150 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

الفصل الثاني
الكتب الصحيحة عند الشيعة

لم تكن سيرة المسلمين على تدوين الروايات الصحيحة فقط ، بل كتبهم تشتمل على الأحاديث الصحيحة وغيرها ، وحتى عند السنة لم يتفقوا على صحة كتاب قبل البخاري ومسلم ، ولم يتفقوا على ذلك من بعدهما ، وما عليه فقهاء الشيعة بالنسبة لكتب الحديث هو نفس ما عليه فقهاء السنة ومحدثوهم عدا البخاري ومسلم وبعض الكتب ، حيث تشتمل على الأحاديث بشتى أصنافها بما فيها الأحاديث الضعيفة وسيأتي إنشاء الله التعرض لأسباب ذكر الروايات الضعيفة بل الموضوعة في كتب الحديث عند الشيعة والسنة ، نعم ذهب بعض من صنف الكتب المعتبرة إلى صحة كتابه وأنّ جميع الأحاديث الموجودة فيه معتبرة كما هو الحال بالنسبة للشيخ الصدوق (قدس سره) في كتابه من لا يحضـره الفقيـه ، كما صرّح بذلك في مقدمته (1) ، ولكن لم يتبعه فقهاء الطائفة سواء في عصره أو بعده على ذلك ، فقد ضعفوا كما سنبين إنشاء الله تعالى بعض رواياته ، والشأنْ في ذلك شأن بعض كتب الحديث المصنفة على أساس الصحة عند السنة كصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة والكتب الأربعة عدا البخاري ومسلم ومستدرك الحاكم ، فإنها تعكس رأي مصنفيها ، وليست بالضرورة تعبر عن رأي فقهاء السنة ، وكذا الحال بالنسبة لكتاب من لا يحضره الفقيه ، ومع هذا ذهب جماعة منهم الحر العاملي والمحدث البحراني وغيرهم إلى صحة مضامين الكتب الأربعة وهي الكافي لثقة الإسلام الكليني ، ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق والتهذيب والإستبصار لشيخ الطائفة الطوسي ،

 

(1) من لا يحضره الفقيه ج1 ص 3 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 151

وأنها قطعية الصدور ، ونسبوا القول بذلك إلى متقدمي الأصحاب ، وأقاموا على ذلك بعض الأدلة ، والكلام مع ما ذكروه يقع في جهتين :

الجهة الأولى
مذهب المتقدمين في الكتب الأربعة وغيرها

ما نسبه بعض علمائنا الإخباريين إلى متقدمي فقهاء الطائفة من صحة جميع مضامين الكتب الأربعة يكفي في الـرد عليـه ملاحظـة نفس كلمـات المتقدمين ، ومن الشواهد على ذلك :
1- أنّ الشيخ الطوسي
(قدس سره) نفسه في كتابيه التهذيب والإستبصار ضع‍ّف بعض الأحاديث بضعف الرواة أو بالشذوذ ، فكيف ينسب إليه بعد ذلك القول بصحة جميع مضامين كتابيه ، ومن تلك الموارد :

أ- قال في الإستبصار في رد بعض الأخبار :
... فلا ينافي هذا الخبران ما قدمناه في العمل على الرؤية لمثل ما قدمناه في الباب الأول من أنهما خبر واحد لا يوجبان علماً ولا عملاً ، ولأن راويهما عمران الزعفراني ، وهو مجهـول ، وفي إسنـاد الحديثين قـوم ضعفاء لا نعمل بما يختصون بروايته . (1)

ب- وقال في رد بعض الروايات أيضاً : ... ولأنّ هذه الأخبار أربعة منها الأصل فيها

 

(1) الإستبصار ج2 ص 76 ذيل حديث 231 .

 
 

152 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

عمار الساباطي ، وهو واحد ، وقد ضعفه جماعة من أهل النقل وذكروا أن ما يتفرد بنقله لا يعمل به ، لأنه كان فطحياً ، فاسد المذهب ، غير أنّا لا نطعن في النقل بهذه الطريقة ، ولأنه وإنْ كان كذلك فهو ثقة في النقل لا يُطعن عليه ، وأما خبر زرارة فالطريق إليه علي بن حديد ، وهو ضعيف جداً لا يُعول على ما ينفرد بنقله . (1)

ج- وقال في رد بعض الأخبار أيضاً : فأول ما في هذا الخبر أنه لم يروه غير محمـد بن سنـان عن المفضل بن عمر ، ومحمد بن سنان مطعون عليه ، ضعيف جداً ، وما يختص بروايته ولا يشاركه فيه غيره لا يُعمل به . (2)

د- وقال في رد بعض الأخبار أيضاً : ... أول ما في هذه الأخبار أن الخبرين منهما وهما الأخيران مرسلان ، والمراسيل لا يعترض بها على الأخبار المسندة لما بيناه في غير موضع ، وأما الخبر الأول فراويه أبو سعيد الآدمي ، وهو ضعيف جداً عند نقاد الأخبار ، وقد استثناه أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة . (3)

 

(1) الإستبصار ج3 ص 65 ذيل حديث 325 .
(2) الإستبصار ج3 ص 224 ذيل حديث 810 ، وراجع أيضاً التهذيب ج7 ص 361 ذيل حديث 1464 .
(3) الإستبصار ج3 ص 261 ذيل حديث 935 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 153

هـ - وقال في رد خبر آخر : فهذا الخبر ضعيف جـداً ، لأنّ راويه أحمد بن هلال ، وهو ضعيف جداً . (1)

و- وقال في رد خبر آخر : فهذه رواية شاذة ، لم يروها غير وهب بن وهب وهو ضعيف جداً . (2)

ز- وقـال في رد خـبر آخـر : فما تضمـن هـذا الحديث من لحم الحمار الأهلي موافق للعامة ، والرجال الذين رووا هذا الخبر أكثرهم عامة ، وما يختصون بنقله لا يلتفت إليه . (3)

ح- وقال في رد خبر آخر : فأول ما في هذا الخبر أنه ضعيف الإسناد جداً لأنّ رواته كلهم مطعون عليهم ، وخاصة صاحب التوقيع أحمد بن هلال ، فإنه مشهور بالغلو واللعنة ، وما يختص بروايته لا نعمل عليه . (4)

ك – وقال (5) بشأن الحديث الذي عمل به الشيخ الصدوق (قدس سره) بشأن جـواز الوضـوء بماء الـورد ، وأخرجـه ثقـة الإسـلام الكليني (قدس سره) في الكافي (6) : فهذا الخبر شاذ شديد الشذوذ ،

 

(1) الإستبصار ج3 ص 351 ذيل حديث 1253 .
(2) تهذيب الأحكام ج9 ص 77 ح 325 .
(3) تهذيب الأحكام ج9 ص40 ذيل حديث 170 .

(4) تهذيب الأحكام ج9 ص204 ذيل حديث 812 .
(5) تهذيب الأحكام ج1 ص 219 ح 729 ، وراجع أيضاً : الإستبصار ج1 ص 14
(6) الكافي ج3 ص 72 .
 
 

154 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

وإنْ تكرر في الأصول ، فإنما أصلـه يونس عـن أبي الحسن عليـه السلام ، ولم يـروه غيره ، وقـد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به . (1)

ط – وقال في رد خبر آخر : فهذا الخبر مرسل منقطع ، وطريقه محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس ، وهو ضعيف ، وقد استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه الله من جملة الرجال الذين روى عنهم صاحب نوادر الحكمة ، وقال : ما يختص بروايته لا أرويه ، ومن هذه صورته في الضعف لا يُعترض بحديثه . (2)
والموارد الباقية في التهذيب والإستبصار كثيرة لا يسع المقام لاستقصائها.

2- ذكر السيد المرتضى (قدس سره) في بعض رسائله أنّ وجود الحديث في كتاب الكافي لا يقتضي صحته وصدوره من المعصومين (ع) ، يقول في مقام الجواب عن رواية من روايات الكافي :
اعلم أنه لا يجب الإقرار بما تضمنه الروايات ، فإن الخبر المروي في كتب الشيعة وفي كتب جميع مخالفينا يتضمن ضروب الخطأ وصنوف الباطل من محال لا يجوز أن يتصور ،

 

(1) تهذيب الأحكام ج1 ص 219 ح 729 ، وراجع أيضاً : الإستبصار ج1 ص 14 .
(2) تهذيب الأحكام ج3 ص156 ذيل حديث 568 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 155

ومن باطل دل الدليل على بطلانه وفساده كالتشبيه والجبر والرؤية ... (1)
إلى أنْ قال :
وهـذا الخبر المـذكـور بظاهـره يقتضي تجويز المحال المعلوم بالضرورات فساده وإن رواه الكليني رحمه الله في كتاب التوحيد ، فكم روى هذا الرجل وغيره من أصحابنا رحمهم الله تعالى في كتبهم ماله ظواهر مستحيلة أو باطلة والأغلب الأرجح أن يكون هذا الخبر موضوعا مدسوسا . (2)

3- حكم الشيخ المفيد (قدس سره) في رسالته في العدد والرؤية بضعف عدة من الروايات التي أخرجها ثقة الإسلام الكليني في الكافي ، وقال : وأما ما تعلق به أصحاب العدد من أنّ شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماُ ، فهي أحاديث شاذة ، قد طعن نقاد الآثار من الشيعة في سندها ، وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر ، والنوادر هي التي لا عمل عليها . (3)

والشيخ المفيد مضافاً إلى أنه ضعف نفس الروايات التي أخرجها ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) وطعن على رواتها ذكر أنّ الأصحاب ذكروها في كتاب النوادر ، وأنّ النوادر هي

 

(1) رسائل الشريف المرتضى (قدس سره) ج1 ص 409 .
(2) رسائل الشريف المرتضى (قدس سره) ج1 ص 410 .
(3) جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية للشيخ المفيد (قدس سره) ص 19 .

 
 

156 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

التي لا عمل عليها ، والشيخ الكليني (قدس سره) أخرجها في الكافي في باب النوادر (1) ، ومقتضى ذلك أنّ نفس ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) أيضاً كان يعتقد بعدم صحتها ، وأنها ليست مما يصح العمل به .

والدلائل على ما ذكرناه في كلمات الفقهاء لاسيما متقدميهم كثيرة لا يسع المقام لاستقصائها ، وهي غير خفية على المتتبع ، وهذا هو الحال بالنسبة للكتب الأربعة التي هي أهم كتب الحديث ، فثبوت الضعف في كثير من الأحاديث الموجودة في غيرها ثابت بالأولوية القطعية ، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ نفس نقل الرواية سواء عند الشيعة أو السنة في حد ذاته لا يلازم الإعتقاد بصحة مضمونها ، وعلى سبيل المثال فإن الفقيه المحقق الشيخ محمد بن إدريس الحلي (قدس سره) المتوفى سنة (598 هـ) ذكر في عدة مواضع من كتابه السرائر أنّ الشيخ الطوسي أورد في كتبه لاسيما النهاية الأحاديث من جهة الإيراد من دون أنْ يلتزم بصحة مضمونها ، فقد ذكر في رد بعض الفتاوى والأخبار حيث قال : والـروايـة أوردهـا شيخنا أبو جعفر (2) ، وقد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب أعني النهاية في عدة مواضع ، وقلنا

 

(1) الكافي ج4 ص 78 .

(2) يقصد به هنا شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 157

أنه يورده إيراداً من طريق الخبر ، لا اعتقاداً من جهة الفتيا والنظر . (1) ويقول في مورد آخر : فالركون إلى ما يوجد في نهايته إذا لم تعضده الأدلة خطأ لا يجوز ولا يحل الركون إليه ، وإنما يورد أخبار آحاد وما يجده في مصنفات أصحابنا إيراداً لا اعتقاداً لصحته والعمل به . (2)

وقال في مورد ثالث (3) : وقد اعتذرنا في عدة مواضع للشيخ أبي جعفر رحمه الله فيما يـورده في كتاب النهايـة ، وقلنا : أورده إيراداً لا اعتقـاداً ، لأنّ هـذا الكتاب ، أعني كتاب النهاية كتاب خبر ، لا كتاب بحث ونظر .

وبعد هذه الدلائل القاطعة كيف يمكن بعد ذلك القول بتسالم المتقدمين على صحة مضامين الكتب الأربعة أو غيرها ، بل اتضح أنّ ثقة الإسلام الكليني وشيخ الطائفـة كانـا نفسهـما لا يعتقـدان بصحـة جميع ما ورد في كتبهم الثلاثة .

 

(1) السرائر ج2 ص 25 .

(2) السرائر ج 3 ص 211 . (3) السرائر ج1 ص 304 .  
 

158 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

الجهة الثانية
الأدلة المذكورة على صحة جميع أحاديث الكتب الأربعة

ذكر الحر العاملي (قدس سره) في خاتمة الوسائل والمحدث البحراني (قدس سره) في مقدمات الحدائق عدة أدلة لا نريد أنْ نخوض في جميعها ، وإنما نكتفي بدليل واحد استند إليه كثير ممن كتب ضد الشيعة الإمامية أعلى الله تعالى كلمتهم ونحيل بقية المناقشات إلى الكتب المفصلة المصنفة في علوم الحديث ، ولعل من المناسب الإشارة إلى أمرين :
الأول : الحديث المنسوب للإمام الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه وهو عبارة : > الكافي كاف لشيعتنا < ، وهو من الأحاديث التي لا أصل لها ، وكم من حديث يتداوله الناس من السنة والشيعة صرح علماء الحديث أنه لا أصل له ، وقد صرح بذلك حتى بعض المتساهلين في قبول الروايات منهم المحدث النوري والمحدث الإسترآبادي شيخ الإخباريين في عصره والقائل بأنّ جميع أحاديث الكتب الأربعة قطعية الصدور ، يقول المحدث النوري بشأن هذا الحديث : فإنه لا أصل له ، ولا أثر له في مؤلفات أصحابنا ، بل صرّح بعدمه المحدث الإسترآبادي الذي رام أن يجعل تمام أحاديثه قطعيـة ، لما عنـده مـن القـرائن التي لا تنهـض لـذلك ، ومـع ذلك صرّح بأنـه لا أصل له . (1)

وقال العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري : فإنه قول مجهول راويه ، ولم يُسم أحد اسمه ،

 

(1) خاتمة المستدرك ج3 ص 470 من الطبعة الحديثة .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 159

ويدل على بطلانه تأليف مئات كتب الحديث بمدرسة أهل البيت (ع) بعد الكافي . (1)

الثاني : أنه كيف يجوز نقل أحاديث الضعفاء والكذابين بعد الإطلاع على ضعفهم وكذبهم ، فهذا مما لا يصح صدوره من العلماء والمحققين ، فكيف بأصحاب الكتب الأربعة من أعيان الطائفة وفقهائها . (2)

وهذا سنجيب عليه إنشاء الله عند التعرض لأسباب إيراد الروايات الضعيفة والموضوعة في كتب الحديث .

 

(1) معالم المدرستين ج3 ص 283 .

(2) الحدائق الناضرة ج1 ص 12 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب