246 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

الفصل التاسع
تاريخ الصراع بين الأحناف والمذهب السني

من الأمور التي يتضح من خلالها الواقع العقائدي داخل المذهب السني نفسه الخلاف التاريخي العميق بين كبار أئمة السنة وأبي حنيفة وأتباعه ، فقد ذكر ابن عدي وابن حبان كما نقلنا ذلك عنهما في المبحث الأول أنّ الوقيعة في أبي حنيفة إجماع من العلماء والفقهاء في جميع الآفاق وقد طعن عليه الواحد بعد الآخر ، وقد تقدم في المبحث الأول أيضاً أنّ الإمام مالك اعتبره من المتآمرين على الدين ، وأنه قام بوضع المكيدة للدين نفسه ، وقد اعتبره الإمام مالك أيضاً : الهلاك في الدين والداء العضال .

وكان عبد الله بن إدريس الفقيه السني الكبير يقول : كان أبو حنيفة ضالاً مضلاً ، وأبو يوسف فاسقاً من الفاسقين .

وكان سفيان بن عيينة يقول : يهدم الإسلام عروة عروة ، وما ولد في الإسلام أشر منه ، وكان الإمام الأوزاعي يقول : ما ولد في الإسلام مولد أشر من أبي حنيفة وأبي مسلم .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبـل : سألت أبي عن أسـد بن عمـرو وأبي يوسف ؟ فقـال : أصحاب أبي حنيفـة ، لا ينبغي أن يُـروي عنهم .

وهذه الكلمات كلها تقدمت في المبحث الأول ، فليراجع ، ونقل العقيلي تضعيف أحمد بن حنبل له بواسطة ابنه حيث يقول : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : سمعـت أبي يقول : حديث أبي حنيفـة ضعيف ، ورأيه ضعيف . (1)

 

(1) كتاب الضعفاء الكبير ج4 ص 285 رقم 1876 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 247

ويقول الشيخ عبد الفتاّح أبو غدة في تعليقه على كتاب قواعد علوم الحديث للتهانوي العثماني الحنفي : وقد عرّض البخاري في صحيحه بأبي حنيفة في نحو > 18 < موضعاً . (1)

وقال أيضاً : وقد ردّ طائفة من المحدثين الحنفية في المسائل التي عرّض فيها بأبي حنيفة بمؤلفات مستقلة ، واستوفى الرد فيها أيضاً الإمام البدر العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، وللعلامة عبد الغني الميداني الدمشقي صاحب اللباب : كشف الالتباس عما أورده البخاري على بعض الناس ، جيدٌ للغاية ، فتحامله على أبي حنيفة ثابت لا ريب فيه ، ولكن ما سببه ؟! . (2)

وذكره الحافظ ابن الجوزي في كتابـه الضعفاء والمتروكين (3) ، ونقـل أقوال العلماء بذمه ، وهكذا فعل الحافظ أبو جعفر العقيلي المكي في كتابه الضعفاء الكبير (4) ، وعده النسائي أيضاً في الضعفاء والمتروكين ، وقال عنه : ليس بالقوي في الحديث (5) ، وقال عنه الإمام مسلم

 

(1) قواعد علوم الحديث ص 381 راجع الهامش ، ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية / حلب – بيروت ، وتم الطبع بشركة العبيكان بالرياض سنة 1404هـ - 1984م .
(2) قواعد علوم الحديث ص 381 راجع الهامش .
(3) كتاب الضعفاء والمتروكين ج3 ص 163 رقم 3539 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1406هـ .
(4) كتاب الضعفاء الكبير ج4 ص 268 رقم 1876 ط. دار الكتب العلمية / بيروت .
(5) المجموع في الضعفاء والمتروكين الشامل لثلاثة كتب منها كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 226 رقم 586 ط. دار القلم / بيروت سنة 1405هـ .

 
 

248 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

صاحب الصحيح : صاحب الرأي ، مضطرب الحديث . (1)

وعده في الضعفاء أيضاً الحافظ أبو نعيم الاصفهاني في كتابه الضعفاء وقال عنه : قال بخلق القرآن واستتيب من كلامه مرة ، كثير الخطأ والأوهام (2) .

وقال الجوزجاني في أحوال الرجال : أبو حنيفة ، لا يُقنع بحديثه ولا برأيه (3) .

وقال فيه الدار قطني : ضعيف (4) ، وعده في الضعفاء أيضاً وطعن فيه البخاري في الضعفاء والمتروكين (5) .

وقال البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة أبي يوسف القاضي الذي كان من أهم أعمدة الفقه الحنفي : سمع الشيباني ، وصاحبه أبو حنيفة تركوه (6) .

وقال الزيلعي في نصب الراية : ... فالبخاري رحمه الله مع شدة تعصبه وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة

 

(1) الكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج صاحب الصحيح ج1 ص 276 رقم 963 ط. الجامعة الإسلامية / المدينة المنورة سنة 1404هـ .
(2) كتاب الضعفاء لأبي نعيم الإصبهاني ص 154 رقم 255 .
(3) أحوال الرجال ص 75 رقم 95 .
(4) سنن الدارقطني ج1 ص 323 .
(5) الإنتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء للحافظ ابن عبد البر الأندلسي ص 278 ط.مكتب المطبوهات الإسلامية بحلب سنة1417هـ .
(6) التاريخ الكبير ج8 ص 397 رقم 3463 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 249

لم يودع صحيحه منها حديثاً واحداً ... (1) إلى أنْ قال : والبخاري كثير التتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة ، فيذكر الحديث ، ثم يعرّض بذكره ، فيقول : قال رسول الله (ص) كذا وكذا وقال بعض الناس كذا وكذا ، يشير ببعض الناس إليه ، ويشنع لمخالفة الحديث عليه إلى أن قال : وهـو يقول في كتابه : باب الصلاة من الإيمان ، ثم يسوق أحـاديث البـاب ، ويقصـد الـرد على أبي حنيفة (2) .

وقـال فيه ابن سعد : كان ضعيفاً في الحديث (3) .
وذكره ابن الجارود صاحب كتاب المنتقى في كتابه الضعفاء والمتروكين وقال : جل حديثـه وهم ، وقـد اختلف في إسـلامه (4) .

وقال الذهبي في كتاب المغني في الضعفاء (5) : إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت ، ثم قال : قال ابن عدي : ثلاثتهم ضعفاء . (6)

 

(1) نصب الراية ج1 ص 355 ط. دار الحديث – المركز الإسلامي للطباعة والنشر / القاهرة
(2) نصب الراية ج1 ص 356 .
(3) الطبقات الكبرى ج6 ص 256 .
(4) الإنتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص 287 .
(5) المغني في الضعفاء ص 80 رقم 648 .
(6) المغني في الضعفاء ص 80 رقم 648 .

 
 

250 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

وقال ابن حزم في الإحكام رداً على الأحناف (1) : وأما الحنفيون ، فقد طردوا أصلهم ههنا ، لأن صاحبهم أقل الحديث ولم يطلبه بكثرة خطئه وقلـةحديثه وحسبنا الله ونعم الوكيل . (2)

وهكذا فعل كبار فقهاء السنة بالنسبة لكبار أركان المذهب الحنفي كأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم ، فقد قال البرقاني في سؤالاته للدارقطني (3) : سألته عن محمـد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ؟ فقال : قال يحيى بـن معين كـذّاب ، وقـال فيـه أحمـد يعني ابن حنبل نحو هذا .

وذكر ابن الجوزي محمد بن الحسن الشيباني في الضعفاء والمتروكين وقال : قال أحمد [ والمقصود به الإمام أحمد بن حنبل ] : ليس بشيء ولا يكتب حديثه ، وقال مرة : كذّاب ، وقال يحيى : ليس بشيء ، وقال النسائي : ضعيف الحديث . (4)

وقال ابن حزم معللا طعنه في حديث رواه محمد بن الحسن الشيباني : قيل لعبد الله بن المبارك :

 

(1) الإحكام في أصول الأحكام ج2 ص 258 ط. دار الحديث / القاهرة سنة 1404 هـ .
(2) الإحكام في أصول الأحكام ج2 ص 258 ط. دار الحديث / القاهرة سنة 1404 هـ .
(3) سؤالات البرقاني للدارقطني ص 63 رقم 468 .
(4) كتاب الضعفاء والمتروكين ج3 ص 50 رقم 2939 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 251

من افقه أبو يوسف أو محمد بن الحسن ؟ فقال : قل : أيهما أكذب . (1)
كلام ابن عون وسليمان بن حرب قال الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، قال : قال ابن عون : نبئت أنّ فيكم صدادين يصدون عن سبيل الله ، قال سليمان بن حرب : وأبو حنيفة وأصحابه ممن يصدون عن سبيل الله . (2)

سند الكلام المتقدم
والأشخاص المذكورون هم :
1- سليمان بن حرب الأزدي الواشحي ، قاضي مكة ، قال فيه ابن حجر : ثقة إمام ، حافظ . (3) ، وقال الذهبي : الإمام ، الثقة ، الحافظ ، شيخ الإسلام (4) ، وقال فيه أبو حاتم : إمام من الأئمة ، كان لا يدلس ، ويتكلم في الرجال وفي الفقه ، وقال عنـه أيضاً : كـان سليمـان بـن حـرب قل

 

(1) المحلى ج8 ص 179 ط1 .
(2) المعرفة والتاريخ ج3 ص 96 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1419هـ ، وراجـع أيضاً : تاريخ بغداد ج13 ص 420 .
(3) تقريب التهذيب ص 250 رقم 2545 .
(4) سير أعلام النبلاء ج10 ص 330 .

 
 

252 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

من يرضى من المشايخ ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة . (1)

2- حماد بن زيد ، بن درهم الجهضمي البصري ، قال فيه ابن حجر : ثقة ، ثبت ، فقيـه (2) ، وقـال الذهبي : العلاّمـة ، الثبت ، الحافـظ ، محـدث الوقت (3) ، وقال عبد الرحمن بن مهدي (4) : أئمة الناس في زمانهم أربعة : سفيان الثوري بالكوفة ، ومالك بالحجاز ، والأوزاعي بالشام ، وحماد بن زيد بالبصرة ، وقال أحمد بن حنبل : حماد بن زيد من أئمة المسلمين من أهل الـدين ، وقـال عبـد الرحـمن بن مهـدي أيضاً : لم أر قـط أعلم بالسنـة ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد .

3- عبد الله بن عون بن أرطبان البصري ، قال فيه ابن حجر : ثقة ، ثبت ، فاضل ، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن . (5) وقال الذهبي : الإمام القدوة ، عالم البصرة (6) ، وقال أيضاً : وكان من أئمة العلم والعمل وقال ابن سعد : كان ابن عون ثقة ، كثير الحديث ، ورعاً عثمانياً ،

 

(1) سير أعلام النبلاء ج10 ص 331 ، 332 .
(2) تقريب التهذيب ص 178 رقم 1498 .
(3) سير أعلام النبلاء ج7 ص 456 .

(4) سير أعلام النبلاء ج7 ص 458 .
(5) تقريب التهذيب ص 317 رقم 3520 .
(6) سير أعلام النبلاء ج6 ص 364 .
 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 253

وقال عبد الرحمن بن مهـدي : ما كـان بالعـراق أعلـم بالسنة من ابن عون .(1)

أبوحنيفة لم يكن من السنة حسب ما تفيده
مصادر السنة بل كان من المرجئة

صرح عدة من كبار فقهاء السنة ومحدثيهم المعتمدين أنّ أبا حنيفة كان من المرجئة ، والمرجئة عند السنة من الفرق المبتدعة التي لم تتبع السنة ، وممن اتهمه بذلك الحافظ ابن حبان حيث قال : ومن جهة أخرى لا يجوز الاحتجاج بخبره ، لأنه كان داعياً للإرجاء ، والداعية إلى البدع لا يجوز أن يُحتج به عند أئمتنا قاطبة ، لا أعلم بينهم خلافاً على أنّ أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار وسائر الأقطـار جرحـوه ، وأطلقوا عليـه القدح ، إلا الواحد بعـد الواحد . (2)

ونسبه إلى الإرجاء الإمام أبو الحسن الأشعري وغيرهم ، أما تهمة الحافظ ابن حبان بأنه مرجئي وداعية إلى البدعة , وأنه لهذا السبب لا يجوز الاحتجاج بحديثه فقد تقدم في المبحث الأول وقد ذكره في كتابه المجروحين ، وأما كلام الإمام أبي الحسن الأشعري فقد ذكره في كتابه مقالات الإسلاميين ، حيث قال : والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة

 

(1) سير أعلام النبلاء ج6 ص 365 .

(2) كتاب المجروحين ج3 ص 63 ، 64 .  
 

254 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

وأصحابه يزعمون أنّ الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله ، والمعرفة بالرسول ، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير ، وذكر أبو عثمان الآدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبي عثمان الشمزي بمكة ، فسأله عمر فقـال له : أخبرني عمن يزعم أنّ الله سبحانه حرم أكل الخنزير ، غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين ؟ فقال : مؤمن ، فقال له عمر : فإنه قد زعم أنّ الله قد فرض الحج إلى الكعبة ، غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا ؟ فقال : مؤمن ، قال : فإنْ قال : أعلم أنّ الله قد بعث محمداً وأنه رسول الله (ص) ، غير أنه لا يدري لعله هـو الزنجي ؟ قال : هو مؤمن . (1)

دفاع أبي الفتح الشهرستاني عن تهمة الإرجاء

حاول أبو الفتح الشهرستاني توجيه هذه التهمة بما لا يخرج أبا حنيفة عن نطاق التسنن حسب اصطلاحهم ، ولا يدخله في الفرق المبتدعة ، حيث قال : ومن العجيب أنّ غسان كان يحكي عن أبي حنيفة رحمه مثل مذهبه ، ويعده من المرجئة ، ولعله كذب كذلك عليه ، ولعمري كان يُقال لأبي حنيفة وأصحابه

 

(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص221 ط. المكتبة العصرية / صيدا- بيروت سنة 1411هـ .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 255

مرجئة السنة ، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول الإيمان هو التصديق بالقلب ، وهو لا يزيد ولا ينقص ، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان ، والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل ؟ ، وله سبب آخر ، وهو أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول ، والمعتزلة يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئاً ، وكذلك الوعيدية من الخوارج ، فلا يبعد أنّ اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج ، والله أعلم . (1)

وقد تابع الشهرستاني على هذا التوجيه أبو الحسنات اللكنوي (2) وهو مـن علماء الأحنـاف ، ونقـل بعض أقـوال علماء الأحنـاف التي تدعي إنّ نسبة الإرجاء إنما لحقت بأبي حنيفة من جهة المعتزلة .

مناقشة ما ذكره الشهرستاني

ويمكن الجواب على ما ذكره الشهرستاني وغيره بأمور منها :
الأول : أنّ الذين نسبوا من كبار أئمة السنة وعلمائهم إلى أبي حنيفة القول

 

(1) الملل والنحل ص 61 ط. مؤسسة ناصر للثقافة / بيروت سنة 1981م .
(2) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص 360 ط. مكتب المطبوعات ألإسلامية بحلب سنة 1407 هـ .

 
 

256 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

بالإرجاء إما صرحوا بكونه يقول بالإرجاء بمعناه البدعي كما تقدم عن ابن حبان وأبي الحسن الأشعري إمام المذهب الأشعري ، وإما نسبوا إليه الإرجاء في مقام الطعن والجرح مما يقتضي كونه كذلك ، وما ذكره الشهرستاني من القول بتسميتهم بمرجئة السنة قول لا عين له ولا أثر في كلمات المحدثين وأئمة الجرح والتعديل على كثرتها ، وهو ما يدل على كونه محض دعوى ذكرها ليجد مخلصاً لهذه المشكلة .

وليتضح ما ذكرناه أيضاً نذكر شواهد أخرى غير الذي قدمناها للتدليل على أنّ أبا حنيفة نسب إليه أئمة السنة القول بالإرجاء بمعناه السائد البدعي :
1- قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة : حدثني أبو الفضل الخراساني ، حدثني إبراهيم بن شماس السمرقندي ، قال :قال رجل لابن المبارك ونحن عنده ، إنّ أبا حنيفة كان مرجئاً يرى السيف ، فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك . (1)

سند الخبر المذكور
رواة هذا الحديث الذين نقل عنهم عبد الله بن أحمد بن حنبل هم :

 

(1) كتاب السنة ج1 ص 181 ، 182 رقم 233 ط.رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 257

أ- حاتم بن الليث الجوهري ، أبو الفضل الخراساني، قال عنـه ابن مخلّد : وكـان ثقـة ثبتاً متقناً حافظاً ، وذكـره ابن حبان في الثقـات ، وقـال الذهـبي : الحافظ ، المكثر ، الثقة . (1)

ب- إبراهيم بـن شمـاس الغـازي ، أبو إسحاق السمرقنـدي ، قال فيـه ابن حجر : ثقة (2) ، وقال أحمد بن سيار المروزي : كان صاحب سنة وجماعة ، ورأيت إسحاق بن إبراهيم ، يعني ابن راهويه يُعظّم من أمره ، ويحرّضنا على الكتابة عنه (3)

2- قال عبد الله بن أحمد أيضاً : حدثني أبو الفضل الخراساني ، حدثنا الحسن بن موسى الأشيب ، قال سمعت أبا يوسف يقول : كان أبو حنيفة مرجئاً يرى السيف ، قلت : فأنت ؟ قال : معاذ الله . (4)

سند الخبر المذكور
ورواة الخبر الذيـن نقـل عنهـم عبـد الله بـن أحمـد مضافاً لأبي الفضل الخراساني الذي تقدم الكلام عنه في الإسناد السابق الحسن بن موسى الأشيب ، أبو علي البغدادي ، قاضي الموصل ،

 

(1) تعجيل المنفعة لابن حجر العسقلاني ص 75 ط. دار الكتاب العربي / بيروت ، سير أعلام النبلاء ج12 ص 519 .
(2) تقريب التهذيب ص 90 رقم 185 .
(3) تهذيب الكمال ج2 ص 106 رقم 182 .
(4) كتاب السنة ج1 ص 182 رقم 234 .

 
 

258 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

قال فيه بن حجر : ثقة (1) ، وقال الذهبي : الإمام ، الفقيه ، الحافظ ، الثقة . (2) ، وأبو يوسف هو صاحب أبي حنيفة المعروف ، وهو أحد أركان المذهب الحنفي .

3- قال عبد الله بن أحمد أيضاً : حدثني أبو الفضل الخراساني ، حدثنا سلمـة بن شبيب ، حـدثنا الفريابي ، سمعت سفيان الثوري يقول : إستتب أبو
حنيفة من كلام الزنادقة مراراً . (3)
سند الخبر المذكور
ورواة السند الذين نقل عنهم عبد الله بن أحمد بن حنبل مضافاً لأبي الفضل الخراساني الذي تقدم الكلام عنه :
أ- سلمة بن شبيب المسمعي ، قال عنه ابن حجر : ثقة (4) ، وقال عنه الذهبي : الإمام ، الحافظ ، الثقة . (5)

ب- محمد بن يوسف بن واقد الضبي ، الفريابي ، قال عنـه ابن حـجر : ثقة فاضل ، يقال : أخطأ في شيء من حديث سفيان ، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم

 

(1) تقريب التهذيب ص 164 رقم 1288 .
(2) سير أعلام النبلاء ج9 ص 559 .
(3) كتاب السنة ج1 ص 193 رقم 268 .

(4) تقريب التهذيب ص 247 رقم 2494 .
(5) سير أعلام النبلاء ج12 ص 256 .
 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 259

على عبد الرزاق (1) ، وقال الذهبي : الإمام الحافظ شيخ الإسلام . (2)

4- قال الحافظ ابن الجـوزي في المنتظـم : لا يختـلف الناس في فهـم أبي حنيفة وفقه ، إلى أنْ قال (3) :وبعد هذا فاتفق الكل على الطعن فيه ، ثم انقسموا على ثلاثة أقسام : فقوم طعنوا فيه لما يرجع إلى العقائد والكلام في الأصـول ، وقـوم طعنوا في روايته وقلـة حفظـه وضبطـه ، وقـوم طعنـوا فيه لقوله بالرأي فيما يُخالف الأحاديث الصحاح .

وقال أبو بكر الخطيب : وقد سقنا عن أيوب السختياني ، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم من الأئمة أخباراً كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة والمدح له ، والثناء عليه ، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورون منهم خلاف ذلك ، وكـلامهم فيـه كثير ، لأمـور شنيعـة حفظت عليـه ، متعلـق بعضها بأصول الديانات ، وبعضها بالفروع . (4)

 

(1) تقريب التهذيب ص 515 رقم 6415 .
(2) سير أعلام النبلاء ج10 ص 114 .

(3) المنتظم ج8 ص 131 رقم 805 ، وفيات سنة ( 150هـ) .
(4) تاريخ بغداد ج13 ص 369 ، 370 .
 
 

260 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

5- يقول الخطيب في تاريخه : أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن هشان بن عروة ، عن أبيه قال : لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى ظهر فيهم المولدون ، أبناء سبايا الأمم ، فقالوا فيهم بالرأي ، فضلوا وأضلوا ، قال : سفيان : لم يزل أمر الناس معتدلاً حتى غيّر ذلك أبو حنيفة بالكوفة ، وعثمان البتي بالبصرة ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن بالمدينة ، فنظرنا ، فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم . (1)

سند الخبر المذكور
رواة الخبر المذكور الذين نقل عنهم أبو بكر الخطيب هم :
1- الحافـظ أبـو نعيم أحمـد بن عبـد الله بن أحمـد الإصبهاني ، من علماء السنة المعروفين ، قال فيه الذهبي : الإمام الحافظ ، الثقة ، العلاّمة ، شيخ الإسلام . (2)

وقال أيضاً : كان حافظاً ، مبرزاً ، عالي الإسناد ، تفرد في الدنيا بشيء كثير من العوالي ، وهاجر إلى لقيه الحفّاظ . (3)

 

(1) تاريخ بغداد ج13 ص 415 .

(2) سير أعلام النبلاء ج17 ص 454 . (3) سير أعلام النبلاء ج17 ص 458 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 261

2- محمـد بـن أحمـد بـن الحسـن ، أبـو علي البغـدادي المعـروف بابـن الصواف قال فيه الذهبي : الشيخ الإمام المحدث الثقة الحجة . (1)

3- بشر بن موسى الأسدي ، أبو علي البغدادي ، قال السيوطي : المحدث ، الإمام ، الثبت . (2) ، ومثل ذلك قال الذهبي في تذكرة الحافظ . (3) وقال أبو بكر الخلال : كان أحمد بن حنبل يكرمه وكتب له إلى الحميدي إلى مكة وقال الدارقطني : ثقة نبيل . (4)

4- عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي ، الأسدي ، المكي ، أبو بكر الحميدي ، أحد أئمة السنة المعروفين ، قال فيـه الذهبي : الإمام الحافـظ الفقيه ، شيخ الحـرم . (5)

وقال أحمد بن حنبل : الحُميدي عندنا إمام ، وقال أبو حاتم : أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي ، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة ، وهو ثقة إمام ، وقال يعقوب الفسوي : حدثنا الحميدي ، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه . (6)

 

(1) سير أعلام النبلاء 16 ص 184 .
(2) طبقات الحفاظ للسيوطي ص 274 رقم 619 .
(3) تذكرة الحفاظ ج2 ص 611 رقم 636 .

(4) تذكرة الحفاظ ج2 ص 611 رقم 636 .
(5) سير أعلام النبلاء ج10 ص 616 .
(6) سير أعلام النبلاء ج10 ص 617 .
 
 

262 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

وقال ابن حجر : ثقة ، حافظ ، فيه ، أجل أصحاب ابن عيينة . (1)

6- قال عبد الله بن حنبل في كتاب السنة : حدثني أبو الفضل ، حدثنا إبراهيم بن شماس ، حدثنا عبد الرحمن المقريء قال : كان والله أبو حنيفة مرجئاً ، ودعاني إلى الإرجاء فأبيت عليه . (2)
سند الخبر المذكور
والرجال المذكورون في الخبر المتقدم هم :
أ- حاتم بن الليث الجوهري ، أبو الفضل الخراساني ، وهو من الثقات المعتمدين عندهم ، وقد تقدم الكلام عنه .

ب- إبراهيم بن شماس الغازي ، أبو إسحاق السمرقندي ، وهو أيضاً من الثقات المعتمدين عندهم وقد تقدم الكلام عنه .

ج- عبد الله بن يزيد المكي ، أبو عبد الرحمن المقريء ، قال فيـه ابـن حجر : ثقة ، فاضل ، أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنة . (3)

7- قال أبو زرعة الرازي : كان أبو حنيفة جهميا وكان محمد بن الحسن جهميا وكان أبو يوسف جهميا بين التجهم . (4)

 

(1) تقريب التهذيب ص 303 رقم 3319 .
(2) كتاب السنة ج1 ص 223 رقم 386 .
(3) تقريب التهذيب ص 330 رقم 3715 .
(4) الضعفاء وأجوبة الرازي على سؤالات البرذعي ص 570 ، تاريخ بغداد ج2 ص 179.

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 263

وهذه الأقوال وغيرهما مما لم نذكرها ، كلها وردت في مقام الرد ، والتي تتهمه تارة بالإرجاء من باب الذم ، وأخرى بأنه أستتيب من كلمات الزنادقة ، وفي بعضها من الكفر ، وثالثة بأنه من الجهمية الذين تتفق كتبهم على الحكم بكفرهم ، كما نقلوا بالسند الصحيح عندهم عن أبي يوسف القاضي الذي هو أحد أعمدة الفقه الحنفي البراءة من الإرجاء الذي يقول به أبو حنيفة ، وهذا غير التعبير عنه بأنه كاد الدين وأنه كان شيطاناً استقبل آثار رسول الله (ص) يردها برأيه إلى غير ذلك من التعبيرات التي تقدمت والتي ثبتت عن قائليها من كبار أئمة السنة كأبي زرعة ومالك بن أنس وسليمان بن حرب والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وبعد هذا كيف يمكن القول بأنهم لم يكونوا يقصـدون الذم ، وأنه كانـوا يرونـه على طريقتهم ؟؟!! .

ونتيجة وضوح ذلك قال المعلمي اليماني وهو من علمـاء السلف والحنابلة المعروفين : اشتهر عن أبي حنيفة أنه كان يقول : ليس العمل من الإيمان ، والإيمان لا يزيد ولا ينقص (1) .

 

(1) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ج2 ص 363 ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ط. مكتبة المعارف / الرياض 1406هـ .

 
 

264 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

وروى الخطيب عن جماعة من أهل السنة إنكارهم على أبي حنيفة ذلك ، ونسبته إلى الإرجاء ، فتكلم الكوثري في تلك الروايات ، وحاول التشنيع على أولئك الأئمة ، وأسرف وغالط على عادته ...
وقال : ... ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم : الإيمان لا يزيد ولا ينقص والأعمال ليست من الإيمان .
إلى أنْ قال : وهذا القول كان أبو حنيفة يقوله ، لكن يقول الكوثـري أنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم ، وهو أنه لا يضر مع الإيمـان عمل ... الخ . (1)

الثاني : أنّ نسبة اتهام المعتزلة ومخالفتهم له في غاية الغرابة ونهاية المجانبة للإنصاف لاسيما بعد ملاحظة أنّ غالبية المعتزلة قديما وحديثاً كانوا من الأحناف ، وكانوا أقرب لمدرسة الرأي من مدرسة الحديث ، وكانوا رموز القول بخلق القرآن ، وتهمة أبي حنيفة في كلمات أئمة السنة المتقدمين وتهمة أصحابه بالجهمية والقول بخلق القرآن التي وردت بطرق كثيرة تؤكد أنه كان أقرب إلى المعتزلة من السنة .

 

(1) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ج2 ص 364.

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 265

ونتيجة الاختلاف تجد أنّ السنة عادة في كتبهم لا يذكرون علماء الأحناف إلا قليلاً ، وفي كثير من الأوقات إذا ذكروهم ذكروهم بالذم ، كما هو الحال بالنسبة للخطيب في تاريخه وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال وابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين وفي المنتظم والعقيلي في الضعفاء الكبير وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة وأبي زرعة في تاريخه وأبي نعيم الإصبهاني في الضعفاء وأبي إسحاق الجوزجاني في أحوال الرواة والدارقطني في السنن وابن حبان في المجروحين والنسائي في الضعفاء والبخاري في التاريخ الكبير وغير ذلك من الكتب التي لم نذكرها ، وقد استمر الذم إلى القرن الثامن الهجري ، وكاد يتقلص عبر القرون المتمادية بالتدريج .

يقول القاسمي في بيان بعض جوانب الجفوة مع الأحناف ومدرسة الرأي : وقد تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي ، فلا تكاد تجد إسماً لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن ، كالإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن ، فقد لينهما أهل الحديث ، كما ترى في ميزان الاعتدال ، ولعمري لم ينصفوهما ، وهما البحران الزاخران ، وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما ، بل بتقدمهما على كثير من الحفاظ ...

266 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

إلى أنْ قال : ولقد وجد لبعض المحدثين تراجم لأئمة أهل الرأي يخجل المرء من قراءتها ، فضلاً عن تدوينها ، وما السبب إلا تخالف المشرب .
ولولا خوف الإطالة لدخلنا في تفاصيل كثيرة غير متوقعة سواء في أصول العقيدة أو الفقه أو غير ذلك .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب