الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 425

الفصل الثامن
قولهم بأنّ الله عز وجل يتكلم بذاته بالحرف والصوت

في مقابل إنكار عدد كبير من علماء السنة ومنهم علماء الأشاعرة الفكرة القائلة بأنّ الباري عز وجل يتكلم بالحرف والصوت ، بل بعضهم كفّر من يقول بذلك ، غير أنّ المعروف عند الحنابلة هو أنّ الباري عز وجل يتكلم بالحروف والأصوات ، يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (1): وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أنّ القرآن العربي كلام الله ، وكذا التوراة ، وأنّ الله لم يزل متكلماً إذا شاء ، وأنه تكلم بحروف القرآن ، وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته ، وقالوا إنّ هذه الحروف والأصوات قديمة العين ، لازمة الـذات ... الخ ، وقـال أيضـاً : وأثبتت الحنـابلـة أنّ الله متكـلم بحـرف وصوت (2) ، وهذه بعض كلمات الحنابلة :

 

(1) فتح الباري ج13 ص 557 ذيل ح7484 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1410 هـ- 1989م ، تحقيق عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي .
(2) فتح الباري ج13 ص 563 .

 
 

426 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

1- أحمد بن حنبل إمام الحنابلة

يقول أحمد بن حنبل أثناء ذكره لعقيدة أهل السنة والجماعة في نظره : وأنّ الله تكلم بالصوت والحرف . (1)

وقال الخلال : أخبرنا محمد بن علي بن بحر ، أنّ يعقوب بن بختان حدثهم أنّ أبا عبد الله سئل عمن زعم أنّ الله لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى تكلم بصوت ، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها ... الخ .(2)

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي رحمه الله عن قوم يقولون : لما كلّم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى إنّ ربك عز وجل تكلم بصوت ، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت . (3)

وقال ابن تيمية : قال الخلاّل : وأنبأنا أبو بكر المروذي ، سمعت أبا عبد الله وقيل له : إنّ عبد الوهاب قد تكلم وقال : من زعم أنّ الله كلّم موسى بلا صـوت فهـو جهمي عـدو الله وعـدو الإسـلام . فتبسم أبو عبد الله وقال : ما أحسن ما قال ، عافاه الله . (4)

 

(1) العقيدة لأحمد بن حنبل برواية أبي بكر الخلال ص 107 ط. دار قتيبة / دمشق ط.1 سنة 1408هـ- 1988م .
(2) نقله عن الخلال ابن تيمية في درء التعارض ج2 ص 38 تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم .
(3) كتاب السنة ج1 ص 280 رقم 533 ط. رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ- 1996م .
(4) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ج2 ص 38 ، 39 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 427

وقال أيضاً : قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة : قلت لأبي : إنّ ههنا من يقول إنّ الله لا يتكلم بصوت ؟ فقال : يا بني ، هؤلاء جهمية كفار ، إنما يدورون على التعطيل . قال ابن تيمية : وذكر الآثار في خلاف قولهم . (1)

2- عبد القادر الجيلاني

يقـول عبـد القـادر الجيـلاني في الغنيـة : وقـال تعـالى لموسى عليه السلام : ( إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) كل هـذا لا يكون إلا صوتاً ...

إلى أن قال : وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن أنس رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : يحشر الله سبحانه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ...

إلى أن قال : وروي عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن الأعمش ، عن مسلم بن مسروق ، عن عبد الله رضي الله عنه قال : إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً حتى إذا فزِّع عن قلوبهم قال : سكـن عن قلوبهم ... (2)

 

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 368 .
(2) الغنية لطالبي الحق للجيلاني ص 90 ، 91 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت سنة 1416هـ- 1996م .

 
 

428 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

3- ابن تيمية

يقول ابن تيمية : بل مذهب السلف أنّ القرآن كلام الله ، حروفه معانيه والكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدءاً لا إلى من قاله مؤدياً ، وأنّ الله تكلم بالصوت . (1)

وقال أيضاً : ... ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول : إنّ الله لم يتكلم بصوت ، فأنكر أحمد ذلك ، وكذلك أنكر على من يقول إنّ الحروف مخلوقة . (2)

وقال ناقلاً قول السلف : بل قالوا : إنّ الله يتكلم بصوت وأنه ينادي بصوت كما دلت عليه النصوص . (3)

وقال أيضاً : بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة أنّ الله يتكلم بصوت ، وجاءت في ذلك آثار مشهورة عن السلف والأئمة ، وكان السلف والأئمـة يذكـرون الآثـار التي فيها ذكر تكـلم الله بالصـوت ولا ينكـرها منهم أحـد . (4)

 

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 208 .
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 368 .
(3) كتاب الصفدية لابن تيمية ج2 ص 68 ط. دار الهدى النبوي / مصر – المنصورة ، دار الفضيلة / الرياض سنة 1421هـ- 2000م
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج6 ص 527 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 429

ويقول أيضاً : وجمهـور المسلمين يقولون : أنّ القرآن كلام الله ، وقد تكلم الله به بحرف وصوت ، وقالوا إنّ الحروف والأصوات قديمة الأعيان . (1)

4- أحمد بن إبراهيم الواسطي

قال في كتابه صفات الرب : ... وأما مسألة الحرف والصوت فتساق هذا المساق ، فإنّ الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد بجميع حروفه ، فقال تعالى : ( آلمص ) وقال : ( ق والقرآن المجيد ) ، وكذلك جاء الحديث : فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب . (2)
إلى أن قال : والتحقيق هو أنّ الله تعالى تكلم بالحرف كما يليق بجلاله وعظمته . (3)

5- أبو العباس بن سريج

نقل ابن قيم الجوزية في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية عن أبي العباس بن سريج الذي وصفه بأنه إمام الشافعية في وقته

 

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 556 .
(2) صفات الرب للواسطي ص 26 ط. المكتب الإسلامي / بيروت سنة 1394 .
(3) صفات الرب للواسطي ص 27 .

 
 

430 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

أنه قال أثناء ذكره عقائد السنة : وحديث خلق الله آدم على صورته ، وقوله : لا تقبحوا الوجه ، فإنّ الله خلق آدم على صورة الرحمن ، وإثبات الكلام بالحرف والصـوت وباللغات ، وبالكلمات ، وبالسور ... (1)

هذه بعض كلمات أئمة الحنابلة بأنّ الله عز وجل يتكلم بالحرف والصوت ، وليتهم وقفوا عند هذا الحد ، فهذا أحمد بن حنبل عندما سأله ولده عمن لم يقل بأنّ الله عز وجل يتكلم بالحرف والصوت أجاب فيما تقدم من كلامه قائلاً : > هؤلاء جهمية كفار ، إنما يدورون على التعطيل < ومنه يظهر أنّ قائمة الكفار عند الحنابلة وأئمتهم يندرج فيها عدد هائل من المسلمين وعلمائهم سواء الموافقون لهم في بعض المسائل العقائدية كالاعتقاد بالإمامة أو المخالفون لهم في ذلك ، فالمخالفة لهم في كل مسألة من المسائل المتقدمة وغيرها أيضاً مما سيأتي التعرض لغيرها يستوجب الكفر ، بل حسمها بعضهم كأبي حاتم الحنبلي الرازي الذي يُعرف بـ > خاموش < عندما قال فيما تقدم من كلامه > من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم < ، ووافقه عليها أبو إسماعيل الأنصاري ، فقد كفر الأشاعرة ،

 

(1) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص 128 ، 129 ط. مكتبة دار البيان / دمشق ط.3 سنة 1421هـ - 2000م

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 431

بل وغيرهم ونقل كلام خاموش الحنبلي معتزاً به ومستدلاً به على حسن عقيدته ، وسبقهما أبو جعفر الشريف الذي صرح كما تقدم كلامه أنّ الحنابلة يعتقدون بأنّ من خالفهم في الإعتقاد فهو كافر ، بما في ذلك الأشاعرة .

ثم إنّ علماء الأشاعرة لم يقبلوا القول بأنّ الله عز وجل يتكلم بالحرف والصوت ، فهم جهمية كفار وفقاً لكلام أحمد بن حنبل المتقدم ، ولكنهم قالوا بأنّ الباري عز وجل وإنْ لم يتكـلم بالحرف والصـوت ، ولكنه إذا تكلم
يمكن سماع كلامه (1) .

قال سعد الدين التفتازاني وهو من كبار علماء المذهب الأشعري في مناقشة الحنابلة : ثم قالت الحنابلة والحشوية : إنّ تلك الأصوات والحروف مع توليها وترتب بعضها على البعض ، وكون الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقاً بالحرف المتقدم عليه كانت ثابتة في الأزل ، قائمة بذات الباري تعالى وتقدس ، وأنّ المسموع من أصوات القراء والمرئي من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى ، وكفى شاهداً على جهلهم ما نقل عن بعضهم أنّ الجلدة والغلاف أزليان ، وعن بعضهم أنّ الجسم الذي كتب به القرآن

 

(1) الإنصاف لأبي بكر الباقلاني ص183 ط. عالم الكتب / بيروت سنة 1407هـ0 1986م السيف الصقيل للسبكي ص 68 ط. مكتبة زهران / القاهرة .

 
 

432 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

فانتظم حروفاً ورقوماً هو بعينه كلام الله تعالى ، وقد صار قديماً بعدما كان حادثاً ... (1)

وبالجملة ، فالحنابلة يتفقون على أنّ كلام الله تعالى قديم ، وأنه يتكلم بالحروف والأصوات ، وأنّ تلك الحروف والأصوات قديمة أيضاً ، وأنّ الكلمات التي يتكلم بها الباري عز وجل هي نفس الكلمات المتداولة ، فحينئذ جميع المخلوقات والكائنات التي تكلم عنها الله عز وجل ، سواء في القرآن الكريم أو في غيره أيضاً ، وإنْ لم تكن قديمة ، بل محدثة ومخلوقة لله عز وجل ، ولكن أسماء المخلوقات تكلم بها الله عز وجل بنفسه حسب زعمهم كإبليس وفرعون وهامان وقوم عاد وثمود وقابيل هي أسماء قديمة غير مخلوقة لله عز وجل ، بل على زعمهم هي أسماء قائمة بذاته تبارك وتعالى عما يصفون ، وسيأتي مناقشة كلامهم ورده إنشاء الله تعالى مفصلاً عند التعرض لقولهم في كلام الله عز وجل .

 

(1) شرح المقاصد للتفتازاني ج4 ص 144 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب