94
.................................................
قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء
السنة
2- أبو الصلت
عبد السلام بن صالح الهروي ، أحـد رواة الحديث
المعروفين ، وكـان ممن
لقي الإمام علي بن موسى الرضا (ع) ، قال الذهبي فيه :
الشيخ العالم العابد ، شيخ الشيعة أبو الصلت عبد
السلام بن صالح ، الهروي ، ثم النيسابوري ، مولى قريش
، له فضل وجلالة ، فياليته ثقة (1) ، وقال الذهبي
أيضاً : وكان زاهداً متعبداً أعجب به المأمون لما رآه
وأدناه وجعلـه من خاصته . (2)
وقال أيضاً : قال أحمد بن سيار (3) : قدم مرو غازيا
ولما أراد المأمون أن يظهر التجهم وخلق القرآن جمع بين
هذا وبين بشر بن غياث ليناظره قال : وكان أبو الصلت
يرد على أهل الأهواء من الجهمية والمرجئة والقدرية
فكلم مرة بحضرة المأمون واستظهر ثم قال ابن سيار :
ناظرته لأستخرجه فلم أره يغلو ورأيته يقدم أبا بكر ولا
يذكر
(1) سير أعلام النبلاء ج11 ص 446 .
(2) سير أعلام النبلاء ج11 ص 447 .
(3) أحد كبار فقهاء السنة ومحدثيهم ، قال فيه الذهبي :
الإمام الكبير ، الحافظ ، الحجة ، أبو الحسن ، المروزي
، الفقيه ، عالم مرو . راجع : سير أعلام النبلاء ج12 ص
609 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
95
الصحابة إلا بالجميل وقال هذا مذهبي وديني إلا أن
ثم أحاديث يرويها في المثالب . (1)
قال أحمد بن سيار بعد ذلك (2) : وسألت إسحاق بن
إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية نحو ما جاء
في أبي موسى وما روي في معاوية فقال : هذه أحاديث قد
رويت ، قلت : فتكره كتابتها وروايتها ، والرواية عمن
يرويها ؟ فقال : أما من يرويها على طريق المعرفة فلا
أكره ذلك وأما من يرويها ديانة ويريد عيب القوم فإني
لا أرى الرواية عنه .
وقال يحيى بن معين : ثقة ، صدوق ، إلا أنه يتشيع .
وقال أيضاً : ولم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب .
وقال الحاكم : وثقه إمام أهل الحديث يحيى بن معين . (3)
ونتيجـة لذلـك حكم شيخ الطائفـة الطوسي (قدس
سره) بأنه عامي
المذهب . (4)
وعبارة : إلا أنه يتشيع لا تدل على أنه كان ينكر إمامة
أبي بكر وعمر ، فالتشيع عندهم يختلف عن الرفض وقد
يجتمع مع
(1) سير أعلام النبلاء ج11 ص 447 .
(2) تاريخ بغداد ج1 ص 48 رقم 5728 ،
تهذيب التهذيب ج6
ص 285 رقم 619 .
(3) تهذيب التهذيب ج6 ص 286 رقم 619 .
(4) معجم رجال الحديث ج10 ص 16 رقم 6504 .
96
.................................................
قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء
السنة
الإعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر ولذا نسبوا
التشيع إلى النسائي والحاكم وغيرهما كما أوضحنا ذلك
فيما تقدم ، بل قد شهد أحد أئمتهم وهو الحافظ أحمد بن
سيار المروزي بأنه كان يقدم أبا بكر وعمر ، ويكفيك
شهادته وشهادة يحيى بن معين الذي كان مقدمهم في الجرح
والتعديل ، ومع هذا طعن عليه جماعة ونسبوه إلى الرفض
على حد تعبيرهم ، يقول عنه الدارقطني : كان رافضياً
خبيثاً ، وقال العقيلي : رافضي خبيث ، وقال عنه أيضاً
: كذاب ، وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به إذا
انفرد ، وقال أبو إسحاق الجوزجاني المعروف بنصبه عند
السنة : كان مائـلاً عـن الحـق ، وقـال ابن عـدي (1) :
لـه أحاديث مناكير في فضل أهـل
البيت (ع) وهو متهم فيها .
وكان مـن أهم الأسباب للطعن عليه روايته حديث :
( أنا
مدينة العلم وعلي
بابها ) ، وقد اعترضوا على روايته هذا الحديث في زمانه
وكان يحيى بن معين إمام أهل الحديث عند السنة في وقته
يدافع عنه ، قال الدوري : سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت ، وقـال في حديث
( أنا مـدينـة العلم ) قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية ، وقال ابن محرز
عن ابـن معـين :
(1) تهذيب التهذيب ج6 ص 286 رقم 619 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
97
ليـس ممـن يكذب . فقيـل لــه في حديث
أبي معـاوية هـذا [ والمقصود به حديث أنا مدينة العلم
] فقال : أخبرني ابن نمير قال : حدث به أبو معاوية
قديماً ثم كف عنه ، وكان أبو الصلت موسراً يطلب هذه
الأحاديث ويكرم المشايخ فكانوا يحدثونه بها ... (1)
وقال الحاكم بعد أنّ نقل الحديث بسنده عن أبي الصلت :
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأبو الصلت ثقة
مأمون ، فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في
التاريخ يقول : سمعت العباس بن محمد الدوري يقول :
سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال : ثقة .
فقلت : أليس قد حدّث عن أبي معاوية ، عن الأعمش : (
أنا مدينـة العلم ) ؟ فقال : قد حدث به محمد بن جعفر
الفيدي وهو : ثقة مأمون ، وقال الحاكم أيضاً : سمعت
أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه إمام عصره ببخارى يقول :
سمعت صالح بن محمد بن حبيب الحافظ يقول : وسئل عن أبي
الصلت الهروي فقال : دخل يحيى بن معين ونحن معه على
أبي الصلت فسلم عليه ، فلما خرج تبعته فقلت له : ما
تقـول رحمك الله في أبي الصلت ؟ فقال : هو صدوق . فقلت
له : إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن
النبي (ص) : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد
العلم فليأتها من بابها ) ؟
(1) تهذيب التهذيب ج6 ص 286 رقم 619 .
98
.................................................
قيمة اتهام الرواة بالتشيع في كلمات علماء
السنة
فقال : قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية كما رواه أبو الصلت . (1)
وكلام يحيى بن معين صريح في أنّ أبا الصلت لم ينفرد
بنقل هذا الحديث بل تابعه غيره عن أبي معاوية ، بل
كلام ابن نمير الذي ينقله عنه يحيى بن معين صريح في
أنّ أبا معاوية كان يحدث قديماً بهذا الحديث ثم كف عن
التحديث به بعد ذلك .
وقد تابع أبا الصلت غير محمد بن جعفر الفيدي رجاء بن
سلمة وعمر بن إسماعيل بن مجالد وأبو عمرو الجرجاني
وأبو الفتح الكوفي والحسن بن علي بن راشد والحافظ أبو
عبيد القاسم بن سلام البغدادي ومحمود بن خداش فيما
أخرجه ابن الجوزي في كتاب الموضوعات . (2) وهذا غير
بقية الطرق بالإسناد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(ع) وعـن جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله تعالى
عليه .
ويحي بن معين مضافاً إلى أنه لم يكن من المتساهلين في
الجرح والتعديل بل عده غير واحد منهم من المتشددين كان
معاصراً لأبي الصلت الهروي
(1) المستدرك على الصحيحين ج3 ص 126 ، 127 ط. وج3 ص
137 ح 4637 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1411هـ-
1990م .
(2) كتاب الموضوعات لابن الجوزي ج1 ص 350 ، 351 ، 352
ط. دار الفكر / بيروت ط.2 سنة 1403هـ- 1983م .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
99
ويعرف ما عليه ظاهر حاله ،
ومع هذا فقد شهد له بالوثاقة وحكم عليه بأنه كان يتشيع
، ولم ينسبه إلى الرفض على حد تعبيرهم ، بل شهد له
معاصره أحمد بن سيار المروزي أنه كان يذهب إلى مذهب
أهل السنة ويقدم أبا بكر وعمر ، وما نقله من الروايات
لم يعترض عليها إسحاق بن راهويه الذي كان عندهم من
كبار الفقهاء والمحدثين من أقران أحمد بن حنبل ، ومع
ذلك نجد جماعة لاسيما ممن تأخروا عنه وفيهم من نسب إلى
التشدد كالنسائي وابن حبان ، وفيهم من نسبه ابن حجر
وغيره للنصب كأبي إسحاق الجوزجاني ، ومقتضى القاعدة
عندهم كما ذهب له الحاكم من وثاقته والاعتماد على
حديثه لكن المشكلة لديهم ليس مراعاة القواعد ، وإنما
تضعيف من روى في مناقب أهل البيت (ع) قدر الإمكان وفي حد
الاستطاعة .