

86 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

المستدرك على الصحيحين الذي نقل عنـه أنـه كـان يقـول بأنّ عمـر بـن الخطّاب هو أفضل الخلق بعد رسول الله (ع) . (1)

ثالثاً : اتضح مما تقـدم أنّ مجـرد تفضيل أمير المؤمنـين (ع) على عثمان عندهم يقتضي التشيع ، وعلى هـذا يدخل عدد كبير من أئمة السنة وأركانهم في الفقه والعقيدة والحديث منهم سفيان الثوري الذي ذكروا بشأنه أنه في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما (2) ، ومقامه ومكانته عندهم أوضح من أن تحتاج إلى بيان ، يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة :
اعلم أنّ الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أنّ أفضل هذه الأمة أبو بكر ، ثم عمر ، ثم اختلفوا ، فالأكثر ون ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك أنّ الأفضل بعدهما عثمان ، ثم علي (ع) ، وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي (ع) على عثمان ، وقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك ، فقد حكى أبو عبد الله المازني عن المدونة أنّ مالكاً رحمه الله سئل : أي الناس أفضل بعد نبيهم ؟ فقـال : أبو بكـر ، ثم عمـر . ثم قـال :

 

(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص 111 ، 112 .

(2) سير أعلام النبلاء ج7 ص 239 رقم 82 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 87

أوفي ذلـك شك ؟ فقيـل له : وعلي (ع) وعثمان ؟ فقال : ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يُفضل أحدهما على الآخر . (1)

وقد روى أبو نعيم الإصبهاني في حلية الأولياء بسنـده عن زيـد بن الحباب قال : كـان رأي سفيـان الثـوري رأي أصحـابـه الكـوفيين يفضـل علياً (ع) على أبي بكر وعمر ، فلما صار إلى البصرة رجع عنها وهو يُفضـل أبا بكـر وعمـر على علي (ع) ، ويفضـل علياً (ع) على عثمان . (2)

وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب : وذكر عبد الرزاق عن معمر قال : لو أنّ رجلاً قال : عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته ، وكذلك لو قال علي (ع) أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله ، فذكرت ذلك لوكيع فأعجبه واشتهاه . قال : يدل على أنّ أبا بكر رضي الله عنه أفضل من عمر رضي الله عنه سبقه إلى الإسلام . (3)

وقد اختلف نفس أئمة وفقهاء السنة اختلافاً كبيراً ، وإنْ اشتهر بينهم فيما بعد تفضيل أبي بكر وعمر ، فذهب بعضهم إلى أنه

 

(1) الصواعق المحرقة ص 86 ، الفصل الأول من الباب الرابع .
(2) حلية الأولياء ج7 ص 31 .
(3) الإستيعاب ج3 ص 1150 ، الصواعق المحرقة ص 87 .

 
 

88 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

لا يمكن الجزم بتفضيل أحد بعينه ، وبعضهم إلى أفضلية جعفر بن أبي طالب ، وبعضهم إلى أفضلية عبد الله بن مسعود ، وغير ذلك من الأقوال ، وقد نقل ذلك ابن حزم الأندلسي الظاهـري في كتابـه الفصل في الملل والأهـواء والنحل ، ثم قال : قال داود بن علي الفقيه رضي الله عنه أنّ أفضل الناس بعد الأنبياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وأفضل الصحابة الأولون من المهاجرين ، ثم الأولون من الأنصار ، ثم من بعدهم منهم ، ولا نقطع على إنسان بعينه أنه أفضل من آخر من طبقته ، ولقد رأينا من متقدمي أهل العلم ممن يذهب إلى هذا القول ، وقال لي يوسف ابن عبد الله بن عبـد البر النمـيري (1) غير مـرة أنّ هـذا هو قوله ومعتقده . (2)

وبالجملة فلم يتفق علماء السنة وأئمتهم على تفضيل أبي بكر وعمر بل اختلفوا في ذلك ، وإنْ نقل البعض منهم ذلك عن المشهور عنهم ، وفيـه نظـر لا يسـع المقام لتفصيلـه ، كما أنّ القـول بتفضيـل أمير المؤمنين (ع) على الكل عندهم فضلاً عن تفضيله على عثمان لا يستلزم الخروج عن

 

(1) وهو الحافظ ابن عبد البـر الأندلسي المالكي أحـد كبار فقهاء السنة وأئمتهم المعروفين .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص 111 ، 112 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 89

 التقوى والصدق وصحة العقيدة عندهم ، ولا يتنافى أيضاً عندهم مع إمامته كالقول بتفضيل جعفر بن أبي طالب أو بن مسعود أو غيرهما ، وكذا القول بالوقف لا يستلزم ذلك أيضاً كما تبين مما تقدم .

ومما تقدم يتبين أنّ نسبة الراوي إلى التشيع كما نجده في كثـير من أركـان الحديث والرواية عندهم ليس بالضرورة يقتضي الوهن أو الضعف عندهم ، بل قد لا يوجب أدنى مغمز في الراوي ، كما هو الحال لأنّ ما يقتضيه عندهم ليس منافياً لأصول العقيدة ، بل الأمر عندهم في بعض ما نسب لأجله الراوي إلى التشيع من الإجتهاديات التي ليس عندهم مما يستوجب الرفض والإنكار ، ولذا تقدم عن الذهبي أنّ تفضيل أمير المؤمنين (ع) على عثمان ليس ببدعة مـع أنه اعتبر التشيـع في ميزان الإعتدال من البـدع الصغرى التي لا تتنافى مع الصدق والعدالة .

ثم إنه قد تبين مما تقدم أنّ جماعة من أئمتهم اتهموا بالتشيع مع أنه ليس فيهم أدنى ما يقتضي ذلك بدوافع الهوى والعصبية كما هو الحال في اتهام شريك بن عبد الله النخعي القاضي والطبري والدارقطني وغيرهم ، وقد تقدم الكلام عن بعضهم .

ثم إنه بسبب الغفلة عما بيناه وقع عدة من المحققين في الخلط ، فذهبوا إلى تشيع بعض من ليس من الشيعة ، كما في حكم غير واحد

90 ................................................. قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء السنة

من المحققين من علماء الشيعة بتشيع الأعمش وعباد بن يعقوب الرواجني وغيرهم ممن نسب إلى التشيع أو الرفض عند السنة نتيجة اتهام علماء الحديث من السنة له بذلك ولا بأس بذكر نماذج ليتضح الحال على ما هو عليه :
1- سليمان بن مهران الأعمش

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب