130
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
القسم الثالث : وهي الكتب التي نسبت لبعض الأئمة
(ع) أو
العلماء وإما أنْ تكون النسبة لهم موضوعة وغير صحيحة
أو غير ثابتة على الأقل .
ولنذكر بعض النماذج لهذه الكتب :
1- التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام
: وأقدم المصادر المتوفرة التي تذكر تفسير الإمام
العسكري (ع) كتاب معالم العلماء (1) لابن شهرآشوب
المازندراني (قدس سره) ، حيث قال في ترجمة الحسن بن خالد
البرقي : من كتبه تفسير العسكري (ع) من إمـلاء الإمام
عليه السلام ، مائة وعشرون مجلدة ، والظاهر أنّ
المقصود هنا بالعسكري هو الإمام الهادي (ع) حيث يلقب بـ
( صاحب العسكر ) ، وهذا التفسير ليس منه عين ولا أثر
ولذا قال المحقق الطهراني (قدس سره) في الذريعة : وكما أنّ
الظاهر أنّ المملي لهذا التفسير إنما هو أبو الحسن
الثالث الهادي عليه السلام ، كذلك الظاهر أنه لم يبق
من كافة مجلداته المذكورة عين ولا أثر مثل سائر التصانيف الكثـيرة لأصحابنـا التي لم نطلـع على
أعيانها ، بـل لم يبلغنـا أسمـاؤها أيضاً . (2)
كما
أنه لو سلم أنه للإمام الحسن العسكري (ع) فالتفسير
المنسوب له المتوفر لا ينتهي في الرواية إلى الحسن بن
خالد ، وهذا التفسير من الكتب التي لم نجد لها ذكر في
كتب المتقدمين ولو بالإشارة فضلاً عن النقل عنها ،
وأول ما عرف هذا التفسير في زمن العلامة المجلسي
(قدس سره) ،
وكان من الكتب التي عُثر عليها من بين المخطـوطات ،
وقد جـاء في مقدمته : قال ابن بابويه : أخبرنا
(1) معالم العلماء ص 34 رقم 189 .
(2) تصحيح الاعتقاد ص 149 ، 150 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
131
أبو
الحسن محمد بن القاسم المفسر الاسترآبادي الخطيب رحمه
الله ، قال حدثني أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو
الحسن علي بن محمد بن سيار ، وكانا من الشيعة الإمامية
، قالا : وكان أبوانا إماميين ، وكان الزيدية هم
الغالبون في استرآباد ، وكنا في إمارة الحسن بن زيد
العلوي الملقب بالداعي إلى الحق إمام الزيدية ، وكان
كثير الإصغاء إلى الزيدية ، فخشيناهم على أنفسنا ،
فخرجنا بأهالينا إلى حضرة الإمام أبي محمد الحسن بن
علي بن محمد أبا القائم عليهم السلام ... (1)
ونتيجة لتشابه أو تطابق هذا السند مع ما في بعض كتب
الصدوق (قدس سره) فقد حكم البعض كالمحدث النوري
(قدس سره) في المستدرك
بأنه هذا التفسير اعتمد عليه الشيخ الصدوق وغيره (2)
فقد روى الشيخ الصدوق في كتابي التوحيد ومعاني
الأخبار، بعض الأخبار عن الإمام العسكري صلوات الله
وسلامه عليه حيث قال (3) :
أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسر الاسترآبادي
الخطيب رضي الله عنه، قال حدثني
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج4 ص285 رقم1295.
(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج4 ص285 رقم1295.
(3) معاني الأخبار للصدوق
(قدس سره) ص4 .
132
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
أبو يعقوب يوسف بن
محمد بن زياد ، وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار ،
وكانا من الشيعة الإمامية ، عن أبـويهما ، عـن الحسن
بن
علي بن محمد (ع) .
ولو تجاوزنا عن الإختلاف في السند بين ما هو مدون في
مقدمة التفسير وبين ما في التوحيد ومعاني الأخبار ،
فإنّ من الواضح أنّ مجرد ذكر اسم الشيخ الصدوق
(قدس سره) في
كتاب وجد من بين الكتب وليس لأحد من الفقهاء له طريق
بخصوصه سوى الطرق المعهودة لكتب الشيخ الصدوق
(قدس سره) نفسه
المدونة في كتب الإجازات ، لا يكفي لإثبات رواية الشيخ
الصدوق (قدس سره) لهذا الكتاب ، بل لو تنزلنا عن ذلك فالسند
إلى التفسير المذكور في غاية الضعف ، ومن أهم المشاكل
التي تواجهنا أمام توثيق رواته هي أنهم من المجهولين
على أقل تقدير ، فأبو الحسن محمد بن القاسم الاسترآبادي مجهول الحال على الأقل ، وقد نقل عن ابن
الغضائري أنه قال بشأنه : ضعيف كذاب ، روى عنه [أي
الصدوق قده] تفسيرا يرويه عن رجلين مجهولين ، أحدهما
يعـرف بـ > يوسف بن محمـد بن زياد < والآخر > علي بن
محمد بن سيار < عن أبيهما عن أبي الحسن الثالث ،
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
133
والتفسير موضوع عن سهل الديباجي عن أبيه بأحاديث من
هذه المناكير . (1)
وأما بالنسبة لـ > علي بن محمد بن سيار ويوسف بن محمد
بن زياد < فمجهولان غاية الجهالة ، وليس لهما ذكر في
كتب الرجال ، ولا سبيل للتعرف على شيء من حالهما ولا
حال أبويهما .
وعليـه فـلا يمكـن الاعتماد على أحـد من الرواة
المذكورين لإثبات صحة
نسبة التفسير المتقدم للإمام (ع) ، بل يمكن القول بحصـول
الاطمئنان أو القطع بعدم صدور مثل هذا التفسير عن
الإمام (ع) ، وذلك لأمرين :
أحدهما : أن التفسير المذكور إنما عثر على بعض منه
وليس تمامه ، وهو قسم ضخم ، ومع هذا لم نجد أحداً من
الأصحاب حسب المصادر الكثيرة المتوفرة لدينا ذكره ولو
بالإشارة ، فضلاً عن الاهتمام بحفظه والعناية به ، ولو
كان الكتاب بالفعل صادراً من الإمام المعصوم (ع) لكان
مما يهتم به فقهاء الطائفة وأعيانها أكثر من اهتمامهم
بأي كتاب آخر من الكتب المدونة في التفسير أو الحديث ،
لكونه مما لا يحتاج البحث إلى السند ، مضافاً إلى كونه
من تصنيف نفس الإمام (ع) ، ونفس الإهمال وعدم ذكره بما
يتناسب مع
(1) معجم رجال الحديث ج17 ص156 رقم11586.
134
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
صدوره عن المعصوم (ع) دليل على كونه من
الموضوعات التي لا أساس لها من الصحة .
ثانيهما : نفس مضمون الكتاب لا يتناسب وأنْ يكون
صادراً من الإمام المعصوم (ع) ، ولذا قال السيد المحقق الخوئي
(قدس سره) : هذا مع أن الناظر في هذا التفسير لا يشك في
أنه موضوع ، وجل مقام عالم محقق أن يكتب مثل هذا
التفسير، فكيف بالإمام عليه السلام . (1)
2- الفقه المنسوب للإمام الرضا
(ع) : وأول من نسب هـذا
الكتاب إلى الإمام الرضا (ع) هو العلامة الشيخ محمد تقي المجلسي
(قدس سره) كما صرّح بذلك المحقق الشيخ أحمد النراقي
(قدس سره)
في العوائد (2) ، وقد استند لإثبات ذلك إلى نسخة منه ،
كان مكتوباً فيها : أما بعد فيقول عبد الله علي بن
موسى الرضا (ع) (3) ، ومن ثم صرّح بذلك ولده العلامة
الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس سره) في البحار حيث قال : وكتاب
فقه الرضا عليه السلام أخبرني به السيد الفاضل المحدث
أمير حسين طاب ثراه بعد ما ورد أصفهان قال : قد اتفق
في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام أنْ أتاني جماعة
من
(1) معجم رجال الحديث ج12 ص147 رقم 8428 .
(2) عوائد الأيام ص 247 .
(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 4 ص 284 رقم 1294 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
135
أهل قم حاجين ، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه
عصر الرضا صلوات الله عليه ، وكان عليه إجازات جماعة
كثيرة من الفضلاء ، وقال السيد : حصل لي العلم بتلك
القرائن أنه تأليف الإمام عليه السلام ، فأخذت الكتاب
وكتبته وصححته ، فأخذ والدي قدس الله روحه هذا الكتاب
من السيد واستنسخه وصححه ، وأكثر عباراته موافق لما
يذكره كتاب من لا يحضره الفقيه من غير سند ، وما يذكره
والده في رسالته إليه ، وكثير من الأحكام التي ذكرها
أصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه . (1)
وما ذكره العلامة المجلسي
(قدس سره) هو عمدة ما يمكن أن يذكر
لإثبات نسبة الكتاب إلى الإمام الرضا (ع) ، وهـو غير تام
، فقـد استـدل العلامة المجلسي (قدس سره) بأمرين :
الأول : ما ذكره القاضي أمير حسين ، وقد وثقه العلاّمة
المجلسي وأبوه ، وقد ذكر المحدث النوري أنّ ما ذكره
القاضي أمير حسين بعد ثبوت وثاقته يندرج في عموم ما دل
على حجية خبر الواحد (2) .
ويرد عليه : أنه تقرر في أبحاث علم الأصول أنّ ما دل
على حجية خبر الواحد الثقة ، إنما يفيد حجيته إذا كان
ناشئاً عن الحس ،
(1) بحار الأنوار ج1 ص 11
(2) مستدرك الوسائل ج3 ص 339 من الطبعة الحجرية .
136
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
وأما الأخبار الحدسية فهي غير مشمولة
لما دل على حجيته ، بل يمكن القول بأنّ المقدمات التي
اعتمد عليها لإثبات صحة النسبة إلى الإمام (ع) قاصرة ولا
توجب الاطمئنان بصدوره عنه (ع) ، ومن أين يمكن أنْ يحصل
اليقين للسيـد أمير حسين بأنّ النسخـة التي عـثر عليها
تـرجـع إلى عهد الإمام الرضا (ع) ، لاسيما بعد ملاحظة
الفاصل الزمني الطويل بينه وبين ذلك العهد كما انه لم
يكن لديهم الطرق العلمية الدقيقة التي تحدد زمان
النسخة ، وغاية ما يمكن أنْ يتوصل إليه هو قدم النسخة
ولو بأنْ تكون قبل أكثر من مئات السنوات من عثوره
عليها ، ووجود الإجازات الخطية على الكتاب أيضاً لا
يجدي نفعاً ، وغاية ما يفيده هو الظن الذي لم يقم
الدليل على اعتباره ، بل يمكن الجزم بعدم صدور ذلك
الكتاب عن الإمام (ع) ، إذ لو كان من تصنيفه (ع) لاعتنى به
فقهاء الطائفة ، مع أننا لا نجد له ذكر في مصنفاتهم
قبل العلامة المجلسي (قدس سره) ، ولا أشاروا إليه في مصنفاتهم
الكثيرة المتوفرة خصـوصاً بعـد اعتقـاد فقهـاء الطائفة
بمكانة الإمام المعصوم (ع) ، ولو كان من تصنيف الإمام
الرضا (ع) لكان مورد اهتمام بالغ ولقدموه على كثير من
الكتب في الحديث والفقه ، ونفس إهمالهم لذكر الكتاب
وعدم ذكره ولو بالإشارة إليه بحد ذاته
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
137
دليل موجب
للاطمئنان بعدم كون الكتاب من تصنيف الإمام (ع) .
الثاني : تطابق مضمون الكتاب مع بعض الفتاوى التي لا
يُعلم مدركها ومع مضامين بعض الأخبار المرسلة ، إلا
أنّ هذا الوجه غاية ما يُفيده هو الظن ، وهو مما لم
يقم الدليل على اعتباره ، بل يمكن القول بأنّ الكتاب
فيه ما يفيد الظن على الأقل بعدم صدوره عن الإمام (ع)
فهو يشتمل على ما لم يفت به أحد من الأصحاب ، كالقول
بعدم جواز زواج المتعة في الحضر (1) ، بل مثل هذه
الفتاوى بضميمة ما تقدم من إهمال الأصحاب لذكر هذا
الكتاب في مصنفاتهم في الفقه والحديث يوجب الاطمئنان
بعدم كون الكتاب المذكور من تصنيف الإمام (ع) .
وقد ذهب غير واحد من الفقهاء والمحققين إلى عدم صحة
نسبة الكتاب إلى الإمــام (ع) منهـم الإمـام الخـميني
(قدس سره) (2) والسيــد المحقـق الخـوئي
(قدس سره).(3)
3- مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق
(ع) : وهذا
الكتاب لا ذكر له
138
............................................................
كتب الحديث عند الشيعة الإمامية
في كتب المتقدمين المتوفرة بين أيدينا ، وقد بالغ
المحدث النوري (قدس سره) في خاتمة المستدرك في محاولة إثبات
صحة نسبته إلى الإمام (ع) (1) ، ولكن لم يأت بدليل مقنع
، وقد حكم غير واحد من المحققين بعدم ثبوت النسبة
المذكورة ، قال العلاّمة المجلسي (قدس سره) في مقدمة البحار :
وكتاب مصباح الشريعة فيـه ما يريب اللبيب الماهر ،
وأسلوبـه لا يشبه سائر كلمات الأئمة عليهم السلام
وآثارهم ، وروى الشيخ في مجالسه بعض أخباره هكذا :
أخبرنا جماعة ، عن أبي المفضل الشيباني ، بإسناده عن
شقيق البلخي ، عمن أخبره من أهل العلم ، وهذا يدل على
أنه كان عند الشيخ رحمه الله وفي عصره ، وكان يأخذ منه
، ولكن لا يثق به كل الوثوق ، ولم يثبت عنده كونه
مروياً عن الإمام الصادق عليه السلام ، وأنّ سنـده
ينتهي إلى الصـوفية ولـذا اشتمل على كثير من
اصطلاحاتهم ، وعلى الرواية من مشايخهم ، ومن يعتمدون
عليه في رواياتهم ، والله يعلم . (2)
وإلى عدم اعتبار الكتاب المذكور ذهب المحدث المحقق
الحر العاملي والمحقق الشيخ سليمان
(1) خاتمة المستدرك ج1ص 194 من الطبعة الحديثة .
(2) بحار الأنوار ج1 ص 32 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
139
الماحوزي (1) ،
والإمام الخميني (2) والسيد المحقق
الخوئي ( 3) رضوان الله تعالى عليهم .
4- كتاب الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد
(قدس سره) : وهذا
الكتاب لم يذكره أحد من المتقدمين ممن ترجم الشيخ
المفيد (قدس سره) ، ولكن في نسخة منه تاريخ كتابتها سنـة (
1055 هـ ) ذكـر كاتبها أنـه مـن مصنفـات الشيـخ المفيد
(قدس سره) وأنه استخرجه من كتاب الاختصاص للشيخ أبي علي أحمد
بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للشيخ الصدوق (4)
، ولا علم لنا بحال هذا الكاتب ، فضلاً عن الفاصل
الزمني بينه وبين الشيخ المفيد وعدم وجود إسناد متصل
إليه ، ولذا حكـم غير واحـد من المحققين منهم السيد
المحقـق الخوئي (قدس سره) إلى عدم ثبوت نسبة الكتاب إليه (5) ،
والمسألة محل خلاف بين المحققين .
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج21 ص 110 رقم 4167 .
(2) المكاسب المحرمة ج1 ص 481 .
(3) مصباح الفقاهة ج1 ص 335 .
(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج1 ص 358 ، 389 رقم
1890 .
(5) معجم رجال الحديث ج7 ص 126 رقم 4420 .