182
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الفصل الثالث
معرفة ما انفرد به الشيعة
في الكتب التي دونت في المسائل الخلافية حديث كثير عن
عقائد الشيعة التي يزعم القائلون أنهم انفردوا بها دون
غيرهم من المسلمين ، وإنما يذكرها هؤلاء كمدخل لأجل
الطعن على الشيعة بذلك ، وهذه النسب التي تذكر يمكن
أنْ نسجل عليها عدة ملاحظات مهمة :
الأولى : أنّ نفس التفرد لا يصح أنْ يكون طعناً عليهم
إذا كان لديهم عليه دليل من الكتاب أو السنة ، كما أنّ
ليس مذهب الشيعة الإمامية هو المذهب الوحيد الذي لديه
بعض الكلمات التي تفرد بها ، فكثير من المذاهب تفردت
عن غيرها بأقوال كما سيأتي التعرض لبيانه إنشاء الله
تعالى ، ومن الكلمات التي فيها بعض الإنصاف بهذا
الشأنْ كلام ابن قيم الجوزية أبرز تلامذة ابن تيمية في
كتابه ، حيث استدل بكلام الشيعة الإمامية وإجماعهم
لإثبات بعض الأحكام الشرعية ، وقال في مقام بيان عدم
وقوع الطلاق بالحلف عليه :
الوجه التاسع : أنّ فقهاء الإمامية من أولهم إلى آخرهم
ينقلـون عـن أهل البيت (ع) أنه لا يقع الطلاق المحلوف به
، وهذا
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
183
متواتر عندهم عن جعفر بن محمد
(ع) وغيره من أهل
البيت (ع) .
ثم قال : وهب أنّ مكابراً كذبهم كلهم وقال : قد
تواطئوا على الكذب عن أهل البيت (ع) ففي القوم فقهاء
وأصحاب علم ونظر واجتهاد ، وإنْ كانوا مخطئين مبتدعين
في أمر الصحابة ، فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلهم
بالكذب والجهل ، وقد روى أصحاب الصحيح عن جماعة من
الشيعة وحملوا حديثهم ، واحتج به المسلمون ، ولم يزل
الفقهاء ينقلون خلافهم ويبحثون معهم ، والقوم وإنْ
أخطأوا في بعض المواضع لم يلزم من ذلك أنْ يكون جميع
ما قالوه خطأ حتى يرد عليهم هذا ، لو انفردوا بذلك عن
الأمة ، فكيف وقد وافقوا في قولهم من حكينا قولهم ،
وغيره ممن لم تقف على قوله . (1)
الثانية : كثير من الآراء نسبها البعض إلى الشيعة
الإمامية بنحو التفرد لأنه ليس لديهم إطلاع سوى على
رأي المذاهب الأربعة ، وقد يطلعون بالإضافة إلى ذلك
على رأي خصوص ابن حزم من الظاهرية وعلى أقوال ابن
تيمية ، والحال أنّ المذاهب الإسلامية بما فيها
المذاهب السنية أوسع من ذلك بكثير ، فعدد كبير من
علماء السنة لم يكن من أتباع المذاهب الأربعة ، وسلفهم
الذي سبقهم من
(1) الصواعق المرسلة ج2 ص 616 ، 617 ط . دار العاصمة /
الرياض سنة 1312 هـ .
184
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الفقهاء لم يكونوا من أتباعهم أيضاً ،
وفقهاء الأمصار عبر التاريخ عددهم في غاية الكثرة ممن
لديهم أقوال لا توجد عند أئمة المذاهب الأربعة ولا
المذهب الظاهري ، ولنأخذ موضوع زواج المتعة كمثال من
أمثلة ما نسب إلى الشيعة القول بالتفرد به ، والحال
وافقهم فيها عدد من الفقهاء الذين لهم مكانتهم المميزة
عند السنة ، ولنذكر شواهد على ذلك عند أولئك الفقهاء :
1- الفقيه الحافظ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
المكي ، أحد كبار الفقهاء المعتمدين عند السنة ، قال
فيه الذهبي : الإمام العلاّمة الحافظ ، شيخ الحرم ،
أبو خالد وأبو الوليد القرشي ، الأموي ، المكي ، صاحب
التصانيف ، وأول من دون العلم بمكة . (1)
وقال فيه أيضاً : وكان شيخ الحرم بعد الصحابة عطاء
ومجاهد ، وخلفهما قيس بن سعد وابن جريج ، ثم تفرد
بالإمامة ابن جريج ، فدون العلم وحمل عنه الناس ،
وعليه تفقه مسلم بن خالد الزنجي ، وتفقه بالزنجي
الإمام أبو عبد الله الشافعي ، وكان الشافعي بصيراً
بعلم ابن جريج ، عالماً بدقائقه ، وبعلم سفيان بن
عيينة ، وروايات ابن جريج وافرة في الكتب الستة ،
(1) سير أعلام النبلاء ج6 ص 325 رقم 138 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
185
وفي
مسند أحمد ، ومعجم الطبراني الأكبر ، وفي الأجزاء . (1)
وقال فيـه أيضاً : وهو في نفسـه مجمع على ثقتـه (2) ،
فهـو مـن الفقهاء المتقدمين على أئمة المذاهب الأربعة
وأقرب منهم إلى جيل الصحابة ، وهو من القائلين بزواج
المتعة ، مع أنه تزوج بسبعين امرأة ، بل نقل عنه
الإمام الشافعي أنه تزوج بتسعين امرأة ، ولذا قال
الذهبي فيه (3) : مجمع على ثقته ، مع كونه قد تزوج نحو
من سبعين امرأة نكاح المتعة ، كـان يرى الرخصـة في
ذلك وكان فقيه أهل مكة في زمانه .
بل في بعض المصادر كسير أعلام النبلاء : وقال محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول : استمتع ابن
جريج بتسعين امرأة حتى أنه كان يحتقن في الليل بأوقية
شيرج طلباً للجماع . (4)
2- قال ابن حزم الفقيه الظاهري في المحلى أثناء حديثه
عن زواج المتعة : وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم جماعة من السلف رضي الله
عنهم منهم من الصحابة رضي الله عنهم أسماء بنت أبي بكر
الصديق وجابر بن عبد الله
186
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
وابن مسعود وابن عباس
ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري
وسلمة ومعبد أبناء أمية بن خلف ورواه جابر بن عبد الله
عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومدة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر .
إلى أن قال : ومن التابعين طاووس وعطاء وسعيـد بن جبير
وسائر فقهاء مكة أعزها الله وقد تقصينا الآثار
المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال . (1)
3- قال الإمام الشافعي في كتاب اختلاف الحديث : قد
علمنا أنّ ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة . انتهى
(2) ، وابن عباس عند السنة من جيل الصحابة ، بل عند
السنة متقدم في العلـم على أئمة المذاهب الأربعة .
وسيأتي التعرض لتفاصيل الأقـوال في زواج المتعـة عنـد
البحث فيها إنشاء
الله تعالى .
ومن الشواهد المتقدمة ومن غيرها التي سيأتي التعرض لها
إنشاء الله تعالى يتضح أنّ نسبة القول بالتفرد بجواز
المتعة ناتج من قلة الإطلاع ، والنظر إلى الأمور بعين
ضيقة ،
(1) المحلى ج9 ص 519 ، 520 ط.1 وج9 ص 129 مسألة 1858
ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1408 هـ .
(2) اختلاف الحديث للإمام الشافعي ص 257 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
187
وحصر فهم الدين بنطاق أقوال معينة ، وما مسألة
جواز زواج المتعة إلا كمثال من أمثلة كثيرة لا يسع
المقام لسردها ، وبيان خطأ من نسب الشيعة فيها إلى
التفرد .
الثالثة : في كثير من الأحيان حتى آراء أئمة المذاهب
الأربعة يتم الإطلاع عليها أو عرضها بشكل مبتور ، وغير
مكتمل ، فأقوال أئمة المذاهب الأربعة في كثير من
المسائل فيها روايات وأقوال متضاربة رويت عنهم ، ناهيك
عن كون بعضهم كالإمام الشافعي له مذهبان مذهبه القديم
، ومذهبه الجديد ، بل قد تتعدد الأقوال داخل المذهب
الواحد كما في تعدد أقوال أبي حنيفة وأصحابه أبي يوسف
القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم ، وكما يحصل
الإختلاف في بعض المسائل بين المالكية أنفسهم (1) وفي
بعض الأحيان نجد بعض أئمة المذاهب الأربعة يقولون
شيئاً يوافقون به الشيعة أو ينقل عنهم بنقل معتبر ،
ومن ثم يخالفهم فيه أتباعهم أو ينقلون عنهم فيه العكس
من ذلك ، ولنذكر لبيان ذلك مثالين :
(1) مما ينبغي الإشارة إليه أنّ أتباع مالك يختلفون
عنه كثيراً في نقل المسائل ، فأتباعه من أهل المغرب
ينقلون عنه أموراً يخالفهم فيها في النقل عنه أهل
المشرق ، وهذا لا يخفى على من تتبع الأقوال في نطاق
المذهب المالكي .
188
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الأول : المنقـول عـن أئمـة المـذاهب الأربعـة القول
بحرمة زواج المتعة ، ولكن هذا بالنسبة لبعضهم كمالك
وأحمد بن حنبل على بعض الروايات وفي المصادر الفقهية
نقل آخر يحكي عنهما القول بجواز زواج المتعة ، يقول
السرخسي في المبسوط : وتفسير المتعة أن يقول لامرأته :
أتمتع بك كذا من المدة بكذا من البذل ، وهذا باطل
عندنا جائز عند مالك بن أنس وهو الظاهر من قول ابن
عباس رضي الله عنه . (1) ، ونسب القول بزواج المتعة
لمالك عدة من فقهاء السنة ونفاه آخرون أيضاً ، وسيأتي
التعرض له عند الحديث عن حكم زواج المتعة إنشاء الله
تعالى . (2)
وقال ابن مفلح الحنبلي في المبدع أثناء نقله لقول أحمد
بن حنبل في زواج المتعة (3) : وسأله ابن منصور عن
المتعة ؟ فقال : اجتنبها أحب إلي ، فأثبت ذلك أبو بكر
في الخلاف رواية وأبى ذلك القاضي في خلافه ، وقـال ابن عقيل : إن أحمد رجع . وتقي الدين يقول توقف عن لفظ
الحرام ولم ينفه
(1) المبسوط ج5 ص 152 ، وراجع :
زواج المتعة للعلامة
المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي ج2 ص 43 .
(2) راجع : عون المعبود ج6 ص 59 ط . دار الكتب العلمية
/ بيروت سنة 1410 هـ .
(3) المبدع ج7 ص 87 ط. المكتب الإسلامي / بيروت سنة
1400هـ .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
189
وعـن ابن عباس أنه أجازه وإليـه ذهب
أكثر أصحـابه قال ابن جريـج وحكي
ذلك عن أبي سعيد وجابر .
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف : الصحيح من المذهب
أن نكاح المتعة لا يصح وعليه الإمام أحمد رحمه الله
والأصحاب ، وعنه : يكره ويصح ذكرها أبو بكر في الخلاف
وأبو الخطاب وابن عقيل . وقال : رجع عنها الإمام أحمد
رحمه الله قال الشيخ تقي الدين رحمه الله توقف الإمام
أحمد رحمه الله عن لفظ الحرام ولم ينفه . (1)
وهذا النقل يظهر منه على الأقل أنّ أحمد بن حنبل كان
قائلاً بجوازها في أحـد قوليـه ، وسيأتي التعـرض
لتفصيل ذلك عند البحث في حكم زواج المتعة إنشاء الله
تعالى .
وهذا المقدار يظهر منه أنّ نسبة التفرد إلى الشيعة ليس
فقط ناتجاً عن عدم الإطلاع على جميع أقوال السلف ، بل
حتى على فقه أئمة المذاهب الأربعة بالدقة والتتبع ،
وإنما يؤخذ بالسذاجة وعدم التدقيق .
الثاني : كثير من الكتب التي صنفت بهدف تشويه مذهب
الشيعة الإمامية أعلى الله تعالى كلمتهم بالغت في
الطعن على الشيعة لفتوى بعض فقهائهم بجواز وطيء المرأة
دبراً ، والمسألة عند الإمامية من المسائل الخلافية
(1) الإنصاف ج8 ص 163 ط.
دار إحياء التراث العربي / بيروت .
190
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
والحال أنّ القائل فيها من علماء السلف المعتمدين عند
السنة كثرة ، بل الإمام مالك نفسه وإنْ بالغ بعض السنة
في نفيها عنه كان قائلاً بجواز ذلك ، بل بعض علماء
السنة كـان يمارس ذلك فضلاً عن قوله بالجـواز ، ولنذكر
بهذا الشأن ما
يقطع الشك باليقين :
1- يقول الحافظ الفقيه محمد بن جرير الطبري في كتابـه
اختلاف الفقهاء :
واختلفوا في إتيان النساء في أدبارهن بعد إجماعهم أن
للرجل أن يتلذذ من
بدن المرأة بكل موضع منه سوى الدبر ، فقال مالك : لا
بأس بأن يأتي الرجل امرأته في دبرها كما يأتيها في
قبلها ، حدثنا بذلك يونس ، عـن ابن وهب ، عنه . (1)
سند النقل المتقدم
نقل الفتوى المتقدمة الحافظ الطبري صاحب التفسير
والتاريخ بواسطة رجلين من المعتمد عليهم عند السنة
وهما :
1- يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة ، الصدفي ، أبو موسى
المصري . قال بشأنه ابن حجر: ثقة . (2)
(1) إختلاف الفقهاء للطبري ص304
ط . دار الكتب العلمية / بيروت .
(2) تقريب التهذيب ص613 رقم
7907.
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
191
2- عبد الله بن وهب بن مسلم ، القرشي ، أبو محمد ،
المصري وهو أحد كبار فقهاء المالكية من أصحاب الإمام
مالك نفسه وثقاتهم . قـال ابن حجر: الفقيه ، ثقة ،
حافظ ، عابد . (1)
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أثناء حديثه عن قول
الإمام مالك بجواز ذلك : قوله وروي عن مالك وقال بعد
ذلك ويعلم قوله الإتيان في الدبر بالميم لما روي عن
مالك قال وأصحابه العراقيون لم يثبتوا الرواية انتهى .
قال ابن حجر بعد ذلك : قرأت في رحلة بن الصلاح أنه نقل
ذلك من كتاب المحيط للشيخ أبي محمد الجويني ، قال :
وهو مذهب مالك وقد رجع متأخروا أصحابه عن ذلك وأفتوا
بتحريمه ، إلا أن مذهبه أنه حلال . قال : وكان عندنا
قاض يقال له أبو واثلة وكان يرى بجوازه ، فرفعت إليه
امرأة وزوجها واشتكت منه أنه يطلب منها ذلك ، فقال :
قد ابتليت . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : نص في
كتاب السر عن مالك على إباحته ورواه عنه أهل مصر وأهل
المغرب . (2)
قال ابن حجر : قلت وكتاب السر وقفت عليه في كراسة
لطيفة من رواية الحارث بن
(1) تقريب التهذيب ص328 رقم 3694
.
(2) تلخيص الحبير ج3 ص 183 ط.
المدينة المنورة سنة 1964م .
192
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
مسكين عن عبد الرحمن بن
القاسم ، عن مالك ، وهو يشتمل على نوادر المسائل،
وفيها كثير مما يتعلق بالخلفاء ، ولأجل هذا سمي كتاب
السر، وفيه هذه المسألة ، وقد رواه أحمد بن أسامة التجيبي ، وهذبه ورتبه على الأبواب ، وأخرج له أشباها
ونظائر في كل باب ، وروى فيه من طريق معن بن عيسى :
سألت مالكا عنه ؟ فقال : ما أعلم فيه تحريما . (1)
قال ابن حجر : وقال ابن رشـد في كتـاب البيان والتحصيل
في شـرح العتبية : روى العتبي عن ابن القاسم عن مالك
أنه قال له ، وقد سأله مخليا به ، فقال : حلال ، ليس
به بأس .
قال ابن القاسم : ولم أدرك أحداً أقتدي به في ديني يشك
فيه ، والمدنيـون يروون الرخصـة عن النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم ، يشـير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر
. (2)
وسيأتي التعرض لتفاصيل أخرى عند بحث هذه المسألة إنشاء
الله تعالى ، ومما تقدم يتضح لك حجم الجهل لدى كثير من
الكتاب في نسبته القول بالتفرد إلى الشيعة ويستغل كل
قول قال به الكثير من الفقهاء غيرهم ممن يجمع
(1) تلخيص الحبير ج3 ص 183 .
(2) تلخيص الحبير ج3 ص 183 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
193
علماء
السنة على جلالتهم وإمامتهم للتشنيع بمجرد العصبية أو
بسبب الجهل .
الرابعة : والملاحظة الرابعة أنّ كثيراً من الأقوال
التي نسب التفرد بها إلى الشيعة الإمامية ، كان السبب
فيها عدم فهم ما ذكـره الشيعة الإماميـة أو كان السبب
محض التعصب ، ولنذكر مثالاً على ذلك :
من العقائد التي يعتقد بها الشيعة الإمامية البداء ،
وصرّح فقهاء الإمامية وصرحت أحاديثهم المروية عندهم
بالتواتر أنّ المقصود بالبداء هو مفاد قوله تعالى :
(
يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ
أُمُّ الْكِتَابِ) (1) ، وأنّ معناه أنّ الله عز وجل
يمحو ما كان ويثبت ما لم يكن بعلمه وإحاطته المطلقة
بكل شيء قبل أن يكون وبعده ، وهذا المعتقد كما سنبينه
في مبحث البداء إنشاء الله تعالى من ضروريات دين
المسلمين ، ومع هذا تجد البعض يصر على أنّ الشيعة
تختلف عقيدتهم في هذه المسألة عن سائر فرق المسلمين ،
بدليل أنهم يصطلحون على هذا المعتقد بمصطلح البداء ،
يقول أحدهم : في القاموس > بدا < بدْوَا وبُدُوّا
وبداءة : ظهر ... وبدا له في الأمر بْدواً وبداءة
وبداة : نشأ له فيه رأي ... فالبدا في اللغة كما جاء
في القاموس له معنيان :
(1) سورة الرعد : 39 .
194
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الأول : الظهور والإنكشاف ،
والثاني : نشأة الرأي الجديد ... إلى أنْ قال :
والبـداء بهـذين المعنيين لا تجـوز نسبتـه إلى الله
عـز وجـل . إنتهى . (1)
ثم راح يهجم على الشيعة بسبب قولهم بالبداء بالرغم من
تصريح علماء الشيعة بعكس ما قاله في تفسير البداء ،
ولو تتبع هذا القائل الروايات المعتبرة عند السنة لوجد
هذا المصطلح من المصطلحات النبوية التي كان يذكرها
الرسول الأعظم (ص) ، فمما ورد في ذلك ما أخرجه البخاري
في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ، حدثه أنه سمع رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول ، وذكر الحديث الذي
جاء فيه : إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى
بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص .
فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن قد
قذرني الناس . (2)
فما ذكره هو وغيره كما سنبين فيما سيأتي إنشاء الله
تعالى ناتج من أمور ثلاثة وهي :
1- الجهل باللغة العربية وسرعة الحكم على مدلولات
الألفاظ .
2- العصبية المفرطة .
(1) مسألة التقريب ج1 ص 344 ط
دار طيبة للنشر والتوزيع .
(2) صحيح البخاري ج3 ص
1276 ط. دار ابن كثير – اليمامة / بيروت سنة 1407هـ- 1987م .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
195
3- عدم الإطلاع على كتب حديث السنة وكتبهم في التفسير
والعقيدة بالقدر الذي يتناسب مع البحث والتحقيق .
وسيأتي الكلام في ذلك بالتفصيل عند البحث في مسألة
البداء إنشاء الله تعالى .
الخامسة : كثير من الأقوال الشاذة التي قال بها من شذ
من الشيعة أو من المنتسبين إليهم أعلن فقهاء الشيعة
أنفسهم زيفها وبطلانها والبراءة منها ، وأصدروا
فتاواهم صريحة بهذا الشأنْ ، وعليه فلو أورد أحد من
غير الشيعة إشكالاً على تلك الأقوال الفاسدة ، فإننا
لا ننكر عليه ذلك ، بل نقول له إنّ الشيعة أنفسهم ردوا
ذلك وحكموا عليه بالفساد ، فلا يصح حينئذ أنْ ينسب ذلك
إلى الشيعة ، كما أنّ بعض الاعتراضات الواردة على حتى
بعض الأقوال غير الشاذة التي لم يجمع عليها الفقهاء قد
يكون بعض فقهاء الشيعة لم يقبلوها ، كما هو الشأن في
كثير من المسائل التي هي محل بحث واجتهاد عند سائر
المذاهب ، وقد لا تكون هي الصحيح من المذهب وحينئذ
فالإشكال عليها لو فرضنا أنه إشكال تام وكذا لو فرضنا
أنّ ما ذكر غير تام ، لكن القول بها في نفسه غير صحيح
لثبوت إشكالات أخرى عليها لم تذكر ، فإنّ ذلك يقتضي
الرد على ذلك القول ، وليس فيه أدنى اقتضاء يؤدي إلى
نقض المذهب أو نقصه ، كما أنّ الاعتراض على بعض مسائل
المذهب السني كذلك .
وأقول للمنصف الذي يبحث عن الحقيقة ، لا للمتعصب الذي
لا يستوعب لغة الدليل والموضوعية ، أنه لو اتبعنا
قواعد البحث والدقة العلمية لتخلصنا من كثير من
المهاترات والعصبيات ، ومن الأساليب التي لا تتناسب مع
كرامة الإنسان .