الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 443

الفصل الحادي عشر
القول بأنّ الباري عز وجل محدود بحد
تعالى عما يقولون علواً كبيراً

من الأقوال الغريبة التي تقتضي الافتقار والحاجة كما سنبين إنشاء الله تعالى وبالتالي تستلزم نفي الربوبية والألوهية ، قولهم بأنّ للباري عز وجل حداً محدوداً ، يعلمه هو ، وبالتالي فإنّ له مبدأ ومنتهى ، والعجيب تهمتهم لمن أنكر ذلك بالكفر ، وهذه بعض كلماتهم :

1- ابن تيمية

قال ابن تيمية : ... فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله ، وجحد آيات الله . (1)

 

(1) در تعارض العقل والنقل ج2 ص 58 ط. تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ط.2

 
 

444 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

ويقول رداً على الفخر الرازي : وأما وصفه بالحد والنهاية الذي تقـول أنت : في معنى الجسم فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال : منهم من يثبت ذلك ، كما هو المنقول عن السلف والأئمة ... الخ . (1)

وقال أيضاً : وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه ...الخ . (2)

أقول : وبهذا يتضح أنّ جميع من يقول بعدم محدودية وجود الله عز وجل وفيهم بعض الحنابلة ومنهم ابن حبان وغيره كفار في نظر ابن تيمية .

2- عثمان بن سعيد الدارمي

قال ابن تيمية : وقال عثمان بن سعيد الدارمي : ولله تعالى حد لا يعلمه أحد غيره ، ولا يجوز لأحد أنْ يتوهم لحده غاية في نفسه ، ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله ، ولمكانه أيضاً حد ، وهو على عرشه فوق سماواته ، فهذان حدان اثنان . (3)
ونقل عنه ابن تيمية أنه قال : ... فهذا كله شواهد ودلائل على الحد ، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله . (4)

 

(1) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 52 .
(2) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 163 .
(3) درء تعارض العقل والنقل ج2 ص 57 ، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ج1 ص 472 وج2 ص 158 .
(4) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 158.

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 445

3- عبد الله بن المبارك

قال ابن تيمية : وسئل عبد الله بن المبارك : بم يعرف ربنا ؟ قال : بأنه على عرشه بائن من خلقه . قيل : بحد ؟ قال : بحد . (1)

وقال أيضاً : ... لأن الجهمية كانوا يقولون : ليس له حد وما لا حد له لا يباين المخلوقات ، ولا يكون فوق العالم ، لأن ذلك مستلزم للحد ، فلما سألوا أمير المؤمنين في كل شيء عبد الله بن المبارك : بماذا نعرفه ؟ قال : بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ، فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهمية وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو موجود فوق العرش ومباينته للمخلوقات . فقالوا له : بحد ؟ قال : بحد . وهذا يفهمه كل من عرف ما بين قـول المؤمنين أهـل السنـة والجماعة وبين الجهميـة الملاحـدة من الفرق . (2)

 

(1) درء تعارض العقل والنقل ج2 ص 57 ، بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 472 وج2 ص 158.
(2) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 443 .

 
 

446 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

3 ، 4- يحيى بن عمارة الواعظ وأبو إسماعيل الأنصاري

يقول الذهبي في ترجمة أبي حاتم بن حبان صاحب كتاب الصحيح وكتاب الثقات وكتاب المجروحين وغير ذلك من المصنفات : وقال أبو إسماعيل الأنصاري : سمـعت يحيى بن عمارة الواعـظ وقد سألته عن ابن حبان ، فقـال : نحن أخرجناه من سجستان ، كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين فأنكر الحد لله ، فأخرجناه .

قـال الذهبي : قلت : إنكاركم عليه بدعـة أيضاً ، والخـوض في ذلك مما لم يأذنْ به الله ، ولا أتى نص بإثبات ذلك ولا بنفيه ، ومن حسن إسلام المرء تركـه مـا لا يعنيـه ، وتعـالى الله أنْ يحـد أو يوصف إلا بما وصـف به نفسـه ...الخ . (1)

وقال ابن تيمية : وقال شيخ الإسلام : وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم ابن حبان البستي قلت : رأيته ؟ قال : كيف لم أره ، ونحن أخرجناه من سجستان ، كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين ، قدم علينا ، فأنكر الحد لله ، فأخرجناه من سجستان . (2)

 

(1) سير أعلام النبلاء ج16 ص 97 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1403هـ- 1983م .
(2) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 440 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 447

5، 6- أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه

قال ابن تيمية : ثم من كان من السلف اخبر بحال الجهمية مثل الذين كانوا يباشرونهم من السلف والأئمة الذين بالعراق وخراسان إذ ذاك فإنهم كانوا أخبر بحقيقة أمرهم لمجاورتهم لهم ، فإنهم قد يتكلمون بنقيض ما نفوه ، وقد يتوقف بعضهم عن إطلاق اللفظ ، مثل لفظ الحد ، فان المشاهير بالإمامة في السنة أثبتوه كما ذكره عثمان بن سعيد عنهم وسمى ابن المبارك ، وذكر شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب ذم الكلام بإسناده ما ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق في مسائلة عنهما وعن غيرهما . قال : قلت لإسحـاق بن إبراهيم : ما تقول في قوله ما يكون من نجوى ثلاثة الآية قال حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه : قلت لإسحاق : على العرش بحد ؟ قال : نعم بحد ، وذكره عن ابن المبارك قال هو على عرشه بائن من خلقه ... الخ . (1)

 

(1) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 160 ، 161 .

 
 

448 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

مناقشة ما ذكروه من محدودية الباري
تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً

تبين مما تقدم أنّ الحنابلة وبعض من سبقهم حسب مصادرهم التي تقدم النقل عنها ليس فقط يقولون بأنّ الباري عز وجل محدود بحد ، بل يحكمون بكفر من أنكر الحد لله عز وجل ، فما أكثر علماء المسلمين وغير العلماء منهم أيضاً ممن حكموا عليهم بالكفر والخروج عن ملة الإسلام ، وما أهون ذلك عليهم عندما تخرج تلك الكلمات المسمومة من أفواههم التي اعتادت على الصلافة والازدراء بكل من خالفهم في القول ، وقد خالفهم في ذلك عدد كبير من علماء المسلمين من السنة أنفسهم فضلاً عن غير السنة ، فممن صرح بعدم المحدودية الفخر الرازي ، حيث ذكر في أساس التقديس ، أنّ التناهي والمحدودية يلزم منهما الحدوث ، والخالق تبارك وتعالى ليس بحادث . (1)

وممن قال بنفي الحد عبد القاهر البغدادي الذي طالما أوصى علماء الوهابية من أمثـال عبـد العـزيز بن باز بقراءة كتبه بسبب تحاملـه وطعنه على الشيعـة وأقاويله الكـاذبة عنهم ، فقـد ذكر في كتـابه أصول الدين أنه لا حد ولا نهاية للخالق تبارك وتعالى . (2)

 

(1) أساس التقديس ص 51 .
(2) أصول الدين ص 73 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1401 هـ- 1981م ، المصورة عن ط. مدرسة الإلهيات بدار الفنون التركية باستانبول ط.1 سنة 1346هـ- 1928م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 449

وقد تقدم أنّ الحافظ ابن حبان كان ممن ينفي الحد عن الله تبارك وتعالى .

وقد تقرر في محله أنّ المحدودية مساوقة للإمكان والافتقار الذاتي ، فكل محدود فهو مفتقر بالذات (1) ، وكل مفتقر بالذات فهو محتاج إلى العلة ، فلا يمكن وصفه حينئذ بأنه واجب الوجود ، ولا يمكن أنْ يكون هو الذي ينتهي إليه الوجود ، بل يكون من مخلوقات الأوهام القاصرة العاجزة ، وأما الخالق تبارك وتعالى ، فهو واجب الوجود بالذات ، الغني بالذات ، فلا بد وأنْ يكون ليس بمحدود ، ويرشدك لذلك بطلان معنى العدم ، فالعدم (2) بطلان محض ، لا يصح أنْ نحكم عليه بشيء من الأحكام الثبوتية ، فإذا قلنا بأنّ الوجود ينتهي إلى حد معين ، فإذا كان هذا الحد هو العدم ، لزم في العدم أنْ يكون مما يشار إليه ، والعدم لا يمكن أنْ يشار إليه بسبب كونه باطلاً لا تحقق له ، والوجـود تقـرر في محله أنه لا ثاني له ، فوجب أنْ يكـون واجب الوجود الغني بالذات لا حد لوجوده .

نعم العقول لا يمكنها تصور ذلك لقصورها ولامتناع إحاطة المحدود بما لا حدود له ، ولذا قال أمير المؤمنين ومولى الموحدين (ع) عن الباري عز وجل بأنه لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حد محدود .

 

(1) راجع : أساس التقديس للفخر الرازي ص 51 .
(2) المقصود هنا العدم بالحمل الشايع حسب الإصطلاح ، وأما العدم بالحمل الأولي فهو من المفاهيم الذهنية .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب