الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
309
الأمر الخامس
حقيقة الخلاف بين علماء التصوف وغيرهم
اختلف العلماء في شرح واقع الصراع الذي وقع بين
المتصوفة وغيرهم فالناقدون لهم والمحاربون لنهجهم
عللوا ذلك بما تدل عليه بعض عباراتهم ، التي فيها ما
قد يستفاد منه مخالفة بعض أصول الاعتقادات أو بعض ما
ثبت بالكتاب والسنة ، ولكن نفس كبار أئمة التصوف
وعلماء العرفان ، يعرضون أسباب الخلاف ويفسرون منشأ
الخلاف بطريقة تختلف عن شرح معارضيهم ، ولعل أهم
الأسباب التي يعرضها العلماء الذين يقبلون التصوف ما
يلي :
الأول : ابتعاد من يخالفهم عن فهم باطن الشريعة ،
واقتصارهم على الظاهر فقط ، فكان ذلك مؤثراً في حصول
عدم الانسجام مع ما يرتبط بباطن الشريعة يقول الهجويري
وهو أحد كبار علماء الصوفية من أتباع أبي القاسم
القشيري في كتابه كشف المحجوب أثناء كلامه عن التصوف :
وقد حجب الله عز وجل في عصرنا هذا أكثر الخلق عن هذه
الطريقة وأهلها ، وأخفى لطائفها عن قلوبهم ، حتى ليظن
جماعة أنّ هذه الرياضة هي مجرد صلاح الظاهر دون مشاهدة
الباطن ، وتظن جماعة أخرى أنّ هذا الأمر حيلة ورسم بلا
حقيقة وأصل ، إلى حد أنهم ارتكبوا المنكر أمام أهل
الهزل وعلماء الظاهر ، وفرحوا بإخفاء الأمر حتى قلدهم
العوام ، ومحوا عن قلوبهـم صفـاء الباطـن ، ووضعـوا
مذهب السلـف والصحابة على الرف . (1)
(1) كشف المحجوب ص 227 ، 228 ط. دار النهضة العربية /
بيروت سنة1980م .
310
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الثاني : عدم فهم كلمات الصوفية على حقيقتها ، وأنّ ما
لديهم من العلوم والمعارف إنما هو ناشيء من الكشف
والشهود فاطلعوا على حقائق لا يمكن فهمها على ما هي
عليه لمن لم يحصل له الانكشاف أو صارت بمكان من الدقة
بحيث صار فهمها صعباً ، ولكي لا يدخل الجهال وأهل
التطفل فيحسبون عليهم ، وهذا ما أطال علماء الصوفية
بالحديث عنه ، حتى أفتى بعضهم بحرمة قراءة كتب الصوفية
لغير من هو مؤهل لذلك ، يقول السراج الطوسي وهو من
علماء الصوفية في مقام بيان الجهل بحقيقة ما يقوله
علماء التصوف : اعلم أنّ العلم أكثر من أنْ يحيط به
فهم الفهماء أو يدركه عقول العقلاء وكفاك بقصة موسى
والخضر عليهما السلام ، مع جلالة موسى عليه السلام ،
وما خصه الله به من الكلام والنبوة والوحي والرسالة .
(1)
وقد حكم السيوطي بحرمة قراءة كتب محي الدين ابن
العربي لهذا السبب حيث قال فيما تقدم من كلامه :
والقول الفيصل في ابن العربي اعتقاد ولايته ، وتحريم
النظر في كتبه ، فقد نقل عنه أنـه قال : نحن قوم يحرم
النظر في كتبنا . قال السيوطي : وذلك لأنّ الصوفية
تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها وأرادوا منها معان
غير المعاني المتعارفة منها ، فمن حمل ألفاظهم على
معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفر ،
(1) اللمع للسراج الطوسي ص 322 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
311
نص على
ذلك الغزالي في بعض كتبه ، وقال : إنه شبيه بالمتشابه
من القرآن والسنة ، من حمله على ظاهره كفر ، قال
السيوطي بعد ذلك : وقـد سـأل بعض أكابـر العلماء بعض
الصوفية في عصره ما حملكـم على أنْ اصطلحتـم على هذه
الألفـاظ التي يستشنع ظاهرها ؟ فقال : غيرة على طريقنا
هذا أنْ يدعيه من لا يحسنه ويدخل فيه من ليس أهله إلى
أنْ قال : وليس من طريق القوم إقراء المريدين كتب
التصوف ، ولا يؤخذ هذا العلم من الكتب ... الخ . (1)
ويقول ابن خلدون في مقـام بيان أنّ كـلام الصـوفيـة
قـد لا يفهـم على حقيقته ، وأنّ مقصودهم يختلف عما قد
يُستفاد من ظاهر عباراتهم : فأكثر كلامهم فيه نوع من
المتشابه ، لما أنه وجداني عندهم ، وفاقد الوجدان
عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه ، واللغات لا تُعطي دلالة
على مرادهم منه ، لأنها لم توضع إلا للمتعارف ، وأكثره
من المحسوسات .
إلى أنْ قال : فاعلم أنّ الإنصاف في شأن القوم أنهم
أهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها
بما لا يقصدونه ، وصاحب الغيبة غير مخاطب ، والمجبور
معذور ، فمن علم منهم فضله واقتداؤه حُمل على القصد
الجميل من هذا وأمثاله ،
(1) شذرات الذهب ج5 ص 191 .
312
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
وإنْ العبارة عن المواجد صعبة
لفقدان الوضع لها ، كما وقع لأبي يزيد البسطامي
وأمثاله ، ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فمؤاخذ بما صدر
عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحمله كلامه من تأويل
كلامه ، وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه ولم
يملكه الحال فمؤاخذ أيضاً ، ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر
المتصوفة بقتل الحلاج ، لأنه تكلم في حضور وهو مالك
لحاله ، والله أعلم . (1)
الثالث : محاسبة علماء التصوف بسبب ما نسب إليهم أو
بسبب جهلة الصوفية ممن لم يستوعبوا الأمور على حقائقها
، وقد نبه علماء التصوف الكبار على وجود الجهلة
المدعين الذين شوهوا سمعتهم ، يقول الهجويري في كشف
المحجوب : اعلم أنّ هذا العلم قد اندرس في الحقيقة في
زماننا هذا ، وبخاصة في هذه الديار ، حيث انشغل الخلق
بأهوائهم وأعرضوا عن طريقة الرضا ، وقد بدت لعلماء هذا
العصر وأدعياء هذا الوقت صورة لهذه الطريقة على خلاف
أصلها . (2)
وقد أطال علماء التصوف الكبار في ذم المنتسبين لهم ممن
لا يتقن طريقتهم يقول الهجويري (3) : وأما المتصوف
الجاهل ، فهو الذي لم يصحب شيخاً ، ولم يتلق الأدب عن
كبير ،
(1) مقدمة ابن خلدون ص 471 .
(2) كشف المحجوب ص 197 .
(3) كشف المحجوب ص 212 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
313
ولم يذق عرك الزمان له ، ويرتدي الأزرق بلا
بصيرة ويلقي بنفسه بين الصوفية ، ويسلك في الخزي في
طريق الإنبساط في صحبتهم ، وقد حمله حمقه على أنْ يظن
الجميـع مثله ، ومن ثم يشكـل
عليه طريق الحق والباطل .
الرابع : الإقبال على الدنيا عند البعض الذي تسبب في
الطعن على شيوخ الحق المخلصين ، يقول الهجويري في كشف
المحجوب : أما العلماء الغافلون ، فهم أولئك الذين
جعلوا الدنيا قبلة قلوبهم ، واختاروا السهولة من الشرع
، واتخذوا عبادة السلاطين ، وصيروا بلاطهم مطافهم ،
وجعلوا جاه الخلق محرابهم ، وانخدعوا بغرور مهارتهم ،
وشغلوا قلوبهم برقة كلامهم ، وأطلقوا لسان طعنهم في
الأئمة والأساتذة ، وانشغلوا بقهر علماء الدين بكلام
مزيد عليه ، وإذا وضعوا الكونين في ميزانهم لا يظهران
، ومن ثم صيروا الحقد والحسد مذهباً . (1)
وهذا هو حاصل أسباب الخلاف بين الصوفية وغيرهم ،
والكلام في مناقشتها يحتاج إلى تفصيل لا يسعه المقام .