الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
471
الفصل الرابع عشر
الكلام في مسألة العلو
هذه المسألة من المسائل التي تشدد فيها علماء الحنابلة
، وأصروا على أنّ الباري عز وجل ليس موجوداً في كل
مكان ، وأوردوا بعض الشبهات سنتعرض إنشاء الله تعالى
لذكرها والرد عليها ، وذهبوا إلى أنّ الله تبارك
وتعالى عما يصفون موجود فوق العرش فوق السماء السابعة
، بل وحكموا بكفر من أنكـر صفـة العلـو على العرش فـوق
السماء السابعة وهـذه بعـض
كلماتهم :
1- ابن قدامة المقدسي
قال : ... فإنّ الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء
، ووصفه بذلك رسوله محمد (ص) خاتم الأنبياء (ع) ، وأجمع
على ذلك جميع العلماء الأتقياء ، والأئمة من الفقهاء ،
وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين ، وجمع
الله تعالى عليه قلوب المسلمين ، وجعله مغروزاً في
طباع الخلق أجمعين ، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون
السماء بأعينهم ، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم ،
وينتظرون مجيء الفرج من ربهم ، وينطقون بذلك بألسنتهم
، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته ، أو مفتون
بتقليد وأتباعه على ضلالته . (1)
(1) إثبات صفة العلو للمقدسي ص 43 ط. دار ابن الأثير /
الكويت سنة 1416هـ- 1995م.
والذي لقبوه بإمام الأئمة ، وقد حكم بكفر من أنكر صفة
العلو ، يقول ابن قدامة المقدسي في كتابه إثبات صفة
العلو : أنبأنا أبو المطهر القاسم بن الفضل بن عبد
الواحد الصيدلاني ، أنبأنا أبو عبد الله الحاكم الحافظ
، قال سمعت محمد بن صالح بن هانيء يقول : سمعت محمد بن
إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى يقول : من لم يقر بأنّ
الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماوات فهو كافر ،
يُستتاب ، فإنْ تاب ، وإلا ضربت عنقه ، وألقي على بعض
المزابل ، حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن
ريح جيفته وكان ماله فيئاً لا يرثه أحدٌ من المسلمين ،
إذْ المسلم لا يرث من الكافر كما قال النبي (ص) . (1)
ونقل الخبر الذهبي في العلو غير أنه قال : قال الحافظ
أبو عبد الله الحاكم سمعت محمد بن صالح بن هانيء يقول
: سمعت إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة
يقول ، وذكر الكلام المتقدم . (2)
(1) إثبات صفة العلو للمقدسي ص 138 ، 139 .
(2) مختصر العلو للذهبي ص 225 ، وراجع أيضاً : ذم
الكلام لأبي إسماعيل الأنصاري ج4 ص 377 رقم 1245 ط.
مكتبة الغرباء الأثرية / المدينة المنورة سنة 1419هـ-
1998م.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
473
ونقل قول ابن خزيمة ابن تيمية وقال : ذكره الحاكم
بإسناد صحيح . (1)
أقول : على ضوء ما ذكره من لقبوه بإمام الأئمة لا بد
من الحكم بكفر عدد كبير من علماء السنة وفقهائهم
والتفريق بينه وبين زوجته وعياله وقتله أيضاً ، ومن
بين هؤلاء مثلاً الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني ،
فقد رفض كما سيأتي ذكر كلامه القول بالعلو ، ونسب ذلك
إلى أكثر أهل السنة ، ولعمري ما أعظم الجناية على الله
عز وجل في إطلاق لفظ الكفر على المسلمين ، ومن ثم
ترتيب أحكامه بهذه السهولة ، بلا ورع ولا تقـوى وبمجرد
التعجل والجهل .
3- الذهبي
صنف الذهبي كتاباً مستقلاً لإثبات صفة العلو حسب زعمه
، ومن جملة ما قاله : مقالة السلف وأئمة السنة ، بل
والصحابة ، والله ورسوله والمؤمنون أنّ الله عز وجل في
السماء ، وأنّ الله على العرش ، وأنه فوق سماواته ،
وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ، وحجتهم على ذلك النصوص
والآثار . (2)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 52 .
(2) مختصر العلو للذهبي ،
تلخيص شيخ الوهابية ناصر
الدين الألباني ص 146 ط. المكتب الإٍسلامي / بيروت –
دمشق –عمّان ط2 ، سنة 1412هـ- 1991م .
قال الذهبي في العلو أثناء كلامه عن أحمد بن حنبل :
فقد تواتر عنه تكفير من قال بخلق القرآن العظيم جل
منزله ، وإثبات الرؤية والصفات والعلو والقدر ...الخ .
(1)
أقول : وما نقلوه عن أحمد بن حنبل في غاية الكثرة ومنه
ما نقله ابن قدامة المقدسي حيث قال : قال أبو بكر
الأثرم : وحدثني محمد بن إبراهيم القيسي : قلت لأحمد
بن حنبل : يُحكى عن ابن المبارك أنه قيل له : كيف نعرف
ربنا ؟ قال : في السماء السابعة على عرشه ، قال أحمد :
هكذا هو عندنا . (2)
5- عثمان بن سعيد الدارمي
يقول عثمان بن سعيد الدارمي في النقض : قد اتفقت
الكلمة من المسلمين
أنّ الله تعالى فوق عرشه ، ويسمع من فوق العرش ، لا
تخفى عليـه خافية من
خلقه ، ولا يحجبهم عنه شيء . (3)
(1) مختصر العلو للذهبي ص 189 .
(2) إثبات صفة العلو ص 129 .
(3) مختصر العلو للذهبي ص 213 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
475
واستدل في كتابه بحديث ثم قال : ففي حديث رسول الله
(ص)
هذا دليل على أنّ الرجل إذا لم يعلم أنّ الله عز وجل
في السماء دون الأرض فليس بمؤمن ... (1)
ويقول أيضاً : فالله تبارك وتعالى ، فوق عرشه ، فوق
سماواته ، بائن من خلقه ، فمن لم يعرفه بذلك ، لم يعرف
إلهه الذي يُعبد ... الخ . (2)
6- ابن تيمية
ابن تيمية ممن أكثر الكلام في مسألة العلو في أغلب ما
كتب في العقيدة ومن عباراته قوله : بل عند الناس أنّ
الله في السماء ، وهو على العرش واحـد إذ السماء إنما
يراد بـه العلـو ، فالمعنى أن الله في العلـو لا في
السفل . (3)
ويقول أيضاً : ... ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة
بالسمع مع العقل والشرع عند الأئمة المثبتة ، وأما
الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط
دون العقل . (4)
ويقول أثناء استدلاله لإثبات العلو : ... فـإذا تبين
ذلك فوجـوب إثبات العلو
لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه . (5)
(1) الرد على الجهمية للدارمي ص 46 ط. دار ابن الأثير
/ الكويت .
(2) الرد على الجهمية ص 47 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 106 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 122 .
(5) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 164 .
وقال أيضاً : ... فلما كانت مسألة العلو هي في نفسها
أعظم وأدلتها أقوى وأكثر والمقرون بها أكثر ، وأكثر من
السلف والأئمة والعامة كانت الطريقة التي يسلكها أهل
الإثبات فيها أقوى من الطريقة التي يسلكوها في مسألة
الرؤية ، وبيان ذلك : أن اعتراف الفطر بأن الله فوق
العالم أعظم من اعترافها بأنه يرى ، ودلالة الكتاب
والسنة وإجماع سلف الأمة على ذلك أعظم من دلالة هذه
الأصول على رؤية الله تعالى ، واعتراف القلوب بأن مالا
يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوما أعظم
من اعترافها بأن مالا يمكن رؤيته لا يكون إلا معدوما ،
وما في القلوب من البديهة والضرورة إلى الأول أعظم مما
فيها من الضرورة والبديهية إلى الثاني ، وكذلك
اعترافها بديهة وضرورة بأن كل موجودين لابد أن يكونا
متباينين أو متحايثين أعظم من اعترافها بأن كل موجود
فلابد وأن تمكن رؤيته ... الخ . (1)
وكلماته في إثبات العلو فوق السماء كثيرة جداً في كتبه
.
وكلماتهم بشأنْ إثبات صفة العلو في السماء كثيرة جداً
، جمع بعضها الحافظ الذهبي في كتابه العلو للعلي
الغفار ، وجمع بعضها ابن قدامة المقدسي في كتابه إثبات
صفة العلو ، فلتراجع .
(1) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 346 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
477
كلمات علماء السنة الذين
أنكر القول بالعلو
مع إصرار علماء الحنابلة على القول بالعلو الحسي فوق
السماء السابعة بالنسبة للباري تبارك وتعالى عما
يقولون علواً كبيراً ، بل وكفّر عدة منهم من لا يقول
بإثبات العلو ، فقد أنكر عدة من علماء السنة ، ومنهم :
1- الحافظ ابن حجر العسقلاني
ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري الحديث
الذي أخرجه البخاري والذي فيه عبارة : > ينزل ربنا إلى
السماء الدنيا < ، ثم قال : استدل به من أثبت الجهة
وقال : هي جهة العلو ، وأنكر ذلك الجمهور ، لأن القول
بذلك يفضي إلى التحيز ، تعالى الله عن ذلك . (1)
2- الفخر الرازي
تعرض الفخر الرازي لنفي الجهة بالنسبة لله عز وجل
مطلقاً سواء جهة العلو أو غيرها ، ومن الكتب التي أكد
فيها على ذلك كتابه أساس التقديس الذي رد عليه ابن
تيمية بعنوان : > بيان تلبيس الجهمية < ،
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص 30 ط. دار
المعرفة / بيروت سنة 1379هـ .
يقول الفخر
الرازي في بداية أساس التقديس : اعلم أنا ندعي وجود
موجود لا يمكن أنْ يشار إليه بالحس أنه ههنا أو هناك ،
أو نقول : إنا ندعي وجود موجود غير مختص بشيء من
الأحياز أو الجهات ، أو نقول : إنا ندعي وجود موجود
غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات
الست التي في العالم ، وهـذه العبـارات متفاوتـة ،
والمقصـود مـن الكل شيء واحد . (1)
وعقد فصلاً قال فيه : في تقرير الدلائل السمعية على
أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة . (2)
وفصلاً آخر قال فيه : في إقامة الدلائل العقلية على
أنه تعـالى ليس بمتحيز البتة . (3)
وفصلاً بعده قال فيه : في إقامة البراهين على أنه
تعالى ليس مختصاً بحيز وجهة بمعنى أنه يصح أنْ يشار
إليه بالحس أنه ههنا أو هناك . (4)
(1) أساس التقديس ص 15 ط. مكتبة الكليات الأزهرية /
القاهرة سنة 1406هـ- 1986م .
(2) أساس التقديس ص 30 .
(3) أساس التقديس ص 48 .
(4) أساس التقديس ص 62 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
479
ثم عقد بعده فصلاً لعرض الشبهات والجواب عنها قال فيه
: في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصاً بالحيز
والجهة . (1)
3- القرطبي
يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى :
( أَأَمِنتُمْ
مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ
فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) (2) :
والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ، ووصفه
بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود ، لأنها
من صفات الأجسام ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى
السماء ، لأنّ السماء مهبط الوحي ، ومنزل القطر ، ومحل
القدس ، ومعدن المطهرين من الملائكة ، إليها تُرفع
أعمال العباد ، وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة
قبلة للدعاء والصلاة ، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير
محتاج إليها ، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان
ولا مكان له ولا زمان . (3)
وقال أيضاً : والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه
وإذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز ، فمن
ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء
المتقدمين
(1) أساس التقديس ص 79 .
(2) سورة الملك : 16 .
(3) تفسير القرطبي ج18 ص 216 ط. دار الكتاب العربي /
بيروت .
وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى
عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ، لأنه يلزم من ذلك
عندهم متى اختص بجهة أنْ يكون في مكان أو حيز ، ويلزم
على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز والتغير
والحدوث ... (1)
4- أبو حامد الغزالي
قال في كتابه قواعد العقائد : الأصل السابع ، العلم
بأنّ الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات ،
فإنّ الجهة إما فوق وإما سفل ، وإما يمين وإما شمال ،
أو قدام أو خلف ، وهذه الجهات هو الذي خلقها أو أحدثها
بواسطة خلق الإنسان ، إذْ خلق له طرفين ، أحدهما يعتمد
على الأرض ويسمى رجلاً والآخر يقابله ويسمى رأساً ،
فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس ، واسم السفل لما
يلي جهة الرجل . (2)
إلى أنْ قال : فكيف كان في الأزل مختصاً بجهة والجهة
حادثة ، أو كيف صار مختصاً بجهة بعد أنْ لم يكن له
أبان خلق العالم فوقه ، وتعالى عن أنْ يكون له فوق
...الخ . (3)
إلى أنْ قال : فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة
السماء ، فهو لأنها قبلة الدعاء ،
(1) تفسير القرطبي ج7 ص 219 .
(2) قواعد العقائد ص 162 ط. عالم الكتب / بيروت ط2 سنة
1405هـ- 1985م .
(3) قواعد العقائد ص 163 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
481
وفيه أيضاً إشارة
إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء ، وتنبيهاً
بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء ، فإنه تعالى
فوق كل موجود بالقهر والإستيلاء . (1)
ويقول في الاقتصاد : ندعي أنّ صانع العالم ليس بجوهر
متحيز ، لأنه قد ثبت قدمه ، ولو كان متحيزاً لكان لا
يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه ، وما لا يخلو
عن الحوادث فهو حادث كما سبق ... (2)
5 / 6 - عضد الدين الإيجي والشريف الجرجاني
تحدث في كتابه المواقف الإيجي في المواقف عن صفات الله
عز وجل السلبية ، وذكر أنّ من بين تلك الصفات أنه
تعالى منزه عن الجهة ، يقول الشريف الجرجاني شارحاً
متن المواقف (3) : (المقصد الأول أنه ليس في جهة ولا
مكان أنه تعالى ليس في جهة ) من الجهات ( ولا في مكان
) من الأمكنة ( وخالف فيه المشبهة وخصصوه بجهة الفوق )
اتفاقاً ( ثم اختلفوا) فيما بينهم ، فذهب أبو عبد الله
( محمد بن كرام إلى أنّ كونه في الجهة ككون الأجسام
فيها ) وهو أنْ يكون بحيث يشار
(1) قواعد العقائد ص 165 .
(2) الإقتصاد في الاعتقاد
ص 71 ط. دار ومكتبة الهلال
سنة 1993م .
(3) ما بين القوسين كلام القاضي الأيجي والباقي كلام
الشريف الجرجاني .
إليه أنه ههنا أو هناك
قـال : ( وهو مماس للصفحة العليا من العرش يئط تحته
أطيط الرجل الحديد ) تحت الركب الثقيل (و) قالوا إنه
يفضل على العرش من كل جهة أربعة أصابع ، وزاد بعض
المشبهة كمضر وأحمد الهجيني أنّ (المخلصين ) من
المؤمنين ( يعانقونه في الدنيا والآخرة ) ...الخ . (1)
7- سعد الدين التفتازاني
قال في شرح المقاصد : أنه تعالى ليس بجسم ، ولا جوهر ،
ولا عرض ، ولا في مكان وجهة . (2)
إلى أنْ قال : ... صفاته صفات كمال يتصف بها لذاته ،
وأضدادها صفات نقص تنزه عنها لذاته ، بخلاف الأضداد
المتواردة على الأجسام ، فإنها قد تكون متساوية
الأقدام ، وفي نفي الحيز والجهة وجوه . (3)
ثم شرع بذكر الأدلة الدالة على بطلان الحيز والجهة .
8- القاضي البيضاوي
صاحب التفسير المعروف ، وهو من كبار علماء الأشاعرة ،
قال في كتابه طوالع الأنوار : الله تعالى ليس بجسم
خلافاً للمجسمة ، ولا في جهة خلافاً للكرامية والمشبهة
. ثم أقام الأدلة على نفي الحيز والجهة . (4)
(1) شرح المواقف ج8 ص 22 ط. دار الكتب العلمية /بيروت
سنة 1419هـ- 1998م .
(2) شرح المقاصد ج4 ص 43 .
(3) شرح المقاصد ج4 ص 45 .
(4) طوالع الأنوار ص 169 ط. دار الجيل / بيروت –
المكتبة الأزهرية للتراث / القاهرة سنة 1411هـ- 1991م
.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
483
9- أبو يعلى الفراء
وهذا التصريح لأبي يعلى الفراء مع دفاعه عن عقائد
الحنابلة في غاية الغرابة يقول أبو يعلى الفراء : ولا
يجوز عليه الحد ، ولا النهاية ، ولا قبل ولا بعد ، ولا
تحت ولا قدام ولا خلف ، لأنها من صفات لم يرد الشرع
بها وهي صفات توجب المكان . (1)
10- التاج السبكي
رد على قول ابن القيم بالفوقية الحسية في السماء ، ومن
جملة ما ذكره في الرد عليه أثناء بيانه لعلة رفع
الأيدي إلى السماء أثناء الدعاء : إنّ القلب متوجه إلى
الرب العالي قدراً وقهراً على كل شيء ، والإشارة إلى
جهة العلو التي هي محل ملكه وسلطانه وملائكتـه
والعليين من خلقه ، وقبلـة دعـائـه ،
ومنزل وحيه ، وهكذا رفع الأيدي إلى الدعاء . (2)
(1) نقله الكوثري عن كتابه < المعتمد في المعتقد > في
حاشيته على السيف الصقيل للسبكي ص 114 ، وقال : ولعله
آخر مؤلفاته ...الخ.
(2) السيف الصقيل ص 104 ط. مكتبة زهران / القاهرة سنة
1993م .
أحمد بن علي الحنفي المتوفى سنة ( 370هـ ) ، يقول في
كتابه شرح بدء الأمالي : والعرش ليس له مكان وقرار ،
فمن قال : إنّ العرش له مكان وقرار فهو كذب وافترى ،
فلو كان له إليه فقبله أين كان الله تعالى عز وجل
علواً كبيراً ؟!! والله تعالى ليس على مكان ، ولا في
مكان ، ولا في الجهات ، ولا في الزمان ، بل كان و لا
مكان ولا زمان ، وهو الآن على ما عليه كان ، ولا يحويه
زمان ولا ينتابه زمان ، ورفع الأيادي عند السماء
تعبداً له محض (1) ، لأنه سبحانه وتعالى ليس في السماء
، كالتوجه إلى الكعبة في الصلاة قبلة السماء ، والسماء
قبلة الدعاء ، ولا يوصف له جلوس ، والحضور في الذهاب
والمجيء ... (2)
إلى أنْ قال : ... لأنّ الله تعالى لا يحل في شيء ،
ولا يحل فيه شيء ، وكيف يحل فيه شيء ما منه ؟ وكيف وهو
أنشأه ، تعالى الله عن أنْ يحويه مكان أو يحده مكان أو
يحده زمان ، وهو لا في شيء ولا على شيء ، ولا من شيء ،
فمن زعم هكذا فقد كفر ، لأنه لو كان في شيء لكان
محصوراً ، ولو كان على شيء لكان محمولاً ، ولو كان من
شيء لكان محدثاً ، تعالى الله عن ذلك . (3)
(1) المقصود بالتعبد هنا الأخذ بالشيء مع الجهل بالسبب
وعدم التمكن من معرفة العلة .
(2) شرح بدء الأمالي ص 201 ، 202 ط. دار الكتب العلمية
/ بيروت سنة 1422هـ- 2001هـ .
(3) شرح بدء الأمالي ص 202 ، 203 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
485
12- بدر الدين العيني
المتوفى سنة ( 855هـ ) قال في شرحه المعروف على صحيح
البخاري أثناء شرحه لحديث النزول الذي سيأتي الكلام
عنه إنشاء الله تعالى : احتج به قوم على إثبات الجهة
لله تعالى ، وقالوا : هي جهة العلو ، وممن قال بذلك
ابن قتيبة وابن عبد البر ، وحكي أيضاً عن أبي محمد بن
أبي زيد القيرواني ، وأنكر ذلك جمهور العلماء ، لأنّ
القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة ، وقد تعالى الله
عن ذلك . (1)
13- أبو عبد الله الأبي المالكي
قال في شرحه المعروف على صحيح مسلم أثناء شرحه لحديث
النزول : والمجسمة القائلون بالجهة يمرون ذلك على
ظاهره ، ويحتجون به لمذهبهم ، ويثبتون لله تعالى جهة
فوق ، وهو فوق العرش ، ويجعلون النزول حقيقة ، حتى أنّ
بعض غلاتهم نزل من إدراج كرسيه وقال : هكذا تمشى
للنزول المذكور في الحديث ، تعالى الله عن ذلك
لاستحالة الحركة في النقلة عليه سبحانه وتعالى ، ثم
الأظهر من قول أهل الحق التأويل ، وهو اختيار الإمام (2) ثم استشهد بكلام إمام الحرمين الجويني في الإرشاد .
(3)
(1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج7 ص 199 ط. دار
الفكر / بيروت .
(2) يقصد به أبا الحسن الأشعري .
(3) إكمال إكمال المعلم لأبي عبد الله الأبي المالكي
ج2 ص 385 ط. دار الكتب العلمية .
قال في كتاب الأسماء والصفات : وفيما كتب إليّ الأستاذ
أبو منصور بن أبي أيوب : أنّ كثيراً من أصحابنا ذهبوا
إلى أنّ الاستواء هو القهر والغلبة ، ومعناه أنّ
الرحمن غلب العرش وقهره ، وفائدته الإخبار عن قهره
مملوكاته ، وأنها لم تقهره ، وإنما خص العرش بالذكر ،
لأنه أعظم المملوكات ، فنبه بالأعلى على الأدنى ، قال
: والإستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة ، كما
يُقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها ، وقال
الشاعر في بشر بن مروان :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
يريد أنه غلب أهله من غير محاربة .... (1)
15- شهاب الدين بن جهبل الكلابي
أحمد بن يحيى بن إسماعيل الحلبي ، ذكر التاج السبكي في
طبقات الشافعيـة الكبرى أنه صنـف كتاباً مستقـلاً في
نفي الجهة ، يقول : ووقفت له
على تصنيفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية ، لا بأس
به . (2)
ومن جملة ما ورد فيه قوله : فالذي دعا إلى تسطير هذه
النبذة ما وقع في هذه المدة ، مما علقه بعضهم في إثبات
الجهة ، واغتر بها من لم يرسخ له في التعليم قدم ، ولم
يتعلق بأذيال المعرفة ، ولا كبحه لجام الفهم ، ولا
استبصر بنور الحكمة ، فأحببت أنْ أذكر عقيدة أهل السنة
والجماعة ، ثم أبين فساد ما ذكره ... (3)
إلى أنْ قال (4) : مذهب الحشوية في إثبات الجهة مذهب
واه ساقط ، يظهر فساده من مجرد تصوره ، حتى قالت
الأئمة : لولا اغترار العامة بهم لما صُرف إليهم عنان
الفكر ،
(1) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص 519 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت .
(2) طبقات الشافعية الكبرى ج9 ص 35 رقم 1302 ط. دار
إحياء الكتب العربية / القاهرة سنة 1974م .
(3) طبقات الشافعية الكبرى ج9 ص 35 ترجمة رقم 1302.
(4) طبقات الشافعية الكبرى ج9 ص 36 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
487
ولا قطَر القلم في الرد عليهم ، وهم فريقان ،
فريق لا يتحـاشى في إظهـار الحشـو
( وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ
الْكَاذِبُونَ ) (1) ، وفريق يتستر بمذهب السلف لسحت
يأكله أو حطام يأخذه أو هوى يجمع عليه الطُغام الجهلة
، والرعاع السفلة ، لعلمه أنّ إبليس ليس له دأب إلا
خذلان أمة محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ولذلك لا
يجمع قلـوب العـامـة إلا على بــدعـة وضـلالـة ، يهـدم
بهـا الـدين ، ويُفسـد بها
اليقين ...
وقال أيضاً في مقام الرد على ابن تيمية الذي وصفه
كراراً بـ > المجسم < ... من قال إنّ الله في جهة
العلو ؟ وأنّ الإشارة الحسية إليه جائزة ؟ فإنْ قال
هذه طريقة السلف وطريقة الصحابة قلنا : من أين لك هذا
؟ ثم لا تأمن من كل مبتدع أنْ يدعي ذلك . (2)
قال السبكي : ثم أفاد المدعي أنّ هذه المقالة مأخوذة
من تلامذة اليهود والمشركين وضُلاّل الصابئين ، قال :
فإنّ أول من حُفظ عنه هذه المقالة الجعد بن درهم ،
وأخذها عنه جهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية
إليه ...الخ . (3)
وقال أيضاً أثناء رده على ابن تيمية : ونقل عن ابن
خزيمة أنّ من لم يقبل أنّ الله فوق سماواته ، بائن من
خلقه وجب أنْ يُستتاب ، فإنْ تاب وإلا ضربت عنقه ، ثم
أُلقي على مزبلة لئلا يتأذى به أهل القبلة وأهل الذمة
، فيقال له : الجواب عن مثل هذا قد تقدم ، على أنّ ابن
خزيمة قد علم الخاص والعام حديثه في العقائد ، والكتاب
الذي صنفه في التوحيد ، ورد الأئمة عليـه أكثر من أنْ
يُذكـر ، وقولهـم فيـه فيما قاله هو في غيره معروف . (1)
إلى أنْ قال : وحكى عن عبد القادر الجيلي (2)
أنه قال : الله بجهة العلو مستو على عرشه ، فليـت
شعـري !! لـم احتـج بكـلامه وتـرك جعفر الصادق (ع) والشبلي والجنيد
وذي النون المصري وجعفر بن نصير وأضرابهم رضي الله
عنهم ؟؟!! ، وأما ما حكاه عن أبي عمر بن عبد البر ،
فقد علم الخاص والعام مذهب الرجل ، ومخالفة الناس له ،
ونكير المالكية عليه أولاً وآخراً مشهور ، ومخالفته
لإمام المغرب أبي الوليد الباجي معروفة حتى أنّ فضلاء
المغرب يقولون : لم يكن أحد بالمغرب يرى هذه المقالة
غيره وغير أبي زيد ، على أنّ العلماء منهم من قد اعتذر
عن أبي زيد بما هو موجود في كلام القاضي الأجل أبي
محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي رحمه الله ... (3)
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج9 ص 77 .
(2) يقصد به : عبد القادر الجيلاني .
(3) طبقات الشافعية الكبرى ج9 ص 78 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
489
وكلمات علماء السنة الذين لم يقبلوا كلام الحنابلة في
العلو كثيرة جداً ، ولازم كلام بعض الحنابلة الذي حكم
بكفر هؤلاء وممن صرح بذلك من وصفوه بإمام الأئمة محمد
بن إسحاق بن خزيمة أنْ يحكم بكفر علماء السنة الذين
أنكروا القول بالعلو كالحافظ ابـن حجر العسقلاني
وأضرابه .
مناقشة ما ذكره الحنابلة بشأنْ مسألة العلو
استدل علماء الحنابلة لإثبات محدودية الباري تعالى عما
يقولون علواً كبيراً وأنه فوق السماء السابعة على
العرش الذي تحمله جماعة من الملائكة ، وأنه ليس
موجـوداً بنفسه في كل مكـان ، وإنما الموجود في كل
مكـان هـو علمه
تبارك وتعالى بعدة أمور وهي :
الأول : ما ذكره غير واحد منهم بأنّ الحكم بوجود الله
عز وجل في كل مكان يلزم العيب والوهن ، يقول أبو
إسماعيل الأنصاري في مقام الرد على الأشاعرة القائلين
بوجود الله عز وجل في كل مكان : ...
وأنّ قولهم : إنه
تعالى في كل موضع وفي كل شيء ، ما استثنوا جوف كلب ولا
جوف خنزير ، ولا حشا ، فراراً عن الإثبات ، وذهاباً عن
التحقيق . (1)
و هذه العبارات كررها ابن تيمية في رده على الفخر
الرازي الذي سماه بيان تلبيس الجهمية . (2)
وقد سبقهم إلى ذلك أحمد بن حنبل ، حيث قال في رده على
الجهمية : ... فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس
فيها من عظيـم الرب شيء ، فقـالوا : أي مكان ؟ فقلنا :
أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والأماكن القذرة ليس
فيها من عظيم الرب شيء ، وقد أخبرنا أنه في السماء . (3)
ونقل هذا الكلام عن أحمد بن حنبل ابن تيمية في درء
التعارض . (4)
(1) ذم الكلام ج5 ص 132 ط. مكتبة الغرباء الأثرية /
المدينة المنورة سنة 1419ه- 1998م .
(2) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 270 وج2 ص 399 ط.مطبعة
الحكومة / مكة المكرمة سنة 1392هـ ،
الفتاوى الكبرى ج5
ص 328 ط. دار المعرفة / بيروت سنة 1386هـ.
(3) الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل ص 36 ط. دار قتيبة
/ بيروت – دمشق سنة 1411هـ - 1990م .
(4) درء التعارض ج6 ص 138 ط. دار الكنوز الأدبية /
الرياض سنة 1391هـ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
491
ونقل ابن تيمية عن القاضي أبي بكر الباقلاني في كتاب
الإبانة أنـه قال : ... ولو كان في كل مكان لكان في
بطن الإنسان وفمه ، والحشوش والمواضع التي يُرغب عن
ذكرها ، ولوجب أنْ يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها
ما لم يكن ، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ،
ولصح أنْ يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا
، وإلى شمالنا ، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه
وتخطئة قائله . (1)
وقال عثمان بن سعيد الدارمي أحد أئمة الحنابلة وزعماء
القول بالتجسيم والتشبيه : فما الذي دعا الملك القدوس
إذْ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه ، أنْ
يصير في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم
، ويصير بزعمكم في كـل زاويـة وحجـرة ومكان منه شيء ؟!
. (2)
وهذا الكلام صدر من الحنابلة بسبب عدم درايتهم في
الأمور العقلية ، وتسرعهم في الحكم بالأهواء كما وصفهم
بذلك مخالفوهم من الأشاعرة وغيرهم ، فليس المقصود من
أنّ الله عز وجل موجود في كل مكان أنه موجود داخل
الأمكنة كما يوجد من في الأرض على الأرض ومن في الدار
فيها ، ولا يقصد أنه قائم
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 99 .
(2) الرد على الجهمية للدارمي ص 42 ط. دار ابن الأثير
/ الكويت ط2 سنة 1416هـ- 1995م .
في الأشياء قيام الأعراض
بمعروضاتها ، وإنما معنى وجوده المطلق وإحاطته بجميع
الأشياء هو وجوده المحيط بكل شيء وأنه الوجود الذي تتقوم به الأشياء ، لا أنه قائما بها ولا أنه موجود في
داخلها ، وذلك لأنّ جميع الكائنات فقيرة بالذات في أصل
وجودها وفقيرة بالذات في بقائها أيضاً ، فهي محتاجة
إلى الله عز وجل إبتداءاً وبقاءاً ، ولذا فليس لها
وجود في عرض وجود الباري عز وجل وليست قائمة بإزائه ،
بل هي وجودات فقيرة بالذات متقومة الوجود والبقاء
بالغني بالذات وهو الباري عز اسمه ، ومنه يظهر أنّ
القول بوجود الله في كل مكان وإحاطتة ووجوده المطلق لا
يلزم منه ما ذكروه ، لأنّ ما توهموه مبني على تصور
خاطيء لمعنى الإحاطة المطلقة بكل شيء لا يقول به من
يقول بأنّ الله عز وجل لا يخلو منه مكان ، وأنه وجوده
محيط بكل شيء ، وليس علمه فقط كما توهموه ، وتعالى
الله عما يقولون علواً كبيراً ، وجل أنْ يوصف عز وجل
بما توهمته عقول الحنابلة وأفهامهم القاصرة .
والمشكلة التي وقع فيها الحنابلة إنما هي بسبب
مقارنتهم بين الخالق والمخلوقين ، وتشبيه الله عز وجل
بخلقه ، ولكن الله عز وجل كما وصف نفسه في كتابه
الكريم : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ( ) ،
(1) سورة الشورى : 11 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
493
ولذا فإنّ تصوير كيفية
وجوده بما عليه الخلق في غير محله ، ومنشأه عدم الفهم
الصحيح لآيات كتاب الله عز وجل .
الثاني : قـوله تعـالى : ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي
السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا
هِيَ تَمُورُ - أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ
أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُـونَ
كَيْـفَ
نَذِير ) .(1)
وقد استدل بهاتين الآيتين الكريمتين لإثبات العلو عدد
كبير منهم ، ومنهم إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في رده
على الجهمية . (2)
وقد أجاب المفسرون من غير الحنابلة بعدة أجوبة منها
أنّ عبارة ( مَنْ فِي
السَّمَاءِ ) تتضمن إثبات إحاطة الله عز
وجل ووجوده في السماء ، ولكنها لا تتضمن نفي وجوده عما
عداها ، والوجه في ذكر وجوده في السماء التنبيه إلى
عظمته وقدرته وسلطانه الذي هو فوق سلطان المخلوقات ،
ويدل عليه أنه تبارك وتعالى في مقابل ذلك ذكر في آياته
الكريمة أنّ وجوده سبحانه في كل مكان ، ومن ذلك قوله
عز وجل : ( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي
الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ
مَا تَكْسِبُونَ ) (3) .
وقد فسر المشبهة والمجسمة من الحنابلة الرفع هنا بمعنى
الرفع الحسي إلى الله عز وجل ، بينما حمل عدة من
المفسرين الرفع هنا على رفع الدرجة ، يقول الفخر
الرازي في تفسيره الكبير : واعلم أنّ هذه الآية
الكريمة تدل على أنّ رفعه في قوله :
( وَرَافِعُكَ
إِلَيَّ ) هو الرفعة بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان
والجهة ، كما أنّ الفوقية في هذه ليست بالمكان ، بل
بالدرجة والرفعة . (3)
ومما لا خلاف فيه بين المسلمين أنه لا بد من التأويل
في جملة من الآيات والأحاديث ، ولذا قال الفخر الرازي
: أنّ جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لا بد من التأويل
في بعض ظواهر القرآن والأخبار . (4)
(1) تفسير القرطبي ج18 ص 215 ط. دار الكتاب العربي /
بيروت ، تفسير الكشاف ج4 ص 138 ط. دار المعرفة / بيروت
، أساس التقديس ص 209 .
(2) سورة آل عمران : 55 .
(3) التفسير الكبير للفخر الرازي ج8 ص 77 ط. دار الفكر
/ بيروت .
(4) أساس التقديس ص 105 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
495
والتأويل لا يمكن أنْ يكون بلا ضابطة ، بيد أنّ
القرينة تارة تكون لفظية ، وأخرى غير لفظية ، ونفس
تسالم المسلمين في زمن نزول النص على أنّ الله عز وجل
لا حد لوجوده ، وأنّ وجوده محيط بكل شيء قرينة كافية
على أنّ المقصود هنا من الرفعة رفعة المقام وليس رفعة
المكان .
وبعبارة أخرى من القرائن المهمة التي لا يحتاج المتحدث
فيها إلى إشارة أثناء كلامه هو المرتكزات البديهية أو
المسلمة لدى السامع ، كما لو قال المتحدث مثلاً > رأيت
أسداً يرمي < فهنا كانت كلمة > يرمي < قرينة على أنّ
المقصود بالأسد هنا هو الرجل الشجاع ، وليس الحيوان
المفترس ، لوضوح أنّ الرمي لا يكون إلا من الإنسان ،
وكذا لو قال مثلاً : > الناس لم يكونوا في طريق
الإستقامة عبر التاريخ < ، فهنا لا إشكال في أنّ
المقصود غالبية الناس ، لوضوح أنّ بين الناس فئة من
الصالحين عند السامع ، فهذه الارتكازات الذهنية ، هي
بحد ذاتها قرينة يمكن للسامع أنْ يكتفي بها للدلالة
على مقصوده ، دون حاجة إلى نصب قرينة إضافية من قبله ،
وهكذا جرى الأمر في المحاورات العرفية ، ومن هذا
القبيل ، ما في الآية الكريمة المتقدمة وغيرها ،
بل
الآية لا ظهور لها في غير ذلك ، ولا دلالة لها على
الفوقية الحسية بوجه ، ولا على أنّ الله تعالى في جهة الفوق ، لما تقرر في محلهّ بأنّ الظهور لا يتقوم فقط
بملاحظة الوضع ، بل معرفة المراد الجدي تتوقف على
ملاحظة حال الاستعمال ، فاللفظ قد يستعمل فيما وضع له
، وقد يستعمل في غير ما وضع له ، ومعرفة المراد الجدي
للمتكلم ، تتوقف على النظر في الكلام بلحاظ جميع
القرائن اللفظية وغير اللفظية أيضاً .
إلا أنّ المشكلة لدى الحنابلة عموماً أنهم لا دراية
لهم بتلك القرائن ، ولا بقواعد الألفاظ بالشكل الصحيح
، بل الظهور عندهم لا يتقوم إلا بلحاظ المدلول الوضعي
التصوري للفظ ، ولا يفرقون بين دلالة الوضع والدلالة
الإستعمالية ، بل سيأتي إنشاء الله تعالى أنّ بعضهم
كابن تيمية أنكروا أوضح البديهيات المسلمة عند علماء
اللغة العربية بل سائر اللغات ، كالقول بأنّ اللفظ
المستعمل تارة يكون حقيقة وأخرى مجاز .
الرابع : الآيات الكريمة التي تتحدث عن الاستواء على
العرش كقوله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُـومَ مُسَخَّـرَاتٍ بِـأَمْـرِهِ
أَلاَ لَـهُ الْخَلْقُ وَالأَمْـرُ تَبَارَكَ اللَّهُ
رَبُّ الْعَالَمِينَ ). (1)
(1) سورة الأعراف : 54 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
497
وقد استدل الحنابلة بهذه الآية الكريمة وأمثالها على
وجود العرش فوق السماوات السبع ، وأنّ الباري عز وجل
مستقرٌ على العرش فوق السماء السابعة ، وعلى رأس من
استدل بذلك أحمد بن حنبل . (1)
وابن تيمية بعد أنْ ادعى أنّ الباري عز وجل مستقر على
العرش في السماء السابعة نقل عن أبي حنيفة القول
بتكفير من توقف في ذلك فضلاً عمن أنكر أنْ يكون على
العرش فوق السماء السابعة ، ونقل عن الحكم بن مطيع
البلخي وهو من كبار علماء الأحناف أنه قال : قال أبو
حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض
فقد كفر ، لأنّ الله يقول : ( الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (2) ، وعرشه فوق سبع سماوات ...
الخ . (3)
واستمر ابن تيمية في النقل حتى قال (4) : ففي هذا
الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفّر
الواقف الذي يقول : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض
، فكيف يكـون الجاحـد النافي الـذي يقـول ليس في
السماء ، أو
ليس في السماء ولا في الأرض ...
إلى أنْ قال : وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر
أنْ يكون الله في السماء ... (5)
(1) الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل ص 36 .
(2) سورة طه : 5 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 47 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 48 .
(5) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 48 .
ونقل عن أبي عبد الله محمـد بن عبـد الله بن أبي زمنين
، الـذي وصفه بـ > الإمام المشهور من أئمة المالكية <
أنه قال : ومن قول أهل السنة أنّ الله عز وجل خلق
العرش واختص بالعلو والارتفاع فوق جميع الخلق ، ثم
استوى عليه كيف شاء ، كما أخبر عن نفسه في قـوله :
(
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (1) وقوله :
(
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ
فِي الأَرْضِ ) (2) الآية . (3)
وفي مقابل الإصرار الشديد من قبل الحنابلة ومن تبعهم
على أنّ الباري عز وجل ليس في كل مكان وليس وجوده
محيطاً بكل شيء ، بل علمه فقط يصر غيرهم من علماء
المسلمين من غالبية الفرق الإسلامية ومنهم كبار علماء
الأشاعرة على إحاطته بكل شيء وعلى امتناع الاستقرار
على العرش بالمعنى الذي يذكره الحنابلة ، ولا بأس أنْ
نذكر ما ردوا به على الحنابلة بالإستدلال بهذه الآيات
الكريمة إجمالاً ،
(1) سورة طه : 5 .
(2) سورة الحديد : 4 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 54 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
499
ومن ثم نذكر تفاصيل الرد أما ردهم
على المجسمة والمشبهة من الحنابلة وغير الحنابلة
بالإجمـال فحاصله : أنّ تأويل الآيات الكريمة لا يصح
بالإقتصار على ملاحظة المداليل الوضعية للألفاظ ، بل
المدلول الإستعمالي قد يتطابق على المدلول الوضعي وقد
يختلف عنه من دون أنْ يؤثر ذلك على بلاغة الكلام ، بل
إنْ البلاغة قد تقتضي الكناية أو الإستعارة أو غيرهما
مما يعد تصرفاً في اللفظ على خلاف مداليله الوضعية ،
بيد أنّ استخدام اللفظ في معناه المجازي لا يصح إلا مع
نصب القرينة عليه ، والقرائن الدالة على ذلك كثيرة
سواء بالرجوع إلى العقل أو النقل ، وبالتالي فلا يوجد
أي مانع من التأويل على خلاف ما ذكره الحنابلة بل هو
ما تقتضيه الأدلة التي سنبينها إنشاء الله تعالى ،
يقول الفخر الرازي : أما قوله تعالى
( ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ ) فاعلم أنه لا يمكن أنْ يكون المراد
منه كونه مستقراً على العرش ، ويدل على فساده وجوه
عقلية ووجوه نقلية . (1)
وأما تفصيل الجواب على ما ذكروه فيحتاج إلى تقديم
مقدمة ، وهي تتعلق ببيان المقصود بالعرش .
الحنابلة وأمثالهم من المشبهة والمجسمة تصوروا أنّ
العرش سرير مادي كبير ولذا أصرّ كثير منهم بشدة على
أنّ الرسول الأعظم (ص) يجلس عليه يوم القيامة إلى جانب
الباري تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، وقد
تقدم ما يدل على ذلك عند التعرض لمسألة القعود على
العرش أو قولهم بالاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على
الأخرى ونسبوا ذلك إلى جبار السماوات والأرض تعالى عما
يقولون علواً كبيراً ، وهذا التصور الساذج والبسيط
للعرش الناتج عن عدم معرفة العلوم العقلية ، والتفاعل
غير المحدود مع روايات التجسيم والتشبيه التي وضعها
زمرة من المتآمرين على الإسلام من أمثال حماد بن سلمة
الذي كان ابن أبي العوجاء الملحد المعروف بكفره وفجوره
عند سائر المسلمين ربيبه كما تقدم ، ومع هذا فقد
اعتبروه من كبار الأئمة واعتمدوا على رواياته ، وهذا
المعنى للعرش اعتبره الكثير من علماء المسلمين عدا
المشبهة والمجسمة معنى باطل خلاف الأدلة العقلية ،
وخلاف الأدلة النقلية الدالة على نفي الحد والجهة وقد
تقدم بيان بعضها ، وسيأتي إنشاء الله بيان البعض الآخر
منها ، وأما التفسير الصحيح للعرش ، فيمكن القول فيه :
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
501
أولاً : فهم معنى العرش واللوح والكرسي وأمثال هذه
المعاني هي فوق مستوى أفهامنا وإدراكنا ، ففي القرآن
الكريم وكلام النبي (ص) ما لا يدركه إلا من أرجع النبي
(ص)
بأمر من الله عز وجل الناس إليهم ، واعتبرهم الثقل
الآخر من بعده بالإضافة إلى القرآن الكريم ، وبين (ص)
أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة ،
وهذا السبب من أهم الأسباب التي أدت إلى أنّ من فسر
القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار .
ثانياً : هذه العبارات وإنْ كانت في الأصل قد وضعت
لمعان مادية ، ولكن مع ذلك لم توضع بعضها كالعرش لمعنى
مادي صرف ، بل العرش يوضع لمحل جلوس الملك مثلاً ،
وليس مطلق محل الجلوس ، ومن ثم وضعت لتطلق على عرش
الله عز وجل وكرسيه وعلى اللوح والقلم ، لتدلل على
عظمة تلك الأمور ، لأنّ ذلك هو الأقرب لذهن الإنسان
الذي لا يمكنه أنْ يتصور ذلك على حقيقته ، وإنما
المراد من ذكر هذه الأمور بالنسبة إليه الإشارة إليها
ليأخذ تصوراً إلى حد ما عن جملة من المسائل العقائدية
، وليس من جهة كونها تشبه المدلولات المادية لها
الموجودة في عالم المادة ، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان
علم تفسيرها إلى مـن أودعهم الرسول الأعظم (ص) علمه
وحكمته ، وبين للناس أنهم أبواب علمه ، وأنّ من أراد
تلك الحكمة فعليه أنْ يأتيها من أبوابها .
وبعبارة أخرى : الأسماء المذكورة كالعرش والكرسي
وغيرهما تدل على معان مجملة ، لا على أمور تفصيلية
يمكننا أنْ تصورها على حقيقتها ، وإنما عبر عنها بهذه
التعبيرات للتدليل على عظمتها ومقامها في مراتب الوجود
وإنما لها من المعاني ما يتناسب معها مما يفوق حد
الإدراك والتصور ، إلا لمن من الله عز وجل عليه من
النبيين والأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين .
ثالثاً : الذي يستفاد من الآيات والروايات الكثيرة أنّ
العرش هو محل مقدس تتحقق فيه الهيمنة على عوالم
المخلوقات ، سواء عالم المادة أو غيره ، وأنه يكون يوم
القيامة الملاذ لمن أراد الله عز وجل أنْ يظلهم برحمته
يوم لا ظل إلا ظله ، وهذا المقدار واضح جداً من الآيات
والروايات الواردة في كتب المسلمين على اختلاف مذاهبهم
، وهو أيضاً لا يصح تشبيهه بالعروش التي هي في عالم
المادة ، ولكن ما هي حقيقته ؟ وكيف هو ؟ والجواب عن
مثل هذه التساؤلات أننا أعجز من أنْ نطلع على ذلك من
خلال تحليلاتنا القاصرة ، ولكن غاية ما نتوصل إليه أنه
فوق مستوى التصور البشري العادي ، وأنه شيء عظيم فوق
ما ندرك وما يخطر بأذهاننا ، ولا سبيل لمعرفته بواسطة
الألفاظ والعبارات ، وإنما يختص بمعرفة ذلك من أراد
الله عز وجل أنْ
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
503
يطلعوا عليه من النبيين والأوصياء
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ومن يتجاوز ذلك من
الناس في تفسير معنى العرش فقد أتى بكلام لا يمكنه أنْ
يستدل عليه بدليل ، نعم قد يحصل لبعض أولياء الله شيء
من معناه لكل حسب قابليته في عالم الكشف والشهود ،
ولكن مع ذلك لا يمكن بيان ذلك بالألفـاظ أو العبارات .
بيان معنى الاستواء
بعد أنْ تبين معنى العرش وأنه المحل المقدس الذي تكون
فيه الهيمنة على سائر المخلوقات ، يمكن القول بأنّ
معنى الاستواء الذي يتناسب مع عظمة الله عز وجل هو
الهيمنة والاستيلاء عليه كما فهم ذلك من عدا الحنابلة
من غالبية علماء المسلمين من الإمامية والأشاعرة
والمعتزلة وغيرهم ، والتعبير عن الاستواء بالاستيلاء
والهيمنة يرد في كلام العرب ، ومن ذلك قول الشاعر الذي
احتج به جماعة من المفسرين :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق (1)
والأدلة العقلية والنقلية من القرائن على أنّ مقصود
الآيات الكريمة هو المعنى الذي بيناه .
(1) حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج2 ص 679
ط. دار الفكر / بيروت سنة 1419هـ- 1998م ، تفسير
القرطبي ج7 ص 220
الخامس : مما استدل به المشبهة والمجسمة من الحنابلة
وغيرهم ما دل على أن بعض الأشياء تنزل من عند الله عز
وجل حيث يثبت ذلك صفة العلو له سبحانه وتعالى عما
يقولون حسب زعمهم ، كما في قوله تعالى :
( وَإِنَّهُ
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) وقوله تعالى :
( تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
) (2) ، وقوله تعالى
: ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ
أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ
تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ ) (3) وغير ذلك من
الآيات . (4)
والجواب عن الإستدلال بهذه الآيات الكريمة وأمثالها من
الروايات واضح جداً ، فإنّ القرآن بلا شك منزل من
السماء ، وهو من عند الله عز وجل ، وكونه تنزل مما عند
الله عز وجل إذْ كل شيء هو من عنده لا يستلزم أنْ يكون
عز وجل موجود في السماء دون الأرض ، ولا يتنافى
التنزيل من السماء من إحاطة وجوده بكل شيء ، فلا يوجد
ما يقتضي العلو حسب تفسيرهم المادي له .
(1) سورة الشعراء : 192 .
(2) سورة يس : 5 .
(3) سورة الأنعام : 114 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 164 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
505
السادس : دعـوى إجماع الصحابة والأئمة من الفقهاء على
العلو بالمعنى الذي
ذكره الحنابلة ، وقد ادعى الإجماع عدد كبير منهم ابن
قدامة المقدسي في كتابه > إثبات صفة العلو < . (1)
بل نقل عثمان بن سعيد الدارمي إجماع الأولين والآخرين
العالمين منهم والجاهلين . (2)
ولعمري من أين حصل الإجماع بهذا الحد مع محدودية النقل
واشتمال كثير من الروايات على الضعفاء والوضاعين ،
خصوصاً والمسالة لم تكن محل نقاش واسع قبل أنْ يحصل
الاختلاف فيها ، بل الأغرب دعوى إجماع ألأولين
والآخرين ، وهو بمحل من الوهن والسخافة وعدم الإتزان
بحيث لا يستحق أنْ يناقش أو يرّد عليه .
السابع : مما استدل به على إثبات جهة العلو نفي كونه
عز وجل موجوداً في كل مكان تعالى عما يقولون علواً
كبيراً ما نقله ابن تيمية عن القاضي أبي بكر الباقلاني
بأنه تعالى لو كان موجوداً في كل مكان لوجب أنْ يزيد
بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن ، وينقص
بنقصانها . (3)
(1) إثبات صفة العلو 43 ط. دار ابن الأثير / الكويت
سنة 1416هـ- 1995م .
(2) الرد على الجهمية ص 44 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 99 .
وهذا الكلام يمكن الجواب عنه بما تقدم في مناقشة دليهم
الأول ، وذلك بأنّ يقال ليس المقصود بأنّ الله عز وجل
موجود في كل مكان هو أنه متحقق في ضمن الأشياء بمعنى
أنْ وجوده تحتويه الأشياء فهذا الكلام باطل وموجب
للضلال والبغي والإنحراف ، وليس وجوده من قبيل وجود
العرض في معروضه لأنّ العرض دائما مفتقر لمعروضه محتاج
إليه ، بل المقصود بأنّ المخلوقات لما كان وجودها عين
الفقر والفاقة إليه وهو الغني بالذات فهو الموجود
المستقل المطلق وبقية الموجودات متقومة بوجوده الذي
ليس كمثله شيء ، وإنما يلزم هذا اللازم الفاسد لو قلنا
بأنّ وجوده من قبيل وجود الأعراض في معروضاتها أو أنه
موجود في دخل الأشياء ومتضمن لها تعالى عما يقول
الظالمون علواً كبيراً .
الثامن : ما نقله ابن تيمية أيضاً عن أبي بكر
الباقلاني أنه تعالى لو كان موجوداً في كل مكان لصح
أنْ يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا ،
وإلى شمـالنا ، وهذا قـد أجمع المسلمـون على خلافـه
وتخطئة قائله . (1)
وهذا الكلام من أوهن الوجوه التي يمكن دفعها بأدنى
التفات ، فلا مانع أنْ يتوجه الإنسان إلى الله عز وجل
أينما كان وأنْ يدعوه أينما وجد ، ولا يمنع ذلك من
التوجه برفع اليد إلى السماء لكونها قبلة الدعاء ، كما
يتوجه الإنسان أثناء الصلاة إلى الكعبة الشريفة لكونها
قبلة الصلاة .
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص 99 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
507
وهذه هي أهم الأدلة التي ذكرها المجسمة والمشبهة من
الحنابلة وبعض من تابعهـم لإثبات صفـة العلـو الحسي
تبارك الله وتعالى عما يقـولون علواً كبيراً.
أدلة نفي الجهة والحد
وبعد أنْ استعرضنا أدلتهم في إثبات الجهة للباري عز
وجل لا بأس أنْ نذكر أدلة نفي الحد والجهة لله عز وجل
، وهي أدلة كثيرة جداً ذكر بعضها الفخر الرازي في أساس
التقديس وفي تفسيره الكبير ، ومنها :
الأول : قوله تعالى : ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) .(1) ، ولقد
أجاد الفخر الرازي حيث قال : الآية من أقوى الدلائل
على نفي التجسيم وإثبات التنزيه . (2)
ووجه الإستدلال بالآية الكريمة أنّ الآية تدل أنه لا
يوجد جهة محددة تختص بالباري عز وجل ، بل أينما يتوجه
الإنسان ، فهو متوجه لوجه الله عز وجل وإذا كان أينما
يولي الإنسان وجهه فثم وجه الله تعالى ، فليس للباري
عز وجل على ذلك جهة محددة ، وبهذا يبطل القول بالجهة .
(1) سورة البقرة : 115 .
(2) التفسير الكبير للفخر الرازي ج4 ص 23 ط. دار الفكر
/ بيروت .
وقد ذكر الفخر الرازي وجهين آخرين للإستدلال بالآية
الكريمة لنفي الجهة ، يمكن الرجوع لهما في تفسيره
الكبير . (1)
الثاني : قوله تعالى :
( وَهُوَ اللَّهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) . (2)
وهذه الآية تدل على أنّ وجود الله عز وجل ليس فقط في
السماء ، بل هو موجود في السماوات والأرض محيط بكل شيء
، نعم الحنابلة يسعون لتأويل الآية بما هو على خلاف
الظاهر ، وهم في التأويل يسيرون حسب المزاج ، فليس
لديهم ضابطة واضحة في التأويل ، ففي مواضع معينة تجدهم
يصرون على حمل اللفظ على مدلوله الوضعي ، ويدعون أنه
هو الظاهر ، مع أنّ الظهور لا يصح ادعاؤه ولا يتحقق
انعقاده إلا بعد ملاحظة جميع القرائن المحيطة باللفظ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
509
وهذه الآية الكريمة واضحة الدلالة في أنّ الله عز وجل
موجودٌٌ مع الإنسان أينما كان وهي تتعارض مع القول
بالعلو ، بل هي قرينة واضحة على أنّ المقصود من
الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء والهيمنة كما عليه
من عدا المجسمة والمشبهة من علماء المسلمين ، ولكن
علماء الحنابلة ومن سار على نهجهم من الوهابية حملوا
اللفظ على خلاف ظاهره ، وفسروه بما لا يحمل عليه اللفظ
إلا مع القرينة البينة ، ولعمري ما هو المقتضي للتأويل
في مثل هذا الموضع من الآية الكريمة ورفض التأويل في
بقية الآيات ، وليس لهم في ذلك ضابطة واضحة ، نعم ادعى
بعضهم أنّ المعية يصح إطلاقها في اللغة على غير المعية
في الوجود (1) ، ويمكن دفعه بأنّ صحة الإطلاق مجازاً
لا إشكال فيه ، لكنه خلاف المعنى الحقيقي للفظ ، ولا
يمكن القول بالمجاز إلا مع القرينة ، وإلا كان الأصل
هو حمله على الحقيقة ، ولا يوجد قرينة واضحة تدل على
أنّ المراد أنه معكم بعلمه أو عطفه ، بل ظاهر اللفظ
أنه معكم بنفسه تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علواً
كبيراً ، ووجوده معنا أينما نكون قرينة واضحة في أنّ
المقصود من الاستواء على العرش هو المعنى الذي بيناه .
(1) راجع مثلاً : شرح العقيدة الواسطية لشيخ الوهابية
بن عثيمين ج1 ص 71 .
الرابع : ما تقرر في محله من أنّ الجهة تستلزم الحد ،
والمحدودية تستلزم الافتقار الذاتي ، وكل مفتقر ذاتا
فهو محتاج في وجوده إلى العلة ، لأنّ مناط عدم الحاجة
إلى العلة هو الغنى الذاتي وعدم الحد ، ويضاف إلى ذلك
لو قلنا بالحد ، فحينئذ لا بد من ثبوت وجود آخر بإزائه
، لأنّ العدم بطلان محض فلا يشار إليه ، وما وراء الحد
يمكن الإشارة إليه ، وهو ما يؤدي في النتيجة إلى القول
بالشرك والعياذ بالله تعالى .
والأدلة على ذلك كثيرة وقد تعرض لتفصيلاتها بتوسع
الفخر الرازي في عدة من كتبه لاسيما تفسيره الكبير
وأساس التقديس الذي رد عليه ابن تيمية ، فلتراجع .
ولنختم بكلام الفقيه الشافعي شهاب الدين بن جهبل
الكلابي فيما نقله عنه السبكي ، فقد ذكر عدة أدلة ،
وبراهين منها حيث قال : البرهان الأول : وهو المقتبس
من ذي الحسب الزكي ، والنسب العلي ، سيد العلماء ،
ووارث خير الأنبياء (ع) جعفر الصادق (ع) رضي الله عنه ،
قال : لو كان الله في شيء لكان محصوراً ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
511
وتقرير هذه
الدلالة : أنه لو كان في جهة لكان مشاراً إليه بحسب
الحس ، وهم يعلمون ذلك ، ويجوزون الإشارة الحسية إليه
، وإذا كان في جهة مُشاراً إليه لزم تناهيه ، وذلك
لأنه إذا كان في هذه الجهة من دون غيرها فقد حصل فيها
دون غيرها ، ولا معنى لتناهيه إلا ذلك ، وكل متناه
مُحدث ، لأنّ تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير
لا بد له من مخصص ، فقد ظهر بهذا البرهان يبده العقول
أنّ القول بالجهة يوجب كون الخالق مخلوقاً والرب مربوباً ، وأنّ ذاته متصرف فيها ، وتقبـل الزيـادة
والنقصان ، تعـالى الله عما يقـول الظالمون علواً
كبيراً . (1)