140 ............................................................ كتب الحديث عند الشيعة الإمامية

القسم الرابع : الكتب التي دونها من لا يعتد بهم أو من كان ممن قال فقهاء الطائفة بإنحرافه أو كذبه أو قالوا بوجود الخبط والخلط فيها ، ومن جملة تلك الكتب :
1- كتاب مشارق أنوار اليقين : وبغض النظر عن كون الأخبار الموجودة فيه مرسلة تخضع صحتها عند الفقهاء إلى القواعد المقررة في محلها لإثبات اعتبار الحديث وعدمه ، فقد نسب بعض الفقهاء كتبه إلى الغلو أو توهمه قال العلامة المجلسي
(قدس سره) في مقدمة البحار : وكتاب مشارق الأنوار وكتاب الألفين للحافظ رجب البرسي ، ولا أعتمد على ما ينفرد بنقله ، لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع ، وإنما أخرجنا منهما ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأصول المعتبرة . (1)

وقال الحر العاملي (قدس سره) : وفي كتابه إفراط ، وربما نُسب إلى الغلو . (2)

وفي المقابل دافع عن آرائه وليس جميع رواياته العلامـة الأميني (قدس سره) في كتاب الغدير ومن جملة ما ذكره قوله : كما أنّ له في ولاء أهل البيت (ع) آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس ، ولذلك رموه بالغلو والارتفاع ، غير أنّ الحق أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم عليهم السلام من الشئون

 

(1) بحار الأنوار ج1 ص 10 .

(2) أمل الآمل ج2 ص 117 رقم 329 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 141

هي دون مرتبة الغلو غير درجة النبوة . (1)

2- كتاب الهداية الكبرى : للحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي ، قال فيه الشيخ النجاشي (قدس سره) : كـان فاسد المذهب . وعن ابن الغضائري أنه قال بشأنه : كذاب ، فاسد المذهب ، صاحب مقالة معلومة ، لا يُلتفت إليه . (2)

3- كتاب الاستغاثة : لأبي القاسـم علي بـن أحمـد الكـوفي ، وقـد بسـط المحدث النوري (قدس سره) في خاتمة المستدرك القول لمحاولة إثبات اعتبار هذا الكتاب (3) ، ولكن مصنف هذا الكتاب وصفه المتقدمون من أصحابنا بالغلو وفساد المذهب ، قال فيه الشيخ النجاشي (قدس سره) : وغلا في آخر أمره ، وفسد مذهبه ، وصنف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد . (4)
إلى أن قال : وهذا الرجل يدعي له الغلاة منازل عظيمة .

وقال الشيخ الطوسي (قدس سره) : كان إمامياً مستقيم الطريقة ، وصنف كتباً كثيرة سديدة ، منها كتاب الأوصياء ، وكتاب في الفقه

 

(1) الغدير ج7 ص 33 .
(2) معجم رجال الحديث ج5 ص 224 رقم 3372 .

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج2 ص 28 رقم 112 .
(4) معجم رجال الحديث ج11 ص 246 رقم 7876 .
 
 

142 ............................................................ كتب الحديث عند الشيعة الإمامية

على ترتيب كتاب المزني ، ثم خلط ، وأظهر مذهب المخمسة ، وصنف كتباً في الغلو والتخليط ، وله مقالة تنسب إليه .

وعن ابن الغضائري أنه قال : المدعي العلوية ، كذّاب ، غال ، صاحب بدعة ومقالة ، رأيت له كتباً كثيرة لا يلتفت إليها .

وقال العلامة (قدس سره) : ومعنى التخميس عند الغلاة لعنهم الله : أنّ سلمان الفارسي والمقداد وعمار وأبا ذر وعمرو بن أمية الضمري هم الموكلون بمصالح العالم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . (1)

وهـذا بالنسبـة للكتب الأصليـة المـدونـة في الحديث ، ويجري مثل هـذا التقسيم في الموسوعات التي جمعت الحديث ، وفي الكتب التي صنفت في بعض العلوم والتواريخ والقصص ، ومن اللازم التنبيه على الكتب التي جمعت الكـم الكبير مـن الأحاديث غـير المعتبرة ، منها كتب المحدث النوري (قدس سره) ، يقول الإمام الخميني (قدس سره) بشأن كتبه : ... أنه لو كان الأمر كما توهم صاحب فصل الخطاب الذي كان كتبه لا يفيد علماً ولا عملاً ، وإنما هو إيراد روايات ضعاف أعرض عنها الأصحاب ، وتنزه عنها ألوا الألباب من قدماء أصحابنا كالمحمدين الثلاثة المتقدمين

 

(1) معجم رجال الحديث ج11 ص 247 رقم 7876 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 143

رحمهم الله ، هذا حال كتب روايته غالباً كالمستدرك ، ولا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص والحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه بالجد ، وهو رحمه الله شخص صالح متتبع ، إلا أنّ اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها العقل السليم والرأي المستقيم أكثر من الكلام النافع ، والعجب من معاصريه من أهل اليقظة ! كيف ذهلوا وغفلوا حتى وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات وكادت تتدكدك على الأرض . (1)

وممن يجري مجرى المحدث النوري (قدس سره) بل أشد السيد نعمة الله الجزائري الذي شذ في بعض كتبه عن عقائد علماء الطائفة أعلى الله تعالى كلمتهم حتى قال بسهو النبي (ص) في الصلاة (2) بعد انقراض القائل به ، وتسالم الفقهاء على بطلانه حتى صار من الضروريات ، وكان مسلكه في قبول الروايات مسلكاً مفرطاً وهو من أشد الإخباريين الرافضين للبحث في الجرح والتعديل ، وقد حكم بأنّ جميع كتب الحديث إلا ما شذ وندر قطعية الصدور ولخطورة مثل هذه النتيجة على فهم الشريعة المقدسة تصدى عدد كبير من فقهاء

 

(1) أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية ج1 ص 244 .

(2) بحر الفوائد في شرح الفرائد ج1 ص 35 من الطبعة الحجرية .  
 

144 ............................................................ كتب الحديث عند الشيعة الإمامية

الطائفـة أعلى الله تعـالى كلمتهم لمـواجهـة هـذا المسلك في طليعتـهم المحقق الكبير رائد الفكـر الأصولي المعاصـر الوحيد البهبهاني (قدس سره) .

ولذا يقول المحقق الشهيد الشيخ مرتضى المطهّري (قدس سره) : ... هنا ينبغي إلى أنْ نشير إلى حدث مهم وخطير برز في عالم التشيع خلال القرون الأربعة الماضية يتعلق بموضوع الاجتهاد ، وهذا الحدث هو موضوع الإخبارية ، ولولا وقوف عدد من العلماء المبرزين الشجعان في وجه تلك الموجة وصدها ، لما كنا نعرف موقعنا الحاضر . (1)

ويقول أيضاً : ... وعلى أثر هذه المكافحات اندحرت الطريقة الإخبارية وليس لها اليوم أتباع إلا في بعض الزوايا النائية ، إلا أنّ الأفكار الأخبارية انتشرت بسرعة كبيرة بظهور الأمين الإسترآبادي في العقول والأفكار ، وعاشت أكثر من مئتي سنة لم تخرج نهائياً من الأذهان بعد ، فنحن ما نزال نجد أنّ الكثيرين لا يجيزون تفسير القرآن بدون الاستناد إلى الحديث ، وأنّ الجمود الإخباري ما يزال يسود كثيراً من المسائل الأخلاقية والاجتماعية ، بل وحتى في بعض القضايا الفقهية . (2)

 

(1) الإجتهاد في الإسلام ص 17 .

(2) الإجتهاد في الإسلام ص 16 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 145

ومما يكشف حجم ما قام به الفقهاء والمحققون في مواجهة المدرسة الإخبارية التي كان أحد مشاكلها قفل باب مناقشة الروايات من حيث صدورها ما يذكره الشيخ محمد باقر الخونساري في روضات الجنات في ترجمة الوحيد البهبهاني حيث يقول : وكذلك ارتفعت بميامن تأييداته أغبرة آراء الإخبارية المندرجة في أهواء الجاهلية الأخرى ، كما انطمست آثار البدع الألوفية المنتشرة من جماعة الملاحدة والغلاة والصوفية . (1)

وهذه العبارة وإنْ كان فيها ما فيها من المبالغة بيد أنها تكشف قوة المواجهة التي شهدتها المدرسة الإخبارية من قبل كبار الفقهاء حتى أصبحت اليوم حالة ضعيفة ليس لها وجود يذكر . (2)

 

(1) روضات الجنات ج2 ص 91 رقم 143 .
(2) أقول : تحدثنا بصورة مفصلة عن واقع المدرسة الإخبارية وموقف الفقهاء منها في كتاب الولاية والمرجعية ، فليراجع .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب