126
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
المبحث الخامس
كتب الحديث
عند الشيعة الإمامية
اهتم الشيعة كغيرهم بجمع الأحاديث الشريفة ، ودونوا
المصنفات في ذلك من القرن الأول للهجرة ، واستمروا على
ذلك في جميع أزمنة جمع الحديث والرواية ، وبالرغم من
الاهتمام البالغ فقد فقد كثير منها نتيجة عوامل متعددة
منها الظروف السياسية التي تحيط بهم ، ومن الأمثلة على
ذلك أنّ محمد بن أبي عمير وهو أحد كبـار الفقهاء
والمحـدثين من أصحـاب الأئمة المعصومين (ع) صنف كتباً
كثيرة جمع فيها حديث النبي الأعظم (ص) والعترة الطاهرة
(ع)
، إلا أنه لم يصل لنا من مصنفاته حتى كتاب واحد ، وقد
تلفت أكثر كتبه في حياته ، فكان بعد ذلك يحدث من حفظه
، وسبب ضياع تلك الكتب هو بقائه في السجن مدة طويلة ،
وعدم تمكن عائلته من حفظها ، يقول الشيخ النجاشي
(قدس سره) :
وروي
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
127
أنه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد ،
وقيل إنّ أخته دفنت كتبه في حالة استتارها وكونه في
الحبس أربع سنين ، فهلكت الكتب ، وقيل بل تركها في
غرفة فسال عليها المطر فهلكت ، فحدث من حفظـه ، ومما
كـان لـه سلـف في أيـدي الناس ،
فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله ، وقد صنف كتباً
كثيرة . (1)
ومع هذا فقد بقيت عشرات الكتب محفوظة ، يتداولها
الفقهاء والمحدثون ويمكن تصنيف الكتب الموجودة بين
أيدينا والمتدوالة بين أعلام الطائفة أعلى الله تعالى
كلمتهم إلى أقسام :
القسم الأول : وهي الكتب المعتبرة ، التي ثبتت عن
مصنفيها إما بالتواتر أو بالطرق المعتبرة ، وهي غالبية
الكتب المتدوالة كالكتب الأربعة وغالبية المصنفات
المتوفرة لشيخ الطائفة والشيخ الصدوق والشيخ المفيد
وغيرهم .
القسم الثاني : وهي المصنفات التي هي بالأصل مصنفات
معتبرة ، ولكن النسخ المتداولة لها محل كلام بين
المحققين ، كغالبية مصادر كتاب مستدرك الوسائل ، وعدد
من مصادر كتاب بحار الأنوار ، ولهذا نجد الكثير من
الفقهاء والمحققين لا يستدلون بالروايات الموجودة في
(1) معجم رجال الحديث ج14 ص 279 رقم 10018 .
128
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
جملة من تلك المصادر وإنما يوردونها في كتبهم الفقهية
للاستشهاد والمتابعة ، ولمساندة الأدلة المعتـبرة إنْ
وجـدت ، ولكـن لا يعتبرونها دليلاً مستقلاً في نفسـه
يمكن الاستناد إليه .
ومن جملة الكتب التي هي محل كلام بين المحققين كتـاب
سليم بـن قيس الهلالي الكوفي ، ونفس الكتاب الذي صنفه
سليم بن قيس من الكتب المعتبرة والمهمة عند الشيعة ،
ولذا أثنى عليه غير واحد من علمائنا المتقدمين يقول
النعماني (قدس سره) في كتاب الغيبة : وليس بين جميع الشيعة ممن
حمل العلم ورواه عن الأئمة عليهم السلام خلاف في أنّ
كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي
رواها أهل العلم من حملة حديث أهل البيت (ع) وأقدمها ،
لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام
والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ومن جرى
مجراهم ممن شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير
المؤمنين عليه السلام وسمع منهما وهو من الأصول التي
ترجع إليها الشيعة ويعول عليها . (1)
ولكن وقع الكلام في صحة النسخ المتداولة بين الناس ،
والتي رواها أبان بن أبي عياش ،
(1) الغيبة ص 101 ، 102 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
129
وقد ذكر الشيخ المفيد
(قدس سره) في تصحيح الإعتقاد أنه وقع فيها خلط وتغيير ، يقول
الشيخ المفيد (قدس سره) :
... وأما ما تعلق به أبو جعفر رحمه الله مـن حديث سليم
الـذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن
أبي عياش ، فالمعنى فيه صحيح غير أنّ هذا الكتاب غير
موثوق به ، ولا يجوز العمل على أكثره ، وقد حصل فيه
خلط وتدليس ، فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما
فيه ، ولا يعول على جملته والتقليد لرواته ، وليُفزع
إلى العلماء فيما تضمنه من الأحاديـث ، ليوقفـوه على
الصحيـح منها والفاسـد ، والله الموفق للصواب . (1)
وقد ذهب غير واحد من المحققين إلى عدم ثبوت أنّ النسخة
المتداولة سليمة من التغيير ، والمسألة محل خلاف بين
المحققين .