162 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

المبحث السابع
أسباب ذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتب الحديث

من الإشكالات التي تتكرر كثيراً ، والتي أثرت في حدوث شبهة أدت إلى قول البعض بصحة جميع الأحاديث الواردة في كتب المتقدمين ، هي : أنه إذا كان الفقهاء يعلمون بضعف بعض الأحاديث أو وضعها ، فلماذا ينقلونها في كتب الحديث ، وإذا كانوا يعلمون بأنّ بعض الرواة ضعفاء في النقل أو من الكذابين والوضاعين ، فلماذا يروون أحاديثهم ، وهذا الإشكال لا يختص بكتب الشيعة الإمامية ، بل هو إشكال عام على كتب سائر المسلمين من أتباع مختلف المذاهب إذ من الواضح أنّ أغلب كتب الحديث لم تصنف على أساس صحة جميع ما فيها من المضامين ، بل كتب نقل للرواية فقط ، كما أنه لا إشكال في أنّ مجرد نقل الرواية لا يلازم الاعتقاد بمضمونها ، ولذا

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 163

تقدم عن ابن إدريس الحلي (قدس سره) أنه ذكر أن شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) ذكر في نهايته عدة روايات ليس من جهة قبولها والاعتقاد بمضمونها ، وقال أحمد بن سيار بعد أنْ مدح أبا الصلت الهروي : إلا أنّ ثم أحاديث يرويها في المثالب وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية نحو ما جاء في أبي موسى وما روي في معاوية فقال : هذه أحاديث قد رويت ، قلت فتكره كتابتها وروايتها ، والرواية عمن يرويها ؟ فقال : أما من يرويها على طريق المعرفة فلا أكره ذلك ، وأما من يرويها ديانة ويريد عيب القوم فإني لا أرى الرواية عنه . (1)

وإسحاق بن إبراهيم هو الحافظ المعروف بابن راهويه أحد أئمة المحدثين عند السنة المتفق على إمامتهم . (2)

ويمكن القول بأنّ أهم الأسباب لذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة هي الأسباب التالية :
الأول : أنه لم يكن في المحدثين أحد استطاع أنْ يجمع جميع الأحاديث الصادرة عن النبي (ص) أو عترته الطاهرة (ع) فكانت متفرقة عند مختلف الرواة وفي بلدان متعددة ، وهذا ما أدى

 

(1) تاريخ بغداد ج1 ص 48 رقم 5728 ، تهذيب التهذيب ج6 ص 285 رقم 619 .
(2) راجع ترجمته في : تهذيب التهذيب ج1 ص 190 رقم 408 .

 
 

164 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

بكثير من المحدثين إلى الرحلات الواسعة والطويلة لطلب الحديث الشريف ، وكان ممن حصل على الحديث ومن المحتمل أنْ تكون لديه بعض الأحاديث الصادرة في الواقع ونفس الأمر بعض الضعفاء والوضاعين ، فنقل علماء الحديث عنهم لضمان جمع جميع ما صدر من الأحاديث في الواقع ، ومن الواضح أنه لا يمكن التضحية بكثير من الأحاديث لكون الرواة من الضعفاء ، ولهذا صرح عدة من علماء الحديث بشأنْ بعض الرواة أنه ضعيف ولا يحتج به ، ولكنه مع ذلك يكتب حديثه ، كما ذكر ذلك أبو حاتم الرازي وهو من كبار أئمة الجرح والتعديل عند السنة في إبراهيم بن أبي حبيبة الأشهلي وإبراهيم بن إسماعيل بن زيد بن مجمع ، وإبراهيم بن يزيد القرشي ، وبشار بن قيراط النيسابوري (1) ، وقال في ترجمة عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني والد علي بن المديني : منكر الحديث جداً ، ضعيف الحـديث ، يحـدث عـن الثقات بالمناكير ولا يحتج به . (2) ، وهكذا قال غيره كابن معين وابن عدي الجرجاني (3)

 

(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج2 ص 83 رقم 196 وص 84 رقم 197 وص 134 رقم 425 ، وص 145 رقم 476 وص 417 رقم 1652 .
(2) الجرح والتعديل ج5 ص 22 رقم 102 .
(3) راجع مثلاً : ميزان الإعتدال ج1 ص 329 رقم 725 ، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني ج4 ص 179 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 165

وغيرهم ، والموارد كثيرة جداً يجدها المتتبع للكتب المصنفة في أحوال الرواة ، والمتتبع لكتبنا يجد أنّ جملة من الرواة الذين وصفهم الأصحاب بالضعف أو الكذب أو غيره لديهم الكثير من الروايات الصادرة من المعصومين (ع) بشهادة ما روي مما تابعهم فيه الثقات .

وبعبارة أخرى : حفظ الأحاديث الصادرة بعد تفرقها وتشتتها وعدم جمعها لدى أشخاص معينين يقتضي جمع أكبر قدر من الروايات بما فيها الروايات الضعيفة الكثيرة لضمان عدم ضياع شيء من الروايات التي صدرت من المعصومين (ع) في الواقع ونفس الأمر ، وعلى سبيل المثال لو فرضنا أنّ شخصاً كان واجباً عليه حفظ أرواح عشرة أشخاص مثلاً والاعتناء بهم ولكنه لا يعلمهم على وجه التحديد ، وفي نفس الوقت يعلم أنهم موجودين ضمن مئة شخص ، فهنا إذا كان لهؤلاء العشرة أهمية بالغة فإنّ العقل يقتضي أنْ يهتم بالمئة للحفاظ على العشرة ، بل هو ما يقتضيه العقل من التكليف ، لأنّ حفظ الغرض يتوقف على توسيع دائرة الامتثال إلى ما يتجاوز الغرض ، وهكذا الحال بالنسبة لحديث النبي (ص) وعترته الطاهرة (ع) فإنّ حديثهم له أهميته البالغة التي تلي القرآن الكريم ، وبعض الأحاديث وإنْ كانت معلومة الصدور منهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ولكن لدينا قدر كبير من الأحاديث التي صدرت منهم

166 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

اختلطت بأحاديث الكذابين والوضاعين والضعفاء والمخلطين ، وهو ما يستوجب أنْ نجمع أكبر قدر من تلك الأحاديث حفظاً للأحاديث الصادرة .

ويزيد ما ذكرناه وضوحاً أنّ علماء الطائفة وإنْ كانوا يعتمدون على علم الجرح والتعديل ودراسة الأسانيد في إثبات اعتبار الأحاديث وعدمه ، ولكنهم لم يكونوا يقتصرون على ذلك ، بل كانوا أولاً يبحثون في القرائن المثبتتة للخبر أو النافية له ، فإذا لم يجدوا القرائن العلمية المعتبرة رجعوا بعد ذلك لدراسة الأسانيد ، وهو ما يقتضي تدوين الأحاديث بغض النظر عن الأسانيد ، مع الاهتمام بالسند والاعتناء به ، يقول شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) في عدة الأصول : أنّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مروياً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو عن واحد من الأئمة عليهم السلام ، وكان ممن لا يُطعن في روايته ، ويكون سديداً في نقله ، ولم تكن هنـاك قرينة تدل على صحـة ما تضمنه الخبر ، لأنـه إنْ كـان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ، وكان ذلك موجباً للعلم . (1)

 

(1) عدة الأصول ج1 ص 126 تحقيق محمد رضا الأنصاري القمي ط. سنة 1417هـ .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 167

الثاني : العلم والمعرفة بجميع الروايات التي رواها الرواة ، وهذا السبب دفع الكثير إلى النقل على الإطلاق ، ولذا فرق الأصحاب بين الكتب التي هي للنقل والكتب التي صنفت للبحث والنظر ، فقد ذكر مثلاً كما تقدم ابن إدريس الحلي عن شيخ الطائفة الطوسي أنه أورد بعض الروايات ليس من جهة الإعتقاد لأن كتابه للأخبار وليس محل البحث والنظر ، وقد كرر ذلك في موارد كثيرة من كتاب السرائر ، ومن تلك الموارد رده لبعض الأخبار بقوله : أورده إيراداً لا اعتقاداً ، لأنّ هذا الكتاب ، أعني كتاب النهاية كتاب خبر ، لا كتاب بحث ونظر . (1)

ونظير ذلك ما تقدم عن الحافظ إسحاق بن راهويه وهو من كبار أئمة الحديث عند السنة ، حيث قال أحمد بن سيار : وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث وهي أحاديث مروية نحو ما جاء في أبي موسى وما روي في معاوية فقال : هذه أحـاديث قد رويت ، قلت : فتكـره كتابتها وروايتهـا ، والرواية عمن يرويها ؟ فقال : أما من يرويها على طريق المعرفة فلا أكره ذلك ، وأما من يرويها ديانة ويريد عيب القوم فإني لا أرى الرواية عنه . (2)

 

(1) السرائر ج1 ص 304 .

(2) تهذيب التهذيب ج6 ص 285 رقم 619 .  
 

168 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

ونفس العلم بالأحاديث الصحيحة والموضوعة ليس من باب الترف وتضييع الوقت ، وإنما تترتب عليه آثار مهمة في معرفة التاريخ ، ويساهم مساهمة مهمة في اكتشاف كثير من واقع التآمر الفكري والثقافي الذي وقع في تاريخنا الإسلامي ، وغير ذلك من الفوائد التي لا يسع المقام لتفصيلها .

الثالث : والعامل الثالث لورود عدة من الروايات الموضوعة ، بل التي كان لا بد من عدم كتابتها وتدوينها في كتب الحديث تساهل جماعة من الرواة في النقل ، فكانوا لا يبالون عمن ينقلون عنه ، وهو خطأ فادح بلا شك ، نبه عليه كثير من علماء الحديث ووقعوا فيه للأسف الشديد ، وتجد نقد ذلك والحديث عنه كثير عند الشيعة والسنة ، فمما أورده فقهاؤنا ومحدثونا ما ذكروه في ترجمة المحدث الثقة أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، فمن ذلك قول الشيخ النجاشي (قدس سره) : وكان ثقة في نفسه ، يروي عن الضعفاء ، واعتمد المراسيل. وقال الشيخ الطوسي (قدس سره) بشأنه : وكان ثقة في نفسه ، غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء ، واعتمد المراسيل . (1)

 

(1) تهذيب التهذيب ج6 ص12 رقم 18.

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 169

ومما ورد عند السنة ما ذكروه بشأنْ الحافظ أبي بكر بن أبي الدنيا ، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة ، قال بشأنه صالح بن محمد: صدوق ، وكان يختلف معنا ، إلا أنه كان يسمع من إنسان يقال له محمد بن إسحاق ، بلخي ، وكان يضع للكلام إسنادا ، وكان كذابا ، يروي من ذات نفسه مناكير . (1)

وقـد وصف علمـاء الحديث من السنة عـدة من أئمـة الحـديث وثقـاتـه عندهم بأنه حاطب ليل ، بمعنى أنّ كثيراً مما يرويه ليس ّذا قيمة ، ومن ذلك قول الشعبي : قتادة حاطب ليل . قال يحيى بن يوسف الزمي : حدثنا ابن عيينة قال لي عبد الكريم الجوزي يا أبا محمد تـدري ما حاطـب ليـل ؟ قلت : لا قال : هو الرجل يخرج في الليل فيحتطب فيضع يده على أفعى فتقتله هذا مثل ضربته لك لطالب العلم أنه إذا حمل من العلم ما لا يطيقه قتله علمه كما قتلت الأفعى حاطب الليل . (2)

ونحو ذلك قول الإمام مالك : كان ابن جريج حاطب ليل ، وقال محمد ابن منهال الضـرير عـن يزيد بن زريع قال : كـان ابن جريـج صاحب غثاء . (3)

 

(1) معجم رجال الحديث ج2 ص261 رقم 858 .
(2) سير أعلام النبلاء 5 ص 272 رقم 132 .

(3) سير أعلام النبلاء 6 ص 329 رقم 138 .  
 

170 ............................................................ الأحاديث الصحيحة عند الشيعة الإمامية

ونحو ذلك قال ابن عدي في : عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي (1) ، ونحو ذلك قال الذهبي في الحسن بن علي بن هرمز الأهوازي (2) وقال الذهبي في الحافظ ابن مندة : وهو في تواليفه حاطب ليل يروي الغث والسمين وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين (3) ، وكلماتهم في ذلك كثيرة لا تخفى على المتتبع .

وبالجملـة فقـد نقـل عـدة من علماء الحديث سواء في كتب الشيعة أو السنة عدة أحاديث ما كان ينبغي عليهم نقلها ، وقد نشأ ذلك من جهة التساهل في النقل ، وقد كانت سيرة بعض المحدثين كذلك ، ووقع بشكل قليل أو نادر لآخرين هذا الخطأ من دون أنْ يكون ذلك هو الوضع العام والغالب لرواياتهم ، ومن هنا استخرج علماء الحديث أحاديث كثيرة وصفوها بالوضع ، وكانوا محقين في بعض ذلك ومتعصبين ومتحاملين في بعض آخر .

 

(1) سير أعلام النبلاء 9 ص 427 .

(2) سير أعلام النبلاء 18 ص 13 . (3) سير أعلام النبلاء 18 ص 354 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب