314 ................................................ المنهج الصحيح لمعرفة آراء الفرق والمذاهب الإسلامية

الأمر السادس
العلاقة بين التصوف والتشيع

كثيراً ما نجد في كلمات الكثير من الباحثين دعوى أنّ التصوف إنما أخذ من التشيع ، وأنّ المتصوفة غالباً هم من الشيعة أو من المتأثرين بهم ، ولعل من أهم الأسباب التي دفعتهم لذلك ما نجده في كلمات كثير من علماء التصوف من تعظيم أهل بيت العصمة والرسالة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بما لا تتقبله نفوس النواصب والمبغضين لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، ولكن تبين فيما تقدم أنّ دعوى أخذ التصوف من الشيعة أمر لا أساس له من الصحة ، وقد اعترف بذلك عدة من علماء السنة الكبار منهم ابن تيمية الذي ذهب إلى أنْ التصوف إنما نشأ في أوساط أهل البصرة من أتباع الحسن البصري ، كما أنه تبين مما تقدم أنّ جملة وافرة من علماء التصوف هم من كبار علماء السنة كعبد القادر الجيلاني وأبي القاسم القشيري وأبي إسماعيل الأنصاري وسهل بن عبد الله التستري والجنيد بن محمد وأبي عبد الرحمن السلّمي وابن خلدون وغيرهم ، ولم نجد من اتهمهم بالتشيع أو الميل إليه ، بل وفيهم من يعد متحاملاً على الشيعة كأبي إسماعيل الأنصاري الذي ذهب إلى تفسيق أو تكفير من عدا الحنابلة ، ومدح المتصوفة لأهل البيت (ع) ليس فيـه أدنى دلالـة على كـونهـم مـن الشيعـة ، لأنّ الإعتقــاد بمكانـة أهـل البيت (ع) ومناقبهم أمر متفق عليه عند سائر الفرق الإسلامية .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 .......................................................................... 315

نعم لا إشكال في أنّ بعض الشيعة كانوا من علماء التصوف والعرفان كالفيض الكاشاني وصدر المتألهين والميرداماد وغيرهم ، وهو لا يستلزم أنْ يكون غيرهم من المتصوفة يوافقونهم في الإعتقاد ، وإنما الذي ينبغي قوله أنّ أبحاث التصوف هي أبحاث وقعت في مساحة مشتركة بين المذاهب الإسلامية ، ولم تختص بفرقة إسلامية معينة ، كما هو الحال بالنسبة لعلوم القرآن الكريم ، فالمذاهب الإسلامية ، وإنْ اختلفت فيما بينها لكن يوجد بينها ما يتحقق به الاشتراك ، وذلك ضمن المساحة التي هي مورد اعتقاد الجميع وإنْ حصل الإختلاف بينهم في بعض التفاصيل بسبب اختلاف الاجتهاد أو العقيدة ، إذْ لا يخفى أنْ بعض الخلافات العقائدية تنعكس على عدد من الفرعيات ، ولا يختص التصوف بهذا الأمر ، بل حتى الأبحاث العقلية من الفلسفة وغيرها وقع البحث والخلاف فيها عند علماء الشيعة والسنة ، فقسم من علماء الفريقين قبلها وقسم آخر لم يقبلها ، فهي مساحة إجتهادية مشتركة ولا يصح أنْ ينسب إلى الشيعة أو السنة على الإطلاق قبول مثل علم الفلسفة أو بقية العلوم العقلية كالمنطق أو رفضه ، كما لا يصح أنْ ينسب ذلك للتشيع أو التسنن بمحض وجود قائل بذلك من أحد الطرفين ، بل في الطرفين من يقبل ومن لا يقبـل ، وكذلك التصوف أيضاً .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب