الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
11
الثاني : طعن الأقران
في بعضهم :
وقـد صرحـوا أيضاً بأن
طعـن الأقـران في بعضهم لا يقبل ، ولا بأس أولاً بذكر
بعض العبارات بهذا الشأن ومن ثم بيان الوجه في ذلك :
1- يقول شعبة بن الحجاج : احذروا غيرة أصحاب الحديث
بعضهم على بعض ، فلهم أشد غيرة من التيوس . (1)
2- قال الذهبي في ترجمة
أبي بكر بن أبي داود الحافظ في مقام بيان رد الطعون
الواردة بشأنه : وكذا لا يسمع قول ابن جرير (2) فيه ،
فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة ، فقف في كلام الأقران
بعضهم في بعض . (3)
3- وقال أيضاً : محمد
بن إبراهيم بن المنذر ، الحافظ ، العلامة ، أبو بكر
النيسابوري ، صاحب التصانيف ، عدل صادق فيما علمت ،
إلا ما قال فيه مسلمة بن
(1) الكفاية في علم الرواية ص 109 .
(2) يقصد به الطبري صاحب التفسير والتاريخ المعروفين .
(3) تذكرة الحفاظ ج2 ص 772 .
12
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
القاسم الأندلسي : كان
لا يحسن الحديث ، ونُسب إلى العقيلي أنه كان يحمل عليه
وينسبه إلى الكذب . (1)
إلى أن قال : ولا عبرة بقول مسلمة ، وأما العقيلي ،
فكلامه من قبيل الأقران بعضهم في بعض ، مع أنه لم
يذكره في كتابه الضعفاء . (2)
4- وقال أيضاً : كلام
الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به ، لاسيما إذا لاح لك
أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، وما ينجو منه إلا من
عصم الله ، وما علمت أنّ عصراً سلم من ذلك أهله سوى
الأنبياء والصديقين ، ولو شئت لسردت لك من ذلك كراريس
. (3)
5- وقال أيضاً في ترجمة
أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الفقيه والمفسر والمؤرخ
المعروف :
أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ ، فقال : كان يضع
للروافض ، كذا قال السليماني ، وهذا رجم بالظن الكاذب
، بل إبن جرير من كبار ائمة الإسلام المعتمدين ، وما
ندعي عصمته ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى ،
فإن كلام العلماء بعضهم
(1) ميزان الإعتدال ج3 ص 450 .
(2) ميزان الإعتدال ج3 ص 451 .
(3) ميزان الإعتدال ج1 ص 111 رقم 438 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
13
في بعض ينبغي أن يُتأنى
فيه ، ولاسيما في مثل إمام كبير . (1)
6- وقال في ترجمة
الحافظ محمد بن عبد الله الحضرمي المعروف بمطين : حط
عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وحط هو على ابن أبي
شيبة ، وآل أمرهما إلى القطيعة ، ولا يُعتد بحمد الله
بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض . (2)
7- وقال أيضا في مقام
الذب عن الحافظ أبي الوليد هشام بن عمار السلمي ومازال
العلماء الأقران يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم
وكـل أحـد يؤخـذ مـن قـولـه ويتـرك إلا رسـول الله صلى
الله عليـه (وآلـه) وسلم . (3)
8- وقال في ترجمة أبي
إسحاق السبيعي : وقال جرير ، عن مغيرة : ما أفسد حديث
أهل الكوفة غير أبي إسحاق والأعمش .
قال بعد ذلك (4) : قلت : لا يسمع قول الأقران بعضهم في
بعض ، وحـديث أبي إسحـاق محتـج به في دواوين الإسـلام
، ويقع لنا من عواليه .
9- وقال في مقام رد
كلام الإمام مالك في محمد بن إسحاق الحافظ صاحب السيرة
: وقد
(1) ميزان الإعتدال ج3 ص 499 رقم 7306 .
(2) ميزان الإعتدال ج3 ص 607 رقم 7801 .
(3) ميزان الإعتدال ج4 ص 304 رقم
9234 .
(4) سير أعلام النبلاء ج5 ص 399 رقم 180
.
14
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
علم أنّ كثيراً من كلام
الأقران بعضهم في بعض مهدر ولا عبرة به ، ولاسيما إذا
وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف ، وهذان
الرجلان كل منهما قد نال صاحبه ، لكن أثر كلام مالك في
محمد بعض اللين ، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة ،
وارتفع مالك وصار كالنجم والآخر فله ارتفاع بحسبه ،
ولاسيما في السير . (1)
10- وقد عقد الحافظ إبن
عبد البر الأندلسي في كتابه جامع بيان العلم وفضله
فصلا بذلك وقال : وكذبت عائشة إبن عمر في عدد عمر رسول
الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وفي أنّ الميت
يُعذّب ببكاء أهله عليه ، وقد ذكرنا ذلك في كتاب
التمهيد ، وقد كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم وجلة العلماء عند الغضب كلام هو أكثر من
هذا ، ولكن أهل العلم والميز لا يلتفتون إلى ذلك ،
لأنهم بشر يغضبون ويرضون ، والقول في الرضا غير القول
في الغضب . (2)
11- وأخـرج بسنـده عـن
أحمـد بن صالح قال : سـألت عبـد الله بن وهب عـن عبـد
الله بن يزيد بن سمعـان ؟ فقـال : ثقـة ، فقلت : إنّ
مالكاً
(1) سير أعلام النبلاء ج 7 ص 40 ، 41 رقم 15 .
(2) جامع بيان العلم وفضله ج2 ص
155 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
15
يقول فيه : كذّاب ؟
فقال : لا يقبل بعضهم في بعض . (1)
12- قال الحافظ ابن عبد
البر الأندلسي : فمن أراد قبول قول العلماء الثقات
بعضهم في بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض ، فإنْ
فعل ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خُسراناً مبيناً
... (2)
والعبارات بهذا الشأن كثيرة جداً في كتب الجرح
والتعديل .
وقد تبين السبب من بعض
الكلمات المتقدمة ، وهو أنّ الأقران كثيراً ما يفرطون
في ذم بعضهم بسبب العداوة والخلافات والحسد والغيرة
بما يتجاوز الحد ، وإذا كان هذا أمراً مألوفاً عندهم ،
فمن الطبيعي حينئذ أن لا يقبل بعضهم في بعض ، وهذا
القسم أجروه حتى فيما لو كان الجرح مفسراً ومبين السبب
في حق الأئمة وكبار الفقهاء والمحدثين .
الثالث : من الموارد
التي لا يقبل فيها الجرح الطعن الناشيء من التعصب بسبب
اختلاف المذهب أو الحسد أو الرأي أو العداوة أو نحو
ذلك : وقد صرح بذلك الذهبي فيما تقدم
(1) جامع بيان العلم وفضله ج2 ص 157 ، وراجع
أيضاً : الكامل في ضعفاء الرجال ج4 ص 126
، تهذيب الكمال ج14 ص 530 رقم 3276 .
(2) جامع بيان العلم وفضله ج2 ص 162 ط.
دار الكتب العلمية / بيروت .
16
........................................
تقييم الاتهامات الصادرة بشأن الرواة في كلمات
علماء الجرح والتعديل
من كلامه وغيره وممن
صرح أيضاً السبكي في طبقات الشافعية الكبرى حيث قال :
فإنك إذا سمعت أنّ الجرح مقدم على التعديل ، ورأيت
الجرح والتعديل ، وكنت غراً بالأمور ، أو فدماً
مقتصراً على منقول الأصول ، حسبت أنّ العمل على جرحه ،
فإياك ثم إياك ، والحذر كل الحذر من هذا الحسبان ، بل
الصواب عندنا أنّ من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر
مادحوه ومزكوه ، وندر جارحه ، وكانت هناك قرينة دالة
على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره ، فإنا لا نلتفت
إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة ، وإلا فلو فتحنا
هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم
لنا أحد من الأئمة ، إذْ ما من إمام إلا وقد طعن فيه
طاعنون ، وهلك فيه هالكون . (1)
وقال أيضاً :
إن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت
طاعته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على
جارحيه ، إذا كانت قرينة يشهد العقل بأنّ مثلها حامل
على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي ، أو منافسة
دنيوية ، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك ، فنقول
مثلاً : لا يلتفت إلى كلام إبن أبي ذيب في مالك ، وابن
معين في
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 9 ط. دار
إحياء الكتب العربية / القاهرة .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
17
الشافعي ، والنسائي في
أحمد ابن صالح ، لأن هؤلاء ائمة مشهورون صار الجـرح
لهم كالآتي بخبر غريب ، لو صح لتوفرت الـدواعي على
نقله ، وكـان القاطع قائماً على كذبه . (1)
أقول : وبغض النظر عن
تعليل السبكي ، فإن الذي دفع علماء الحديث إلى تأسيس
هذه القاعدة هو صدور نسبة ضخمة جداً من الطعن في
الرواة التي نشأت إما من العداوات والحسد ونحوهما كما
في طعن الأقران بعضهم في بعض ، وصدور نسبة ضخمة بسبب
الإختلاف في المذاهب ، وليتضح هذا الأمر نحتاج إلى ذكر
مجموعة من التطبيقات ، وإن كان فيها شيئ من الإطالة ،
ولكن نحتاج إلى بيانها لتتضح الأمور على حقيقتها ،
ونذكر بهذا الشأن عدة من الشخصيات الكبيرة ، والذين
أقر لهم علماء السنة بالإمامة والمنزلة الرفيعة وقد
طعنوا لأجل ذلك ، وبغض النظر عن صحة بعض الطعون وعدمها
، فإن ذلك سبب القول بما ذكرناه .