الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
289
الأمر الثالث
موقف علماء السنة من شطحات الصوفية
لاشك أنّ بعض الصوفية لديهم جملة من الشطحات التي أنكر
عليهم فيها علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، ولكـن
الشطحات تنقسم إلى قسمين :
الأول : ما كان الحكم عليه بكونها من الشطح من الأمور
الضرورية الثابتة والتي لا مجال فيها للإجتهاد ، وهذا
القسم يكاد لا يحصل الإختلاف فيه ، ومن السهولة أنْ
تصنف تلك الشطحات في الأقوال الشاذة عن إجماع المسلمين
، وأنها خارج عما هو المعلوم من الدين بالضرورة ،
وأنها بينة البطلان وواضحة الفساد .
290
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الثاني : ما كانت محل بحث واجتهاد ، حتى ادعى فيها
البعض أنها إنما عدت في الشطح من قبل بعض الفقهاء أو
المحدثين أو غيرهم بسبب عدم استيعابها على حقيقتها ،
وأنها لدقتها لم تفهم على الوجه الصحيح ، وأنّ المراد
غير ما قد يفهم من ظاهرها ، ومن أبرز من اتهم بالشطح
واختلفت الأقوال فيه أشد الإختلاف محي الدين بن العربي
الذي اختلفت فيه الأقوال أشد الإختلاف سواء في كتب
السنة أو الشيعة ، فقد دافع عنه جماعة من السنة أشد
الدفاع واعتبروه من الأولياء الصالحين ومن كبار
العارفين ، وفي المقابل ذمه جماعة منهم واعتبروه من
المبتدعين المنحرفين إنْ لم يكونوا حكموا عليه بالكفر
والضلال ، كما هو حاصل عندهم فيما بينهم من الحكم
بالكفر من بعض أهل الفرق على غيرهم من الفرق التي
تختلف معهم في بعض الأمور وتشترك معهم في الانتماء إلى
المذهب السني كما أوضحنا ذلك فيما تقدم ، وممن ذم محي
الدين ابن العربي ابن تيمية ، حيث قال في سياق كلامه
عن الأرواح التي تخاطب الناس ، وأنها فيها الأرواح
الشيطانية : ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا
مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، كما
يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص ، وأشباه
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
291
ذلك يمدح الكفار ، مثل قوم نوح وهو وفرعون وغيرهم ،
وينتقص الأنبياء ، كنوح وإبراهيم وموسى وهارون ويذم
شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد
، وسهل بن عبد الله التستري ، ويمدح المذمومين عند
المسلمين ، كالحلاّج ونحوه ، كما ذكر في تجلياته
الخيالية الشيطانية ، فإنّ الجنيد قدس الله روحه كان
من أئمة الهدى ... الخ . (1)
وعبارة ابن تيمية هذه فيها الكثير من الخلط والتوهم ،
فإنّ ما نقله عن ابن العربي من ذمه للجنيد والتستري في
غير محله ، فابن العربي في كتبه يثني عليهما غاية
الثناء ويعتبرهم من أئمة التصوف الكبار ، وقد أكثر من
الاستشهاد بهم والتنبيه على فضلهم ومكانتهم ، ومن تلك
العبارات التي يمتدح فيها الجنيد والتستري قوله في
الفتوحات المكية :
وطائفة أخرى من علماء هذه الأمة يحفظون عليها أحوال
الرسـول صلى الله
عليه (وآله) وسلم وأسرار علومه كعلي (ع) وابن عباس
وسلمان وأبي هريرة وحذيفة ، ومن التابعين كالحسن
البصري . (2)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 239 .
(2) الفتوحات المكية ج2 ص 361 فقرة 565 ط. الهيئة
المصرية العامة للكتاب سنة 1392هـ - 1972 م ، وراجع
أيضاً : شرح كلمات الصوفية والرد على ابن تيمية لمحمود
الغراب ص 14 ط2 ، وقد جمع الشواهد الكثيرة للرد على
ابن تيمية وبين أنّ ما ذكره بشأن ذم ابن العربي
للمذكورين مجرد وهم لا أساس له من الصحة .
292
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
إلى أنْ قال : ومن نزل عنهم كالجنيد والتستري ، ومن
جرى مجرى هؤلاء السادة في حفظ الحال النبوي والعلم
اللدني .
وممن ذم منهج ابن العربي الحافظ الذهبي ، حيث ذهب أنّ
كتابه الفصوص كان في منتهى الإنحراف حيث يقول : ومن
أرادإ تواليفه كتاب الفصوص ، فإنْ كان لا كفر فيه ،
فما في الدنيا كفر . (1)
وقال أيضاً : وله شعر رائق وعلم واسع وذهن وقاد ، ولا
ريب أنّ كثيراً من عباراته له تأويل إلا كتاب الفصوص .
(2)
ويقول في تاريخ الإسلام (3) : ولابن العربي توسع في
الكلام ، وذكاء ، وقوة حافظة ، وتدقيق في التصوف ، وتواليف جمة في العرفان ، ولولا شطحات في كلامه وشعره
لكان كلمة إجماع ، ولعل ذلك وقع في حال سكره
وغيبته فنرجوا له الخير .
والكلمات في ذمه وذم مسلكه كثيرة ، وفي المقابل مدحه
وأطراه عدد كبير من كبار
(1) سير أعلام النبلاء ج23 ص 48 .
(2) سير أعلام النبلاء ج23 ص 49 .
(3) تاريخ الإسلام ص358 رقم 549 الطبقة الرابعة
والستون من عام 631 – إلى 640هـ ط. مؤسسة الرسالة /
بيروت سنة 1408 هـ - 1988م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
293
علماء السنة المعتمدين لديهم
، قال فيه الحافظ ابن النجار : وصنف كتباً في علم
التصوف ، وفي أخبار المشايخ ، وكان ورعاً زاهداً . (1)
وعبر عنه المنذري بـ > الشيخ الأجل < (2) ، وممن دافع
عن محي الدين بن العربي الحافظ جلال الدين السيوطي حيث
صنف كتاباً مستقلاً في الدفاع عنـه سماه : > تنبيه
الغبي بتبرئة ابن عربي < (3) ، وقد نقل عنه ابن العماد
الحنبلي بعض المقاطع التي يشرح فيها أسباب خطأ فهم
علماء الظاهر حسب اصطـلاحـه لكـلام ابن العـربي وأنهم
لم يستوعبوها على حقيقتها . (4)
ومع أنّ السيوطي دافع وبقوة عن ابن العربي ، ولكنه حكم
بتحريم النظر إلى كتبه بسبب اعتقاده أنّ ما في كتبه من
الأسرار غير قابلة للفهم لدى الكثيرين ، يقول السيوطي
: والقول الفيصل في ابن العربي اعتقاد ولايته ، وتحريم
النظر في كتبه ، فقد نقل عنه أنه قال : نحن قوم يحرم
النظر في كتبنا قال السيوطي : وذلك لأنّ الصوفية
تواضعوا
(1) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص 28 رقم 21 ط. دار
الكتب العلمية / بيروت .
(2) التكملة لوفيات النقلة ج3 ص 555 رقم 2972 ط. مؤسسة
الرسالة / بيروت سنة 1401 هـ - 1981م .
(3) ذكره ونقل منه ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب
ج5 ص 191 ، وفيات سنة 638هـ.
(4) شذرات الذهب ج5 ص 191 .
294
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
على ألفاظ اصطلحوا عليها وأرادوا منها معان
غير المعاني المتعارفة منها ، فمن حمل ألفاظهم على
معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفر ، نص على
ذلك الغزالي في بعض كتبه ، وقال : إنه شبيه بالمتشابه
من القرآن والسنة من حمله على ظاهره كفر ، قال السيوطي
بعد ذلك : وقد سأل بعض أكابر العلماء بعض الصوفية في
عصره ما حملكم على أنْ اصطلحتم على هذه الألفاظ التي
يستشنع ظاهرها ؟ فقال : غيرة على طريقنا هذا أنْ يدعيه
من لا يحسنه ويدخل فيه من ليس أهله إلى أنْ قال : وليس
من طريق القوم إقــراء المريـديـن كتـب التصـوف ، ولا
يـؤخـذ هــذا العلـم مـن الكتب ... الخ . (1)
ومن المدافعين بقوة عن ابن العربي الفقيه عبد الوهاب
الشعراني ، الذي قال فيه ابن العماد الحنبلي : شيخنا
الإمام العامل العابد الزاهد ، الفقيه المحدث ،
الأصولي ، الصوفي ، المربي ... (2)
إلى أنْ قال : بل هو فقيه النظر ، صوفي الخبر ، له
دربة بأقوال السلف ، ومذاهب الخلف ، وكان ينهى عن الحط
على الفلاسفة
(1) شذرات الذهب ج5 ص 191 .
(2) شذرات الذهب ج8 ص 372 وفيات سنة 973هـ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
295
وتنقيصهم ، وينفر ممن يذمهم ، ويقول
هؤلاء عقلاء ... الخ . (1)
وقد صنف الشعراني كتاب اليواقيت والجواهر في بيان
عقائد الأكابر شرح فيه عقيدة ابن العربي ومنهجه ، وصنف
كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر يقصد
به محي الدين بن العربي ، وكان من جملة ما قاله في
مقدمة اليواقيت والجواهر :
اعلم يا أخي أنني طالعت من كلام أهل الكشف ما لا يحصى
، من الرسائل وما رأيت في عباراتهم أوسع من عبارة
الشيخ الكامل المحقق مربي العارفين الشيخ محي الدين بن
العربي رحمه الله ، فلذلك شيدت هذا الكتاب بكلامه من
الفتوحات وغيرها دون كلام غيره من الصوفية ، لكني رأيت
في الفتوحات مواضع لم أفهمها ، فذكرتها لينظر فيها
علماء الإسلام ، ويحقوا الحق ، ويبطلوا الباطل إنْ
وجدوه ، فلا تظن يا أخي أني ذكرتها لكوني أعتقد صحتها
وأرضاها في عقيدتي ، كما يقع المتهورون في أعراض الناس
...
إلى أنْ قال : معاذ الله أنْ أخالف جمهور المتكلمين ،
وأعتقد صحة كلام من خالفهم من بعض أهل الكشف الغير
معصوم ، فإنّ في الحديث : يد الله مع الجماعة ، ولذلك
أقول غالباً عقب كلام أهل الكشف : انتهى فيتأمل
(1) شذرات الذهب ج8 ص 373 .
296
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
ويتحرر
ونحو ذلـك إظهـار للتوقـف في فهمــه على مصطلح أهـل
الكلام (1) ... (2)
وقد ساق ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب كلام
جماعة من علماء السنة المدافعين عن ابن العربي ومنهجه
فليراجع .
وكما اختلف علماء السنة في شخصية ابن العربي ومدرسته
في التصوف والعرفان فكذلك وقع الإختلاف بين علماء
الشيعة فمنهم من قبله كعارف من أعاظم العرفاء ، ومنهم
من بالغ في ذمه وسماه بدل محي الدين بـ > مميت الدين <
(3) ، وقد ذهب السيد حسين البروجري صاحب تفسير الصراط
المستقيم وهو غير الفقيه المعروف الذي كان زعيم الحوزة
العلمية في وقته إلى أنّ ابن العربي من أهل الزيع
والضلال ، وأنّ الأخذ بأقواله بدعة تؤدي إلى الإنحراف
عن طريق الأئمة الطاهرين صلوات الله وسـلامه عليهم
أجمعين (4) ، وفي مقابل ذلك ذهب جماعة من الفقهاء إلى
كونه أحد العرفاء واعتبروه كما اعتبره جماعة كبيرة من
علماء السنة الشيخ الأكبر في علم العرفان وفي التصوف ،
وقد صنف فيه بعض المحققين كتباً مستقلة .
وبالجملة فقد اختلف علماء السنة في ابن العربي ولم
يتفقوا بشأنه على كلمة واحدة ، وعمدة ما عابه بعض من
أنكر عليه كالحافظ الذهبي هو الشطحات الواقعة في كلامه
لاسيما ما وقع في كتابه فصوص الحكم ، وكذا في الفتوحات
المكية أيضاً.
(1) وهم علماء المذهب الأشعري ، لأنه كان من الأشاعرة
.
(2) اليواقيت والجواهر ج1 ص 16 ط. دار إحياء التراث
العربي – مؤسسة التاريخ العربي / بيروت سنة 1418 هـ -
1997م .
(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج9 قسم 3 ص 1016 رقم
6613 .
(4) تفسير الصراط المستقيم ج2 ص 72 .