316
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الأمر السابع
الفرق الباطنية عند السنة
في كثير من الأحيان نجد بعض الكتاب أو المتحدثين يتهم
الشيعة بأنهم من الباطنية بهدف التعريض بهم ولغرض
توهينهم وتضعيف معتقدهم ، ونجد الكثير ممن يتجاوب مع
هذا التعريض يقبل الاعتراض عليهم بمجرد وصفهم بهذا
الوصف دون أنْ يعرف حقيقة ما هم عليه ولا أسباب
استحقاقهم الذم بهذا التعريض ، كما هو الحال بالنسبة
للتعريض بكونهم من الرافضة ، ونقول هنا رداً على من
يدعي بأنّ الشيعة من الفرق الباطنية :
أولاً : على تقدير صحة ما يقال بأنّ الشيعة من
الباطنية ، فهذا أيضاً يمكن نسبته إلى السنة بنفس
المستوى الذي ينسب إلى الشيعة ، فانقسام علوم الشريعة
إلى ما يتعلق بظاهر الشريعة وما يتعلق بباطن الشريعة
يقول به عدد كبير من علماء السنة ، وقد تقدمت بعض
كلماتهم بهذا الشأنْ ، ونضيف إلى ذلك كلام ابن خلدون
حيث يقول في كتابه شفاء السائل :
وصار فقه الشريعة على نوعين :
الأول : فقه الظاهر ، وهو معرفة الأحكام المتعلقة
بأفعال الجوارح فيما يخص المكلفين في أنفسهم ، أو
يعمهم من عبادات وعادات وغيرها من الأفعال الظاهرة ،
وهذا هو المسمى بالفقه في المشهور ، وحامله الفقيه ،
وهم أهل الفتيا وحرسة الدين .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
..........................................................................
317
النوع الثاني : فقه الباطن ، وهو معرفة الأحكام
المتعلقة بأفعال القلوب وما يخص المكلف في نفسه من
أفعال الجوارح في عباداته وتناوله لضرورياته ، ويسمى
هذا فقه القلوب وفقه الباطن وفقه الورع ، وعلم الآخرة
، والتصوف .
وكثرت العناية بالنوع الأول الذي هو الفقه لعموم
البلوى ، واحتياج السلطان والكافة لمنصب الفتيا ، فكثر
ناقلوه في كل عصر ، وتعددت فيه الموضوعات ، وبقي النوع
الآخر الذي هو الأهم على كل أحد في نفسه قليلاً
مهجـوراً ، وربمـا خشي بعض علمائـه لأجـل ذلك دروسـه
وذهـاب أهله . (1) انتهى .
وقد تقدمت كلماتهم في أنّ علوم أهل السير والسلوك
عندهم حسب إداعآتهم لا يمكن أنْ تحصل إلا لمن كان له
قابلية تلك المعرفة الشهودية الوجدانية من الأولياء
الصالحين ، فهم أيضاً كما لديهم ما يرتبط بالظاهر
لديهم علوم باطنية قبلوها كان رجالها من أعاظم رجال
السنة وأئمتهم المجمع على إمامتهم وقد تقدمت تراجم
بعضهم وهي غيض من فيض .
(1) شفاء السائل ص 44 .
318
................................................
المنهج الصحيح لمعرفة
آراء الفرق والمذاهب الإسلامية
الثاني : إنْ كان الباطن بمعنى التأويل ، فهو أمر لا
يختص بالشيعة الإمامية بل يجتمع عليه جميع المسلمين
على اختلاف مذاهبهم غاية الأمر أنهم بعد اتفاقهم على
قبول أصل مبدأ التأويل يختلفون على تفاصيله ، فإذا كان
التأويل يقتضي الوصف بالباطنية فهم على ذلك يمكـن عدهم
باطنية أيضاً .
الثالث : دعوى أنّ بعض العلوم لا يستوعبها إلا
الأنبياء أو المؤمن الذي امتحن الله قلبه بالإيمان
الموجودة في الروايات المعتبرة عند الشيعة الإمامية
يوافقهم عليه على أقل تقدير علماء التصوف الكبار كعبد
القادر الجيلاني وغيره ممن اتفقوا على إمامتهم ، وعليه
فالباطنية هي حالة موجودة عند السنة أيضاً .
وغاية الأمر أنّ بعض السنة قد لا يقبل ما قدمناه ،
وهذا لا يؤدي إلى عدم وصف السنة بأنهم من الباطنية ،
بل ينقسمون على ذلك إلى قسمين ، أحدهما الباطنية وهم
الجمهور لأنّ علماء التصوف مقبولون عندهم ويعتبرون
كبار أئمة التسنن ، وثانيهما غير الباطنية .