382 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

الفصل الثالث
ما ذهبوا إليه من أنّ الباري تعالى عما يصفون يجلس
على الكرسي أو السرير

وقد أوردوا بذلك الشأنْ عدة روايات وقبلها عدة منهم ، وهذه بعض النصوص الواردة بهذا الشأنْ :

1- كلام ابن قيم الجوزية

قال ابن القيم أثناء ذكره لصفات الله عز وجل في نظره رداً على الجهمية والمعطلة حسب زعمه : وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قصة الشفاعة الحديث بطوله مرفوعاً وفيه : فأتي ربي عز وجل فأجده على كرسيه أو سريره جالساً . (1)

2- حديث الجلوس على الكرسي أو السرير
المتخذ من ذهب الذي تحمله أربعة من الملائكة

قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد : حدثنا محمد بن عيسى ، قال حدثنا سلمة بن الفضل ، قال حدثني محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبد الله بن أبي سلمة أنّ عبد الله عمر بن الخطاب بعث إلى عبد الله بن العباس يسأله : هل رأى محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ربه ؟

 

(1) اجتماع الجيوش الإسلامية ص 69 ط. مكتبة دار البيان / دمشق ط3 سنة 1421هـ- 2000م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 383

فأرسل إليه عبد الله بن العباس : أنْ نعم . فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله : أنْ كيف رآه ؟ قال : فأرسل أنه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة ، ملك في صورة رجل ، وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر ، وملك في صورة أسد . (1)

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش : حدثنا علي بن مكتف بن بكر التميمي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبد الله بن سلمة قال : أرسل بن عمر رضي الله عنهما إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد (ص) ربه ؟ فأرسل إليه ابن عباس : أنْ نعم ، قال : فرد عليـه ابن عمـر رسوله : أنْ كيف رآه ؟ قال : في روضة خضراء ، روضة من الفردوس ، دونه فراش من ذهب ، على سرير من ذهب يحمله أربعة من الملائكة ، ملك في صورة رجل ، وملك في صورة ثور ، وملك في صورة أسد ، وملك في صورة نسر . (2)

 

(1) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 198 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1403هـ- 1083م
(2) كتاب العرش لابن أبي شيبة ص 392 ، 393 رقم 38 ط. مكتبة الرشد – شركة الرياض للنشر والتوزيع / الرياض سنة 1418هـ- 1998م .

 
 

384 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

وهذا الحـديث أخرجه الـدارقطني في الرؤية وعبـد الله بن أحمد بن حنبل في السنة والآجري في الشريعة وأبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات ، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة (1)

قال أبو يعلى الفراء : وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني هذه الألفاظ في كتاب الرؤية من طرق . (2)

والحديث المتقدم معتبر عند ابن خزيمة الذي وصفوه بأنه إمام الأئمة ، فقد اشترط في أول كتابه أنْ لايخرج إلا ما صح بالأسانيد الثابتة الصحيحة بنقل أهل العدل موصولاً إلى الرسول الأعظم (ص) (3) ، ولذا قال ابن تيمية تعليقاً على بعض الأحاديث التي أوردها : قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل ، موصولاً إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . (4)

 

(1) إبطال التأويلات ج1 ص 137 ، 138 ، 139 رقم 133 ، 134 ، الشريعة للآجري ص 494 ، 494 ط. دار الكتب العلمية / بيروت ، في كتاب السنة ص42 رقم 208 ط. دار الكتب العلمية سنة 1405هـ- 1985م ، وج1 ص 175 رقم 217 ط. رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ- 1996م .
(2) إبطال التأويلات ج1 ص 139 .
(3) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 5 ط. دار الكتب العلمية /بيروت سنة 1403هـ- 1983م .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 192 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 385

ثم إنّ البعض ذكر أنّ فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ولا يقبل حديثه معنعنا ، ولكن يرده أنّ إسقاط التصريح من السماع إنما هو ممن نقل حديثه ، فقد صرح بالسماع فيما أخرجه عنه الآجري وعبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة ، وقد أوضحنا فيما تقدم أنّ العنعنة كثيراً ما تكون عمن هو دون الراوي فراجع .

وبالجملة ، فهذا الحديث الذي أخرجه وصححه من سموه بإمام الأئمة والذي يصور الباري بأنه جالس على سرير محمول تحمله أربعة من الملائكة كل منهم بشكل يختلف عن الآخر ، وتابع من وصفوه بإمام الأئمة عدة من علمائهم وأئمة مذاهبهم كأبي يعلى الفراء الذي كان إمام الحنابلة في عصره ، بل ذكر بعضهم أنه عنه انتشر مذهب أحمد بن حنبل ، يدل على المستوى الذهني الوضيع الذي وصل إليه أولئك الأئمة ، حتى صار الخالق في ذهنهم صنماً من الأصنام الوهمية الذي لا يختلف كثيراً عن تصورات بعض الوثنيين وتعالى الله عز وجل خالق السماوات والأرض بأنْ يوصف بهذه الأوصاف ، وهذا يستدعي إعادة النظر في أمور كثيرة ، منها التراث الروائي المشحون بالزيف والضلال ، والذي وصفوا قسماً كبيراً منه بالصحة ، ومنها إمامة أولئك وأهليتهم لأنْ يتحدثوا باسم الإسلام ، ومنها فتح الآفاق العلمية للبحث في حركة التآمر التي أرادت النيل من الإسلام بجميع معتقداته وتعاليمه ، وسيتضح هذا أكثر عندما نجد النظرة السيئة لشخصية الرسول الأعظم (ص) وتشويه الشريعة المقدسة وغير ذلك مما سيتضح إنشاء الله تعالى .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب