الفصل الثالث
ما ذهبوا إليه من أنّ الباري تعالى عما يصفون يجلس
على الكرسي أو السرير
وقد أوردوا بذلك الشأنْ عدة روايات وقبلها عدة منهم ،
وهذه بعض النصوص الواردة بهذا الشأنْ :
1- كلام ابن قيم الجوزية
قال ابن القيم أثناء ذكره لصفات الله عز وجل في نظره
رداً على الجهمية والمعطلة حسب زعمه : وفي مسند الإمام
أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قصة الشفاعة
الحديث بطوله مرفوعاً وفيه : فأتي ربي عز وجل فأجده
على كرسيه أو سريره جالساً . (1)
2- حديث الجلوس على الكرسي أو السرير
المتخذ من ذهب الذي تحمله أربعة من الملائكة
قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد : حدثنا محمد بن عيسى ،
قال حدثنا سلمة بن الفضل ، قال حدثني محمد بن إسحاق ،
عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي
ربيعة ، عن عبد الله بن أبي سلمة أنّ عبد الله عمر بن
الخطاب بعث إلى عبد الله بن العباس يسأله : هل رأى
محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ربه ؟
(1) اجتماع الجيوش الإسلامية ص 69 ط. مكتبة دار البيان
/ دمشق ط3 سنة 1421هـ- 2000م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
383
فأرسل إليه عبد
الله بن العباس : أنْ نعم . فرد عليه عبد الله بن عمر
رسوله : أنْ كيف رآه ؟ قال : فأرسل أنه رآه في روضة
خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة
من الملائكة ، ملك في صورة رجل ، وملك في صورة ثور
وملك في صورة نسر ، وملك في صورة أسد . (1)
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش : حدثنا
علي بن مكتف بن بكر التميمي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم
بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن
بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبد الله بن سلمة
قال : أرسل بن عمر رضي الله عنهما إلى ابن عباس رضي
الله عنهما يسأله : هل رأى محمد (ص) ربه ؟ فأرسل إليه
ابن عباس : أنْ نعم ، قال : فرد عليـه ابن عمـر رسوله
: أنْ كيف رآه ؟ قال : في روضة خضراء ، روضة من
الفردوس ، دونه فراش من ذهب ، على سرير من ذهب يحمله
أربعة من الملائكة ، ملك في صورة رجل ، وملك في صورة
ثور ، وملك في صورة أسد ، وملك في صورة نسر . (2)
(1) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 198 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1403هـ- 1083م
(2) كتاب العرش لابن أبي شيبة ص 392 ، 393 رقم 38 ط.
مكتبة الرشد – شركة الرياض للنشر والتوزيع / الرياض
سنة 1418هـ- 1998م .
وهذا الحـديث أخرجه الـدارقطني في الرؤية وعبـد الله
بن أحمد بن حنبل
في السنة والآجري في الشريعة وأبو يعلى الفراء في
إبطال التأويلات ، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة (1)
قال أبو يعلى الفراء : وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني
هذه الألفاظ في كتاب الرؤية من طرق . (2)
والحديث المتقدم معتبر عند ابن خزيمة الذي وصفوه بأنه
إمام الأئمة ، فقد اشترط في أول كتابه أنْ لايخرج إلا
ما صح بالأسانيد الثابتة الصحيحة بنقل أهل العدل
موصولاً إلى الرسول الأعظم (ص) (3) ، ولذا قال ابن تيمية
تعليقاً على بعض الأحاديث التي أوردها : قد رواه إمام
الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه
لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل ، موصولاً
إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . (4)
(1) إبطال التأويلات ج1 ص 137 ، 138 ، 139 رقم 133 ،
134 ، الشريعة للآجري ص 494 ، 494 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت ، في كتاب السنة ص42 رقم 208 ط. دار
الكتب العلمية سنة 1405هـ- 1985م ، وج1 ص 175 رقم 217
ط. رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ- 1996م .
(2) إبطال التأويلات ج1 ص 139 .
(3) كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 5 ط. دار الكتب العلمية
/بيروت سنة 1403هـ- 1983م .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 192 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
385
ثم إنّ البعض ذكر أنّ فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ولا
يقبل حديثه معنعنا ، ولكن يرده أنّ إسقاط التصريح من
السماع إنما هو ممن نقل حديثه ، فقد صرح بالسماع فيما
أخرجه عنه الآجري وعبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب
السنة ، وقد أوضحنا فيما تقدم أنّ العنعنة كثيراً ما
تكون عمن هو دون الراوي فراجع .
وبالجملة ، فهذا الحديث الذي أخرجه وصححه من سموه
بإمام الأئمة والذي يصور الباري بأنه جالس على سرير
محمول تحمله أربعة من الملائكة كل منهم بشكل يختلف عن
الآخر ، وتابع من وصفوه بإمام الأئمة عدة من علمائهم
وأئمة مذاهبهم كأبي يعلى الفراء الذي كان إمام
الحنابلة في عصره ، بل ذكر بعضهم أنه عنه انتشر مذهب
أحمد بن حنبل ، يدل على المستوى الذهني الوضيع الذي
وصل إليه أولئك الأئمة ، حتى صار الخالق في ذهنهم
صنماً من الأصنام الوهمية الذي لا يختلف كثيراً عن
تصورات بعض الوثنيين وتعالى الله عز وجل خالق السماوات
والأرض بأنْ يوصف بهذه الأوصاف ، وهذا يستدعي إعادة
النظر في أمور كثيرة ، منها التراث الروائي المشحون
بالزيف والضلال ، والذي وصفوا قسماً كبيراً منه بالصحة
، ومنها إمامة أولئك وأهليتهم لأنْ يتحدثوا باسم
الإسلام ، ومنها فتح الآفاق العلمية للبحث في حركة
التآمر التي أرادت النيل من الإسلام بجميع معتقداته
وتعاليمه ، وسيتضح هذا أكثر عندما نجد النظرة السيئة
لشخصية الرسول الأعظم (ص) وتشويه الشريعة المقدسة وغير
ذلك مما سيتضح إنشاء الله تعالى .