والمقصود من الوعل : تيس الجبل ، وهذه الأسطورة مضافاً
لاستلزامها التجسيم والتشبيه من أغرب الأساطير التي لا
توجد في القصص الخرافية ولنبدأ بذكر هذه القصة
الخرافية ، ومـن ثم ننقل أقـوال علماء الحنابلة فيها :
نص الأسطورة
خلاصة هذه الأسطورة أنه يوجد فوق السماء السابعة بحر
بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء وسماء ، وفوق ذلك
البحر يوجد ثمانية ملائكة من الأوعال أي من التيوس وهم
في غاية الضخامة ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين
سماء إلى سماء ، والعرش يقع فوق ظهور هذه الأوعال (
التيوس) الثمانية ، والباري عز وجل حسب ادعائهم والله
عز وجل تعالى عما يصفون وعما يقولون علواً كبيراً فوق
ذلك العرش الذي تحمله التيوس (الأوعال) الثمانية .
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين
بسنده عن عبد الله بن عميرة ، عن العباس بن عبد المطلب
قال : كنا جلوساً مع رسول الله (ص) بالبطحاء ، فمرت
سحابة ، فقال رسول الله (ص) : أتدرون ما هذا ؟ فقلنا :
الله ورسوله أعلم . فقال السحاب . فقلنا: السحاب ؟
فقال : والمزن فقلنا : وما المزن ؟ فقال : والعنان ،
ثم سكت ، ثم قال : أتدرون كم بين السماء والأرض ؟
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
401
فقلنا : الله ورسوله أعلم . فقال : بينهما مسيرة
خمسمائة سنة ، وبين كل سماء إلى السماء التي تليها
مسيرة خمسمائة سنة ، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة
، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين
السماء والأرض ، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهم
وأظلافهم كما بين السماء والأرض ، والله فوق ذلك ليس
يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء .
قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه
عليه الذهبي في التلخيص . (1)
وهذا الحديث أخرجه عدة من الحفاظ وأئمة الحديث من
السنة منهم أحمد بن حنبل في مسنده ، وذكر الحديث بنفس
ما تقدم ولكن في آخره ورد بهذا اللفظ : ثم فوق ذلك
ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء
والأرض ، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين
السماء والأرض ، والله تبارك وتعالى فوق ذلك وليس يخفى
عليه من أعمال بنى آدم شيء . (2)
وبهذا اللفظ أخرجه الترمذي وقال عنه : هذا حديث حسن
غريب ، وأبو داود وابن ماجة
(1) المستدرك على الصحيحين ج1 ص 378 ط. وأيضا
ص 288 وص 510 من ط1 وج2 ص 410 ح 3428 وص 316 ح 3137 وص 543 ح 3849 من
ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1411هـ- 1990م .
(2) مسند أحمد بن حنبل ج1 ص 206 ط.1 .
وأبو يعلى الموصلي والبزار
ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش والفاكهي في
أخبار مكة وابن أبي حاتم واللالكائي الطبري في أصول
اعتقاد أهل السنة والجماعة والآجري في الشريعة وعثمان
بن سعيد الدارمي في النقض وفي الرد على الجهمية وابن
خزيمة في كتاب التوحيد وابن مندة في التوحيد والبيهقي
في الأسماء والصفات وأبو بكر الشافعي في الفوائد
والروياني في مسنده وابن عبد البر في التمهيد وأبو
الشيخ الأصبهاني في العظمـة والمقـدسي في الأحـاديث
المختـارة والـذهبي في العـلو وغيرهم . (1)
(1) سنن الترمذي ج5 ص 395 ح 3320 ط. دار الكتب العلمية
سنة 1408هـ- 1987م ، سنن أبي داود ج4 ص 231 ط. دار
الفكر / بيروت ، عون المعبود شرح سنن أبي داود ج7 ص 4-
إلى – 6 ط. دار الكتب العلمية سنة 1410هـ- 1990م ،
سنن
ابن ماجة ج1 ص 69 ح 193 ط. دار الكتب العلمية ، وأيضاً
ط. دار الفكر ، البحر الزخار المعروف بمسند البزار ج4
ص 135 ح 1310 ط. مكتبة العلوم والحكم / المدينة
المنورة ط.1 سنة 1414هـ- 1993م ، الأسماء والصفات للبيهقي ص 526 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
مسند أبي
يعلى الموصلي ج12 ص 76 ح 6713 ط. دار المأمون للتراث /
دمشق سنة 1404هـ- 1984م ، أخبار مكة للفاكهي ج3 ص 76 ،
77 ح 1827 ط. 1 مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة تحقيق عبد
الملك بن دهيش سنة 1407هـ- 1087م
=>
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
403
أقوال من صحح خبر الأوعال
صحح هـذا الحـديث واحتـج به عـدة من علماء السنة و
لاسيما الحنابـلة ومنهم :
=>كتاب العرش لمحمد
بن عثمان بن أبي شيبة ص 319 – إلى – 322 ط. مكتبة
الرشد – وشركة الرياض للنشر والتوزيع / الرياض سنة
1418هـ- 1998م ، الرد على الجهمية للدارمي ص 50 ح 72
ط. دار ابن الأثير / الكويت ط2 سنة 1416هـ- 1995م ،
التمهيد في شرح الموطأ ج7 ص 140 ط. مؤسسة قرطبة –
وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية / المغرب سنة
1387 ، الأحاديث المختارة للمقدسي ج8 ص 374 ، و375 ح
462 وص 376 ح 464 ط. مكتبة النهضة الحديثة / مكة
المكرمة سنة 1410 هـ ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة
والجماعة ج3 مجلد 2 ص 389 ، 390 رقم 650 وص 390 ، 391
رقم 651 ط. دار طيبة للنشر والتوزيع / الرياض ط2 سنة
1411هـ ، كتاب التوحيد لابن خزيمة ص 101 ، 102 ط. دار
الكتب العلمية سنة 1403هـ- 1983م ،
السنة لابن أبي
عاصم ج1 ص 253 ح 577 وص 254 ح 578 ط. المكتب الإسلامي
/ بيروت – دمشق سنة 1400 هـ- 1980م ،
كتاب العظمة لأبي
الشيخ الإصبهاني ص 82 رقم 206 ط. دار الكتب العلمية
سنة 1414هـ- 1994م ، وج2 ص 566 ، 567 رقم 15 ط. دار
العاصمة / الرياض سنة 1408هـ ، الشريعة للآجري ص 292 ،
العلو للعلي الغفار للذهبي ص 59 ط. مكتبة أضواء السلف
/ الرياض سنة 1995م ، إثبات صفة العلو لابن قدامة
المقدسي ص 59 ط. الدار السلفية / الكويت سنة 1406هـ ،
فردوس الأخبار للديلمي ج5 ص 130 ، وغير ذلك من المصادر
.
تقدم تصحيحه للخبر المتقدم في المستدرك على الصحيحين .
2- الحافظ الذهبي
تقدم أيضاً تصحيحه للخبر المذكور في تلخيص المستدرك .
3- ابن تيمية
ذكر ابن تيمية المناظرة التي جرت بينه وبين خصومه حول
العقيدة الواسطية وكان من جلة ما اعترضوا عليه القول
بأسطورة الأوعال ، يقول أثناء سرده لما جرى معهم : ...
وطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة
ليطعن في بعضها ، فعرفت مقصوده . فقلت : كأنك قد
استعددت للطعن في حديث الأوعـال : حديث العباس بن عبـد
المطلب .
يقول ابن تيمية : وكانوا قد اعنتوا حتى ظفروا بما تكلم
به زكي الدين عبد العظيم من قول البخاري في تأريخه :
عبد الله بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف . فقلت :
هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود ، وابن
ماجة ، والترمذي ، وغيرهم ، فهو مروي من طريقين
مشهورين فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر .
فقال : أليس مداره على ابن عميرة ، وقد قال البخاري :
لا يُعرف له سماع من الأحنف ؟
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
405
فقلت : قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد
الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن
العدل موصولاً إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم .
قلت : والإثبات مقدم على النفي ، والبخاري إنما نفى
معرفة سماعه من الأحنف ، لم ينف معرفة الناس بهذا ،
فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به
الإسناد كان معرفته وإثباته مقدماً على نفي غيره وعدم
معرفته .
قال ابن تيمية بعد ذلك : ووافـق الجماعة ، وأخـذ بعض
الجماعة يذكر من
المدح ما لا يليق أنْ أحكيه ... (1)
4- ابن قيم الجوزية
صحح الخبر المتقدم ابن قيم الجوزية في حاشيته على سنن
أبي داود ، وقال بعد أنْ ذكر بعض الإشكالات منها تعارض
الحديث مع حديث آخر يروى عن أبي هريرة وبعد أنْ دفع
التعارض : فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ، ولو كان
من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً . (2)
ونقل قول ابن قيم الجوزية أبو العلاء المباركفوري في
تحفة الأحوذي . (3)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 191 ، 192 .
(2) حاشية ابن قيم الجوزية المطبوعة مع
عون المعبود في
شرح سنن أبي داود ج7 ص 8 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1410هـ- 1990م .
(3) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ج9 ص 166 ط. دار
الكتب العلمية سنة 1410هـ- 1990م .
تقدم أنه أخرج الحديث في كتاب التوحيد وقد اشترط أنْ
لا يخرج فيه إلا الأحاديث الصحيحة عنده المتصلة
الإسناد إلى الرسول الأعظم (ص) .
6- محمد بن عيسى الترمذي
صاحب السنن وهو أحد الصحاح الستة ، قال في سننه بعد
أنْ أورد الحديث : هذا حديث حسن غريب . (1)
هذه بعض نصوص أسطورة الأوعال وكلمات بعض كبار علماء
السنة الذين صححوها من الحنابلة وغير الحنابلة ، التي
هي الأخرى أقرب منها إلى عقائد الوثنيين من عقائد
الموحدين ، يقول العالم السني الأشعري الكوثري بشأنْ
هذه الأسطورة : ومن راجع أساطير اليونانيين الأقدمين
في آلهتهم وركوبهم عروشاً ومراكب تحملها وتجرها علم
مصدر تلك الخرافة ولو لم يكن له نصيب من الصناعة
الحديثية أو من علم أصول الدين . (2)
(1) سنن الترمذي ج5 ص 396 ح 3320 .
(2) مقالات الكوثري ص 285 ط. المكتبة التوفيقية /
القاهرة .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
407
وهذه العقيدة من أهم لوازمها التجسيم والتحيز والجهة ،
وكل ذلك ممتنع على الباري عز وجل ، غاية الأمر أنّ
الأوعال والعرش ومن عليها حسب هذه الرواية الخرافية
أجسام ضخمة جداً ، فالفرق بينها وبين الأجسام
المتعارفة هو أنّ تلك الأجسام بما فيها العرش الذي في
مخيلتهم الواهية ومن عليه أجسام في غاية الضخامة ،
بينما الأجسام المتعارفة ضئيلة جداً بالنسبة لها ،
تعالى الله عز وجل عما يقولون ويصفون من الأباطيل
والضلالات علواً كبيراً .