الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 107

الفصل الأول
بيان معنى شرط البخاري ومسلم

تقدم أنّ الحديث الذي يكون على شرط البخاري ومسلم يعتبر عند علماء الحديث من أهل السنة من المراتب العالية للحديث من حيث الصحة ، ولذا تجد كثيراً من كتبهم تصف الحديث بأنه على شرط الشيخين أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم ، فإذا كان صحيحاً لكن ليس على شرطهما ووصف بالصحة فقط ، فحينئذ يكون عندهم أقل اعتباراً ، وهذا ما يتطلب التعرف على معنى كون الحديث صحيحاً على شرطهما أو على شرط أحدهما وقد صنفت كتب في بيان شروطهما تارة ، وفي بيان شروط أصحاب الصحاح الستة تارة أخرى ، ويمكن القول في بيان ذلك أنه صرح غير واحد من أهل التحقيق من علماء السنة أنّ كلاً من البخاري والمسلم لم يصرح بشرطه ، وإنما عُرف ذلك من خلال سبر كتاب كل منهما ، يقول السخاوي في فتح المغيث : ... فاعلم أنه لم يُصرح أحد من الشيخين بشرطه في كتابه ولا في غيره ،

108 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

كما جزم به غير واحد ، منهم النووي ، وإنما عُرف السبر لكتابيهما ، ولذا اختلف الأئمة في ذلك . (1)
وبالجملة فقد اختلفوا في شرطيهما على أقوال :

1- أنهما يشترطان في صحة الحديث أنْ يكون نقلته متفق على وثاقتهم بإسناد متصل إلى الصحابي المشهور ، ذكر ذلك ابن طاهر المقدسي في كتابه شروط الأئمة الستة . (2)

ويكفي دليلاً على عدم صحة هذا الادعاء أنّ عدداً كبيراً ممن احتج بهم البخاري لم يتفق على وثاقتهم ، بل اختلفت فيهم كلمات أعلام الجرح والتعديل ، وقد عقد الحافظ ابن حجر في هدي الساري فصلاً طويلاً فيهم وحاول إثبات أنْ الطعون الواردة فيهم لا تقتضي عدم الوثاقة .

2- أنّ شرط الصحة أن يكون الحديث متصل الإسناد وأنْ يكون كل راو من رواته مسلماً صادقاً غير مدلس ولا مختلط ، متصفاً بصفات العدالة سليم الذهن ، قليل الوهم ، سليم الإعتقاد ، بيد أنّ البخاري اشترط مضافاً إلى ذلك أنْ يكون متصل الإسناد وجميع رواته من المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه

 

(1) فتح المغيث ج1 ص 52 .
(2) شروط الأئمة الستة ص 10 ، فتح المغيث ج1 ص 53 ، ظفر الأماني لأبي الحسنات اللكنوي ص 152 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 109

الحديث ملازمة طويلة سفراً وحضراً ، وأنه قد يُخرج أحياناً ما يعتمده عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان ، بينما مسلم يخرج أحاديث الطبقة التي تكون في غاية الإتقان بسبب ملازمتها للحديث وللطبقة التي تليها ، وقد يُخرج حديث الثقة الذي لم يسلم من الجرح إذا كان كثير المـلازمة لمن أخذ عنـه الحديث . ذكر ذلك أبو بكر الحازمي . (1)

وهذا الأمر أشكل من سابقه ولا دليل عليه في كلمات البخاري أو مسلم ، بل يمكن ادعاء أنّ جملة وافرة من الرواة لا تتوفر فيهم هذه الشروط مجتمعة .

3- أنْ يكون الحديث متصل الإسناد إلى الصحابي المشهور بالرواية عن النبي (ص) وأنْ يروي الحديث عنه راويان ثقتان ، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان ، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة (طبقة ما بعد أتباع التابعين ) ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته ، وله رواة ، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول بعد ذلك ،

 

(1) فتح المغيث ج1 ص 53 .

 
 

110 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

فيكون ذلك كالشهادة على الشهادة ، ذكر ذلك الحاكم وأبو بكر البيهقي . (1)
وهذا الإدعاء أيضاً لم يقبله بعض أعلام المحدثين من السنة كابن طاهر المقدسي والحازمي . (2)

4- أنّ شرطهما إخراج حديث الثقة الذي لم يُجمع على تركه مع اتصال الإسناد من غير قطـع ولا إرسال . ذكر ذلك ابن مندة ، وهـو الأقرب لمقتضى التحقيق . (3)

وعلى جميع التقادير ، فسواء قبلنا أنّ البخاري ومسلم كانا يأخذان بالشروط المذكورة في صحة الحديث أم لا ، فإنّ الحديث الذي حكموا بصحته تام الإسناد عندهم ، وإذا ورد حديث آخر بنفس الكيفية فهو على شرطهما أو على شرط أحدهما ، وليتضح هذا الأمر لابد من الحديث في أمور :

الأول : اختلف علماء الحديث من السنة بأنّ الحديث الذي يكون على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما هل يشترط فيه أن يكون رجال السند بأعيانهم احتج بهم البخاري ومسلم أو أحدهما في الصحيحين ، أو يكفي تطابق السند وأحوال الرواة مع شرط البخاري ومسلم أو أحدهما وإنْ لم يخرّج له البخاري أو مسلم في كتابيهما على قولين :
أحدهما : أنه لا يشترط أنْ يكون رجال السند جميعهم ممن خرّج لهم البخاري أو مسلم في الصحيحين ، بل يكفي أنْ يتطابق الحديث من حيث السند مع الشروط التي التزم بها كلاهما أو أحدهما ، كما قد يستفيده البعض من كلام الحاكم في مقدمة المستدرك على الصحيحين

 

(1) فتح المغيث ج1 ص 54 ، المدخل إلى معرفة كتاب للحاكم ص 48 ط. دار الفيحاء / دمشق ، المقنع في علوم الحديث لابن الملقِّن ج1 ص 68 .

 
(2) فتح المغيث ج1 ص 54 . (3) المقنع في علوم الحديث لابن الملقِّن ج1 ص 69 .
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 111

ولكن الإنصاف أنّ عبارته في مقدمة المستدرك لا تفيد ذلك . (1)

ثانيهما : أنه يشترط أنْ يكون رجال السند ممن خرّج لهم واحتج بهم البخاري ومسلـم أو أحدهما في كتابيهما ، وإلي هـذا ذهب النـووي والذهبي وابن دقيق العيـد تبعاً لابن الصلاح ، بـل لعلـه لا خلاف بينهم في ذلك . (2)

ولعل هذا هو أحد أسباب الاختلاف بين الذهبي والحاكـم في جملـة مـن الأحاديث التي وصفها الحاكم بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما ولم يوافقه الذهبي عليه .

وعلى أي تقدير فلا خلاف بينهم في أنّ الرجال إذا خـرج لهم البخـاري ومسلم بأعيانهم تكون أحاديثهم على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما .

الثاني : شروط تطابق الحديث مع شرط البخاري ومسلم أو أحدهما ، ومن المهم هنا التنبيه على أنّ غير واحد من علماء الجرح والتعديل من السنة فرقوا بين من احتج بهم البخاري ومسلم أو أحدهما وبين من أخرجا له في المتابعات والشواهد ، ففي الصورة الأولى يكون اشتمال الخبر على رجال الصحيحين يقتضي أنْ يكون على شرطهما ، بخلاف الحال بالنسبة إلى صورة اشتمال السند على من لم يحتجا به بل خرجا حديثه في المتابعات ، وذلك أنهم ذكروا أنّ البخاري أو مسلم إذا خرج الحديث الصحيح بسند معتبر ومستجمع للشروط عنده ، فإنه لا مانع بعد ذلك من إيراده بسند قد لا يستجمع جميع الشروط ، ولكن يورده من باب المتابعة ولكونه شاهداً لصحة الحديث ويكون سببا لزيادة الوثوق بصدوره ،

 

(1) فتح المغيث ج1 ص 56 .

(2) فتح المغيث ج1 ص 56 .  
 

112 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

ومن هنا يلزم التفريق بين من أخرج لهما البخاري ومسلم حتى لا يقع الخلط والاشتباه ، فليس كل من أخرج له البخاري ومسلم فقـد احتج بحديثه عنـد بعض المحققين ، وحينئـذ فلا يلزم أنْ يكون ما يرويه مطابقاً لشرطهما . (1)

وقد ذهب الحافظ الذهبي إلى أنّ جميع من خرّج لهم البخاري أو مسلم من الثقات ، وأن متابعاتهما وشواهـدهما لا تقل عن درجـة الحسن ، يقـول في الموقظة :
من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين :
أحدهما : ما احتجا به في الأصول ، وثانيهما : من خرَّجا له متابعة وشهادة واعتبارا ، فمن احتجا به أو أحدهما ، ولم يوثق ، ولا غمز فيه فهو ثقة ، حديثه قوي ، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه فتارة يكون الكلام فيه تعنتاً ، والجمهور على توثيقه ، فهذا حديثه قوي أيضاً ، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار ، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن ، التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح ، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة ، بل حسنة أو صحيحة .

ومن خرّج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات ، ففيهم من في حفظه شيء وفي توثيقه تردد ، فكل من خُرِّج له في الصحيحين فقد قفز القنطرة ، فلا مَعْدّل عنه إلا ببرهان بيِّن ، نعم الصحيح مراتب ، والثقات طبقات فليس كل من وثق مطلقاً كمن تُكلم فيه ، وليس من تكلم في سوء حفظه واجتهاده في الطلب كمن ضعفوه ، ولا من ضعفوه ورووا له كمن تركوه ، ولا

 

(1) شرح صحيح مسلم للنووي ج1 ص 25 ، تدريب الراوي ج1 ص 97 ، هدي الساري ص 384 ، رسالة في الجرح والتعديل للحافظ المنذري ص 42 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 113

من تركوه كمن اتهموه وكذبوه ... (1)

الثالث : حكم رجال الصحيحين : مما تقدم يتضح أنّ من احتج به البخاري ومسلم أو أحدهما فلا إشكال عندهم في وثاقته وصحة ما يرويه إذا كان رواه عن ثقة حسب قواعدهم ، وإلا فلا معنى لأنْ يكون الحديث على شرطهما ، يقول الحافظ ابن دقيق العيد أثناء كلامه عما يُعرف به الثقة :
... ومنها تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح للراوي محتجين به ، وهذه درجة عالية ، لما فيها من الزيادة عن الأول (2) ، وهو إطباق جمهور الأمة أو كلهم على تسمية الكتابين بالصحيحين والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة ، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرّج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذَكر فيهما وقد وجد في هؤلاء الرجال المخرَّج عنهم من تكلم فيه بعضهم ، وكان شيخ شيوخنا أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يُخرَّج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة ، يعني بذلك أنه لا يُلتفت إلى ما قيل فيه .

قال ابن دقيق العيد بعد ذلك (3) : وهكذا نعتقد به ونقول ، ولا نخرج عنه إلا

 

(1) الموقظة في علم مصطلح الحديث ص 79- 80 – 81 .
(2) يعني مجرد صدور التوثيق .
(3) الاقتراح في بيان الإصطلاح ص 282 ، 283 ، هدي الساري ص 384 .

 
 

114 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

ببيان شاف وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلـك تعديل رواتهما .

الرابع : من الأمور التي هي في غاية الأهمية لمعرفة ما كان على شرط البخاري ومسلم أو غيرهما معرفة حكم ما رواه المدلسون مع عدم نقل التصريح بالسماع كالأحاديث التي رواها الأعمش أو ابن جريج مع عدم قوله حدثنا أو أخبرنا ، بل وردت بعبارة عن فلان ، فهل هنا يكون الحديث على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما إذا كان الرجل ممن احتجا بحديثه ، وليتضح حكم المسألة لا بأس بذكر عدة أمور :

الأول : قال أبو بكر الخطيب في الكفاية : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال حدثنا محمد أحمد بن الحسن ، قال حدثنا بشر بن موسى ، قال : قال عبد الله بن الزبير الحميدي : وإنْ كان رجل معروفاً بصحبة رجل والسماع منه مثل ابن جريج عن عطاء ، أو هشام بن عروة ، عن أبيه ، وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير ، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه ، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدث رجلاً غير مسمى أو أسقطه ترك ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه ولم يضره ذلك

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 115

في غيره ، حتى يُدرك عليه فيه مثل ما أدرك عليه في هذا ، فيكون مثل المقطوع . (1)

سند الخبر المذكور

رجال السند هم :
1- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الإصبهاني المهراني ، أحد كبار أئمة الحديث المشهورين عند السنة ، صاحب كتاب حلية الأولياء ، قال فيه الذهبي : الإمام الحافظ الثقة العلامة شيخ الإسلام . (2)

وقال فيه ابن تيمية : هو من أكبر حفاظ الحديث ، ومن أكثرهم تصنيفات ، وممن انتفع الناس بتصانيفه ، وهو أجل من أنْ يقال له : ثقة فإنّ درجته فوق ذلك . (3)

2- الحافظ محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق ، أبو علي ، البغدادي المعروف بـ ( ابن الصواف ) . قال فيه الذهبي : الشيخ ، الإمام المحدث ، الثقة الحجة . (4)
وقال الدارقطني : ما رأت عيناي مثل أبي علي بن الصواف ، وفلان بمصر .

 

(1) الكفاية في علم الرواية ص 374 .
(2) سير أعلام النبلاء ج17 ص 454 .

(3) مجموع الفتاوى ج18 ص 17 .
(4) سير أعلام النبلاء ج16 ص 184 .
 
 

116 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

وقال ابـن أبي الفوارس : كـان أبو علي ثقـة ، مأموناً ، ما رأيت مثله في التحرز . (1)

3- بشر بن موسى ، البغدادي ، أبو علي ، الأسدي . قال فيه الذهبي : الإمام الحافظ ، الثقة ، المعمر . (2)
وقال أبو بكر الخطيب : فكان ثقة ، أميناً ، عاقلاً ، ركينا . (3)

وأما الحميدي صاحب المسند المعروف ، فهو أحد كبار أئمة الحديث المشهورين عند السنـة ، قال فيـه الذهبي : الإمام الحافـظ الفقيه ، شيخ الحـرم . (4)

وقال أحمد بن حنبل : الحُميدي عندنا إمام ، وقال أبو حاتم : أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي ، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة ، وهو ثقة إمام ، وقال يعقوب الفسوي : حدثنا الحميـدي ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه . (5)

وكلام الحميدي الذي هو من أركان الفقه والرواية عندهم ، ومن المتقدمين بحسب الطبقة حتى على البخاري ومسلم ، وممن اتفقوا على حفظه وتضلعه واضح الدلالة في

 

(1) سير أعلام النبلاء ج16 ص 185 .
(2) سير أعلام النبلاء ج13 ص 352 .
(3) سير أعلام النبلاء ج13 ص 353 ، تاريخ بغداد ج7 ص 86 .

(4) سير أعلام النبلاء ج10 ص 616 .
(5) سير أعلام النبلاء ج10 ص 617 .
 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 117

أنّ المدلس إذا كان من الأئمة الثقات كابن جريج الذي هو من المدلسين المعروفين وأضرابه يؤخذ بحديثه المعنعن إذا حدث عمن عرف بصحبته والرواية عنه ، وعلى هذا يمكن أنْ يحمل نقل البخاري ومسلم عن ابن جريج والأعمش وأضرابهما الأحاديث المعنعنة ، لأنّ الظاهر من كلام الحُميدي أنّ ذلك هو منهج المتقدمين ، ولذا نقله الخطيب في الكفاية في بيان حكم الأحاديث المعنعنة .

وقال الذهبي أثناء كلامـه عن تدليس الأعمش : قلت : وهـو يُدلس ، وربما دلس عن ضعيف ، ولا يُدرى به ، فمتى قال حدثنا فلا كلام ، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس ، إلا في شيوخ أكثر عنهم ، كإبراهيم ، وابن أبي وائل ، وأبي صالح السمان ، لأنّ روايته عن هذا الصنف محمـولة على الاتصال . (1)

الثاني : ذكر المعلمي في التنكيل أنه اشتهر بينهم أنّ العنعنة ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها ، بل تكون من الراوي الذي يكون دونه ومتأخراً عنه بحسب الطبقة ، وعليه فلو نقل عن ابن جريج أو الأعمش عن فلان ، فكلمة عن إنما تكون عمن روى عنه وليست من قبله يقول في التنكيل :

 

(1) ميزان الإعتدال ج2 ص 224 رقم 3517 .

 
 

118 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أنّ كلمة ( عن ) ليست من لفظ الراوي الذي يُذكر اسمه قبلها ، بل هي لفظة من دونه ، وذلك كما لو قال همام : حدثنا قتادة عن أنس ، فكلمة ( عن ) من لفظ همام ، لأنها متعلقة بكلمة ( حدثنا ) ، وهي من قول همام ، ولأنه ليس من عادتهم أنْ يبتديء الشيخ فيقول : ( عن فلان ) ، وإنما يقول : ( حدثنا ) ، أو ( أخبرنا ) ، أو ( قال ) أو ( ذكر ) ، أو نحو ذلك ، وقد يبتديء فيقول : ( فلان ... ) كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من فتح المغيث وغيره ، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات قال أثناء الإسناد قبل ( حدثنا ) و ( أخبرنا ) وذلك في نحو قول البخاري : حدثنا الحميدي ، قال حدثنا سفيان ، قال حدثنا يحيى بن سعيد ، وكثيراً ما تُحذف (1) فيزيدها الشرّاح أو قرّاء الحديث ، ولا تثبت كلمة عن ، وتصفح إنْ شئت شرح القسطلاني على صحيح البخاري ، فبهذا يتضح أنه في قول همّام : حدثنا قتادة عن أنس ، لا يُدرى كيف قال قتادة ، فقد يقول : حدثني أنس ، أو قال : قال أنس ، أو حدث أنس ، أو ذكر أنس ، أو سمعت أنساً ، أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه عن أنس أو تحتمله ،

 

(1) أي كلمة : ( حدثنا ) .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 119

لكـن لا يُحتمـل أنْ يقول : بلغني عن أنس ، إذْ لو قال لزم هماماً أنْ يحكي لفظه أو معناه كأنْ يقول : حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس ، وإلا كان همام مدلساً تدليس التسوية (1) ، وهو قبيح جداً ... (2) إنتهى .

ويؤيده ما ذكره الخطيب البغدادي حيث قال : وإنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها ، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد ، فتكرار القول من المحدث حدثنا فلان عن سماعه من فلان يشق ويصعب ، لأنه لو قال أحدثكم عن سماعي من فلان وروى فلان عن سماعه من فلان ، وفلان عن سماعه من فلان حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أنْ يُرفع إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وأضجر ، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك ، وفيه إضرار بكتبة الحديث وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار ، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان ،

 

(1) تدليس التسوية هو أنْ يروي المحدث حديثاً عن مدلس ، وذلك الشيخ المدلس الثقة يروي الحديث عن ضعيف ، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث عن الثقة المدلس فيسقط الضعيف من السند ، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة ، عن الثقة الثاني مع إسقاط اسم الضعيف الذي روى عنه بلفظ يحتمل فيه سماع الثقة المدلس عن الثقة الذي سمع منه بواسطة الضعيف الذي تم إسقاطه فيستوي الإسناد كله ثقات ، وقد ذكر علماء الحديث أنْ هذا القسم هو شر أقسام التدليس . راجع : التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي ص 33 ، 34 ط. مؤسسة الريان للطباعة والنشر / بيروت سنة 1414هـ- ص 1994م .
(2) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ج1 ص 82 .

 
 

120 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

 فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال عن فلان ... (1)

وخلاصة الأمر فإنّ تصرف المحدثين والمصنفين في العنعنة وصدور ذلك كثيراً ممن هو دون من تذكر العنعنة بعده أمر شائع في كتب الحديث ، ومن الشواهد عليه مثلاً أنك لو تتبعت مصنف الحافظ عبد الرزاق الصنعاني مثلاً فستجد أحاديثه مليئة بالعنعنة ، وأغلب الظن أنّ كثيراً منها لم تكن من عبد الرزاق الصنعاني نفسه ولا من ذكرت العنعنة بعده بل من المحدثين الذين رووا كتاب المصنف ، ولا بأس أنْ نـذكـر بعض النماذج كشاهد على ذلك :
1- ورد في المصنف عن عبد الرزاق عن معمر ، قال أخبرني الأشعث ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لا يبـولـن أحـدكم في مستحمـه ثم يتـوضأ فيـه ، فـإن عامـة الوسواس منه . (2)

فقد ورد الخبر عن معمر معنعناً ، ولكن ما نقله البيهقي عن عبد الرزاق غير ذلك يقول البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ

 

(1) الكفاية في علم الرواية ص 390 .

(2) المصنف للصنعاني ج1 ص 255 ح 987 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 121

أنبانا أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي أنبانا عبد الرزاق أنبانا معمر أخبرني أشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وذكر الخبر كما في المصنف . (1)

2- ورد في المصنف عن عبد الرزاق ، معمر عن ابن طاووس ، عن عكرمة بن خالد عن المطلب بن أبي وداعة قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سجد في النجم فسجد الناس معه قال المطلب ولم أسجد معهـم هـو يـومئـذ مشـرك . قال المطلب : فـلا أدع أن أسجـد فيها أبـدا وبه ينفذ . (2)

وهنا أيضاً ورد الخبر معنعنا ، ولكن نفس الخبر نقله البيهقي عن الصنعاني على خلاف ذلك ، يقول البيهقي في السنن الكبرى : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن عكرمة بن خالد ، عن عبد المطلب أن أبي وداعـة قال : وذكـر الحديث كما في المصنف . (3)

 

(1) السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص 98 .
(2) المصنف للصنعاني ج3 ص 339 ح 5881 .

(3) السنن الكبرى للبيهقي ج2 ص 314 .  
 

122 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

3- ورد في المصنف عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال أخبرني أبو الزبير أنـه سمـع جابر بن عبد الله يقول : زجـر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً . (1)

وقد نقل الخبر البيهقي عن عبد الرزاق بغير ذلك ، يقول البيهقي : حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي إملاء ، وأبو علي الروذباري قراءة عليه ، قالا : أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحسين المحمدآبادي ، حدثنا أحمد بن يوسـف السلمي ، حدثنا عبـد الرزاق ، أنبأنا ابن جريج قـال : حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ، وذكر الخبر كما في المصنف . (2)
والشواهد على ذلك كثيرة جداً سواء بالنسبة لكتاب المصنف أو غيره .

وعلى ما تقدم فالعنعنة لا تضر لاسيما في الرواة المتعاصرين الذي ثبت فيهم السماع ، وكانوا من كبار الثقات والأئمة عندهم كهشام بن عروة ، وابن جريج والأعمش وأضرابهم ، خصوصاً بعد كون العنعنة بالنسبة لهم لا تفيد التدليس ، لأنّ الأصل أنْ لا تكون من قبلهم ، بل من قبل من دونهم أو المصنفين أو من يدون الحديث ، بل الصحيح أنّ الأصل في العنعنة أنها بحكم التصريح بالسماع ،

 

(1) المصنف للصنعاني ج3 ص 138 ح 5070 .

(2) السنن الكبرى للبيهقي ج2 ص 426 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 123

قال الحاكم (1) : قرأت بخط محمد بن يحيى ، سألت أبا الوليد أكـان شعبـة يفرق بيـن أخبرني وعـن ؟ فقال : أدركت العلماء وهم لا يُفرقون بينهما .

ومع هذا كله فلم يتفقوا على أنّ الروايات المعنعنة التي فيها مدلس يمكن الاحتجاج بها مطلقاً ، وقد حمل أبو بكر البيهقي النقل المتقدم الذي ذكره الحاكم على ما يرويه غير المدلس .(2)

وذهب النـووي إلى أنّ مـا كان في الصحيحين عـن المدلسين بعـن فهو محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى ، وذكر أنه جاء كثير منه في الصحيح بطريقين أحدهما مع العنعنة والآخر مع التصريح بالسماع . (3)

ولكن ما ذهب له النووي مخالف لما ذكره الحميدي والذي يُستفاد منه أنّ منهج المتقدمين هو الأخذ بما ورد معنعنا في أحاديث المدلسين إذا كانوا من كبار الثقات ، خصوصا بعدما عرفت أنّ العنعنة الأصل أنه لا تكون ممن يقع اسمه قبلها ، بل ممن دونه لأجل التسهيل والتخفف كما يذكرون ، حتى أنهم كانوا لا يفرقون بينها وبين حدثنا وأخبرنا .

 

(1) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ج1 ص 364 .
(2) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ج1 ص 364 .

(3) شرح صحيح مسلم للنووي ج1 ص 33 ، المقدمة .  
 

124 ................................................. تقييم كلمات علماء السنة في صحة وضعف الأحاديث

الثالث : أنّ الملاحظ بالنسبة لأغلبية من تعرض لتصحيح الحديث من المتقدمين والمتأخرين من علماء الجرح والتعديل كالذهبي وابن حجر والسيوطي أنهم لم يعتبروا العنعنة التي تقع بعد المدلس مانعة من كون الحديث صحيحاً على شرط الشيخين أو أحدهما ، وهو موافق لما عليه المتقدمون حسب ما استفاده المعلمي وذكره الحميدي بالنقل الصحيح عنه ، فقد صحح الحاكم عددا كبيراً من الأحاديث على شرط الشيخين أو أحدهما أحاديث عن ابن جريج بالعنعنة عمن يروي عنه ووافقه على ذلك الذهبي في التلخيص ، وهكـذا نجد الأمر عند ابن كثـير وجـلال الديـن السيوطي والهيثمي وغيرهم من الحفاظ وعلماء الحديث (1).

وهذا أيضاً بالنسبة للأعمش (2) ، وبالنسبة لغيرهما أيضاً ، كما نجد أنّ كثيراً

 

(1) راجع على سبيل المثال : المستدرك على الصحيحين ج1 ص 27 وص 187 وص 202 وص 205 وص 214 وص 283 ط1 وج1 ص 79 ح73 وص 298 ح670 ، 671 وص 318 ح 724 وص 322 ح 736 وص 334 ح 777 وص 420 ح 1048 من الطبعة الحديثة وغير ذلك التي يجدها المتتبع .
(2) راجع على سبيل المثال : المستدرك علي الصحيحين ج1 ص 35 وص 59 وص 64 وص 122 وص 145 وج2 ص 76 وص 272 ط1 ، وج1 ص 91 ح 100 وص 127 ح 196 وص 132 ح 213 وص 210 ح 420 وص 244 ح 514 وج2 ص 86 ح 2408 وص 298 ح 3075 من الطبعة الحديثة .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 125

ممن صنف في الصحاح كابن خزيمة وأصحاب الكتب الأربعة ، لم يعتبروا العنعنة بعد المدلس مانعاً عن تصحيح حديثه ، كما لا يخفى على من تتبع كتب الحديث ، وهو ما يكشف عن أنّ مسلكهم هو عدم مانعية العنعنة من صحة الحديث ، وإنْ كان من قبلها من المدلسين ، لاسيما إذا كان من أئمتهم وثقاتهم ، ويدل عليه ما تقدم .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب