الخلافات في التوحيد وصفات الله عز وجل شغلت المسلمين
عبر التاريخ من أكثر من جهة فتارة وقع الاختلاف في
الصفات المعبر عنها بالصفات الخبرية نفياً وإثباتاً ،
وأخرى في التشبيه والتجسيم ، وثالثة في موضوع خلق
القرآن بالخصوص ، ورابعة في توحيد العبادة وهو ما أثير
النقاش فيه بين ابن تيمية وأتباعه ومن يعارضهم ، ولا
بأس من التركيز على أبرز وأهم مسائله .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
335
المسألة الأولى
التشبيه والتجسيم
اتهم عدة من علماء الحنابلة وفي مقدمتهم ابن تيمية
غيرهم من المسلمين بالشرك في العبادة بسبب التوسل
بالأنبياء والأولياء وتعظيم قبورهم وغير ذلك مما سيأتي
الحديث عنه مفصلاً إنشاء الله تعالى ، وزاد عليهم
بأضعاف مضاعفة الوهابية ، وفي مقابل ذلك نسب عدة من
علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم إلى الحنابلة القول
بالتشبيه والتجسيم ، وحكم بعض علماء السنة بكفرهم لهذا
السبب ، ولا بأس أولآً أن ننظر في كلمات خصومهم ، ومن
ثم ننظر في كتبهم للتأكد من أنّ ما نسب إليهم هل كان
بسبب التعصب والتحامل المفرط أو كانت تلك النسبة نسبة
علمية صحيحة وموضوعية ، ومن ثم نعرض كلام الفريقين على
ما يقتضيه الدليل والبرهان ، وهذا ما يحتاج إلى الكلام
في أبحاث :
المبحث الأول
ما ذكره خصومهم من علماء السنة
من نسبتهم إلى التشبيه والتجسيم
كلمات خصومهم من علماء السنة كثيرة جداً ، وقد تقدم
بعضها في مقدمة هذا الكتاب ، ولابأس بذكر بعض الموارد
:
1- طعن أبو إسماعيل الأنصاري صاحب كتاب ذم الكلام وابن
طاهر المقدسي صاحب كتاب الجمع بين رجال الصحيحين في
الحاكم صاحب المستدرك على الصحيحين واتهماه بالرفض على
حد تعبيرهم ، ودافع عنه السبكي في طبقات الشافعية
الكبرى ، وذكر أنّ الخلاف العقائدي بينهما مانع من
قبول كلامهما فيه قال : ... وقطعت بأنّ كلام أبي
إسماعيل ، وابن طاهر لا يجوز قبوله في حق هذا الإمام ،
لما بينهم من مخالفة العقيدة ، وما يرميان به من
التجسيم أشهر مما يرمى به الحاكم من الرفض ... الخ . (1) ، وقال أيضاً في مـوضـع آخر : وكانت هراة بـأبي
إسمـاعيل الأنصـاري قـد غلـب عليـها
التجسيم . (2)
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج4 ص 163 رقم 328 ط. دار
إحياء الكتب العربية / القاهرة.
(2) طبقات الشافعية الكبرى ج5 ص 328 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
337
2- ويقول أيضاً أثناء دفاعه عن إمامه أبي الحسن
الأشعري رداً على الذهبي مخاطباً له : وتأتي أنت تتكسع
في ظلم التجسيم ، وأنت تدعي أنك بريء منه وأنت من أعظم
الدعاة إليه ، وتزعم أنك تعرف هذا الفن (1) ، وأنت لا
تفهم فيه نقيراً ولا قطميراً ، وليت شعري ! من الذي
يصف الله بما وصـف بـه نفسه ؟ مـن شبهـه بخلقـه ؟! أم
مـن قـال : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (2) .
3- ويقول السبكي أيضاً : قلت : أنا أعلم أنّ المالكية
كلهم أشاعرة لا أستثني منهم أحداً ، والشافعية غالبهم
أشاعرة ، لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال
، والحنفية أكثرهم أشاعرة ، أعني يعتقدون عقد الأشعري
، لا يخرج منهم إلا من لحق بالمعتزلة ، والحنابلة أكثر
فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الأشعري
إلا من لحق بأهل التجسيم ، وهم في هذه الفرقة من
الحنابلة أكثر من غيرهم . (3)
4- ويقول في موضع آخر : والحشوية المشبهة الذين يشبهون
الله بخلقه ضربان : أحدهما : لا يتحاشى من إظهار الحشو
( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ
إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ ) (4) ،
(1) يقصد به علم الكلام والعقيدة .
(2) سورة الشورى : 11 .
(3) طبقات الشافعية الكبرى ج3 ص 377 ، 378 .
(4) سورة المجادلة : 18 .
ويقول في موضع آخر : وإذا سئل أحدهم عن مسألة من مسائل
الحشو أُمر بالسكوت عن ذلك ، وإذا سئل عن غير الحشو من
البدع أجاب فيه بالحق ، ولولا ما انطوى عليه باطنه من
التجسيم والتشبيه لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد
والتنزيه ، ولم تزل هذه الطائفة المبتدعة قد ضربت
عليهم الذلة أينما ثقفوا ، ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا
نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ
فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ ) (2) ، لا تلوح لهم فرصة إلا طاروا
إليها ، ولا فتنة إلا أكبوا عليها ، وأحمد بن حنبل
وفضلاء أصحابه براء إلى الله مما نسبوه إليهم ،
واختلقوه عليهم ... الخ . (3)
5- قال الذهبي في العبر أثناء كلامه عن حوادث سنة
(475هـ) (4) : فيها قدم الشريف أبو القاسم البكري
الواعظ من عند نظام الملك إلى بغداد ، فوعظ بالنظامية
، ونبز الحنابلة بالتجسيم ، فسبوه وتعرضوا له ، وكبس
دور بني الفراء وأخـذ
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج8 ص 222 .
(2) سورة المائدة : 64 .
(3) طبقات الشافعية الكبرى ج8 ص 223 .
(4) العبر للذهبي ج2 ص 333 حوادث سنة (475هـ) ط. دار
الكتب العلمية / بيروت .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
339
كتاب القاضي أبي يعلى في إبطال
التـأويل ، فكـان يقرأ بين
يديه وهو على المنبر ، فيشنِّع ويُبشِّع شأنه .
6- وقال ابن الأثير أيضاً في أحداث سنة (458هـ) : وفي
شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن
الفراء الحنبلي ، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة ، وعنه
انتشر مذهب أحمد رضي الله عنه ، وكان إليه قضاء الحريم
ببغداد بدار الخلافة ، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه
بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض ،
تعالى الله عن ذلك ، وكان ابن تميمي الحنبلي يقول :
لقد خري أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها
الماء . (1)
وقال أيضا أثناء حديثه عن أحداث سنة (429هـ) : وفيها
أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه
كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد
التجسيم ، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد ، وتكلّم في
ذلك ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً . (2)
(1) الكامل في التاريخ ج8 ص 378 حوادث سنة (458هـ) ط.
دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1407 هـ - 1987م .
(2) الكامل في التاريخ ج8 ص 228 حوادث سنة (329هـ) .
7- وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي : وأخبرني
من أثق به من مشيختي أنّ القاضي أبا يعلى محمد الحسين
الفراء الحنبلي رئيس الحنابلة ببغداد كان إذا ذكر الله
تعالى يقول وما ورد من هذه الظواهر في صفـاته تعالى :
ألزموني بما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة .
وانتهى بهم القول إلى أن يقولوا إن أراد احد أن يعلم
الله فلينظر إلى نفسه فانه الله بعينة إلا أن الله
منزه عن الآفات . (1)
8- وقد تقدم الكلام على الوثيقة التي كتبها فقهاء
الأشاعرة أيام الفتنة التي وقعت بين الحنابلـة
والأشاعـرة في أيـام أبي المظفر القشيري ، والتي جـاء
فيها : أنّ جماعة من الحشوية والأوباش المتوسمين
بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي
الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد ، ولا تجوز
به ، قادح في أصل الشريعة ولا معطل ، ونسبوا كل ما
ينزه الباري تعالى وجل عن النقائص والآفات ، وينفي عنه
الحدوث والتشبيهات ، ويقدسه عن الحلول والزوال . (2)
(1) العواصم من القواصم ص 210 ط. دار الثقافة / الدوحة
ط.1 سنة 1413هـ- 1992م .
(2) تبيين كذب المفتري ص 310 ط. دار الكتاب العربي /
بيروت سنة 1399هـ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
341
وجاء فيها أيضاً : وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار
على جهالتها وأبوا إلا التصريح بأنّ المعبود ذو قدم
وأضراس ولهوات وأنامل ، وأنه ينزل بذاته ، ويتردد على
حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط ، وعليه تاج يلمع وفي
رجليه نعلان من ذهب ، وحفظ ذلك عنهم ، وعللوه ودونوه
في كتبهم ، وإلى العوام ألقوه ، وأنّ هذه الأخبار لا
تأويل لها ، وأنها تجري على ظواهرها وتعتقـد كما ورد
لفظـها ، وأنـه تعـالى يتكـلم بصـوت كـالرعـد ، وكصهيل
الخيل ... (1)
9- وقال ابن جزي الغرناطي المتوفي سنة (741هـ) أثناء
حديثه عن الفرق ونظرتها للصفات الإلهية وطريقة تعاملهم
مع الآيات وبعض الروايات : الفرقة الثانية : قوم
حملوها على ظاهرها فلزمهم التجسيم ، ويعزى ذلك إلى
الحنبلية وبعض المحدثين . (2)
10- وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة
(1371هـ) (3) بعد أنّ ذم عثمان
(1) تبيين كذب المفتري ص 311 .
(2) القوانين الفقهية لابن جزّي الغرناطي ص 13 .
(3) يقول فيه الشيخ محمد أبو زهرة أثناء تأبينه له :
منذ أكثر من عام فقد الإسلام إماماً من أئمة المسلمين
الذين علو بأنفسهم عن سفاسف هذه الحياة ، واتجهوا إلى
العلم اتجاه المؤمن لعبادة ربه ...
إلى أنْ قال : لا أعرف عالماً مات فخلا مكانه في هذه
السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري ، لأنه بقية السلف
الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقاً ولا سلّماً
لغاية ... الخ . راجع مقدمة كتاب مقالات الكوثري ص 13
ط. المكتبة التوفيقية / القاهرة .
بن سعيد الدارمي ونسبه
إلى التجسيم مستدلاً بذلك من عبارات من كتاب النقض
للدرامي : فتباً لابن تيمية وصاحبه ابن القيم حيث كانا
يوصيان بكتابه هذا أشد الوصية ، ويتابعان في كل ما في
كتبه كما يظهر من صفحة خاصة منشورة في أول الكتاب ،
فأصبحا بذلك في صف هذا المؤلف المجسم الفاقد للعقل
...الخ . (1)
11- قال ابن الجوزي وهو من كبار علماء الحنابلة
المناوئين للمذهب الأشعري والذامين له في كتابه دفع
شبه التشبيه : ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما
لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبد الله بن
حامد ، وصاحبه القاضي وابن الزغواني ، فصنفوا كتباً
شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام
، فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أنّ الله تعالى
خلق آدم على صورته فأثبتوا له وجهاً زائداً على الذات
، وعينين وفماً ولهوات ، وأضراساً وأضواء لوجهه هي
السبحات ، ويدين وأصابع وكفاً وإبهاماً وصدراً ،
وفخذاً وساقين ورجلين ، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس ،
وقالوا : يجوز أنْ يمس ويدني العبد
(1) مقالات الكوثري ص 265 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
343
من ذاته ، وقال
بعضهم : ويتنفس ، ثم يرضون العوام بقولهم : لا كما
يعقل . (1)
12- يقول أبو بكر الحصني الشافعي في كتابه دفع شُبه من
شبّه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد
أثناء كلامه عن مذهب الحنابلة : فلقد كسوتم هذا المذهب
شيئاً قبيحاً حتى لا يُقال عن حنبلي إلا مجسم ، ثم
زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد (2) ، وقد علمتم أنّ صاحب
المذهب (3) أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمد التيمي يقول
في بعض أئمتكم : لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل
إلى يوم القيامة ، فالحاصل من كلام ابن حامد وابن
الزاغواني من التشبيه والصفات التي لا تليق بجناب الحق
سبحانه وتعالى ، وهي نزعة سامرية في التجسيم ، ونزعة
يهودية في التشبيه ، وكذا نزعة نصرانية ...الخ . (4)
وكلمات علماء السنة الأشاعرة في ذم الحنابلة ونسبتهم
إلى التجسيم كثيرة جداً ، وقد تقدم بعضها ، وقد يأتي
بعض آخر منها أثناء البحث وما تقدم فيه الكفاية .
(1) دفع شبه التشبيه ص 97 ط. دار الإمام النووي / عمان
– الأردن سنة 1413هـ - 1992م ، وراجع أيضاً :
دفع شبه
من شبّه وتمرد للحصني ص 6 ط. المكتبة الأزهرية للتراث
/ القاهرة .
(2) يقصد به يزيد بن معاوية لعنه الله .
(3) يقصد به الإمام أحمد بن حنبل .
(4) دفع شبه من شبّه وتمرد للحصني ص 7 .