من الأمور التي تكتمل بها نظرة الحنابلة ومن وافقهم
للتجسيم إصرارهم على إثبات ما روي بشأنْ أطيط العرش ،
والمقصود بالأطيط كما يذكر الجوهري في الصحاح : > صوت
الرحل والإبل من ثقل أحمالها < ، وهذا الخبر يشير إلى
أنّ العرش ثقيلٌ بحيث أنه مع حمله من قبل حملة العرش
فإنّ له أطيطاً أي صوتا من ثقله ، كما أنّ الإبل
المحمل بالأثقال يسمع له صوت نتجية الثقل والأحمال
التي هي عليه ، وهذا الخبر أخرجه أبو داود في سننه حيث
قال : قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى
ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي ، قالوا حدثنا
وهب ابن جرير ، قال أحمد : كتبناه من نسخته وهذا لفظه
: قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحق يحدث عن يعقوب
بن عتبة ، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه
، عن جده قال : أتى رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
535
أعرابي فقال : يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت
العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا
فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك . قال
رسول الله صلى اللهم عليه (وآله) وسلم ويحك أتدري ما
تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فما
زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال : ويحك
إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ، شأن الله أعظم
من ذلك ويحك أتدري ما الله ، إن عرشه على سماواته لهكذا ، وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به
أطيط الرحل بالراكب .
قال أبو داود : قال ابن بشار في حديثه إن الله فوق
عرشه وعرشه فوق سماواته وساق الحديث ، و قال عبد
الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير
بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده .
قال أبو داود بعد ذلك والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو
الصحيح وافقه عليه جماعة منهم يحيى ابن معين وعلي بن
المديني ، ورواه جماعة عن ابن إسحق كما قال أحمد أيضا
، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة
واحدة فيما بلغني . (1)
وأخرجه (2) الطبراني في المعجم الكبير والدارقطني في
الصفات وابن عبد البر في
(1) سنن أبي داود ج4 ص 232 ط. دار الفكر / بيروت ،
عون
المعبود شرح سنن أبي داود ج7 ص 8 – إلى- 11ط. دار
الكتب العلمية / بيروت سنة 1410هـ- 1990م .
(2) المعجم الكبير ج2 ص 128 ح 1547 ، الصفات للدارقطني
ص 31 ، 32ح 38 ، 39 ط.مكتبة الدار / المدينة المنورة
سنة 1402هـ ، التمهيد في شرح الموطأ ج7 ص 141ط.مؤسسة
قرطبة ، وأيضاً وزارة عموم ألأوقاف ، والشئون
الإسلامية / المغرب ، الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي
ج1 ص 165 ح 608 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة
1986م ،
التمهيد وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وأبو الشيخ الإصبهاني في
العظمة وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات
والذهبي في العلو .
وأخرج عبد الله بن أحمد في السنة حديث أطيط العرش عن
عمر موقوفاً ، قال : حدثني أبي رحمه الله ، قال حدثني
عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله
بن خليفة عن عمر رضي الله عنه قال : إذا جلس تبارك
وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد . (1)
وأخرجه الطبري أيضاً حيث قال في بيان معنى الكرسي
أثناء تفسير قوله تعالى : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) (2) :
=>
الرد على الجهمية للدارمي ص 49 رقم 71 ط. دار
ابن الأثير / الكويت سنة 1416هـ- 1995م ، العظمة
لأبي
الشيخ ج2 ص 554 ، 555 ، 556 ط. دار العاصمة / الرياض
سنة 1408 ، الدر المنثور للسيوطي ج1 ص 74 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1411هـ - 1990م ، العلو للعلي
الغفار للذهبي ص 43 ، الأسماء والصفات للبيهقي ص 526 ،
527 ط. دار الكتب العلمية / بيروت .
(1) كتاب السنة ج1 ص 301 رقم 585 وج2 ص 454 رقم 1019 .
(2) سورة البقرة : 255 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
537
ولكل قول من هذه
الأقوال وجه ومذهب ، غير أنّ الذي هو أولى بتأويل
الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم وهو : ما حدثني به عبد الله بن أبي زياد
القطواني ، قال حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال أخبرنا
إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة قال :
أتت امرأة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقالت :
ادع الله أنْ يدخلني الجنة ، فعّظم الرب تعالى ذكره ،
ثم قال : إنّ كرسيه وسع السماوات والأرض ، وإنه ليقعد
عليه ، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ، ثم قال
بأصابعه فجمعها ، وإنّ له أطيطاُ كأطيط الرحل الجديد
إذا رُكب من ثقله . (1)
ثم ذكر بعد ذلك بعض طرقه إلى الخبر المذكور . (2)
وأخرجه ابن أبي عاصم والرافعي في التدوين وأبو بكر
الخطيب في تاريخه والضياء المقدسي في الأحاديث
المختارة وابن خزيمة في التوحيد بسندهم عـن عمر
مرفـوعاً عن النبي (ص) . (3)
(1) تفسير الطبري ج3 ص 10 ط. دار الفكر / بيروت .
(2) تفسير الطبري ج3 ص 11 .
(3) كتاب السنة لابن أبي عاصم بتحقيق الألباني ج1 ص
251 ، 252 ح 574 ، التدوين في أخبار قزوين ج1 ص 116 ،
تاريخ بغداد ج1 ص 259 ،
الأحاديث المختارة ج1 ص 263 ح
151 وص 264 ح 152 ، 153 ط. مكتبة النهضة الحديثة / مكة
المكرمة ، التوحيد لابن خزيمة ص 106 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت .
وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي أمامة ، قال : حدثنا
علان ، حدثنا عمر بن محمد ، حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم
بن طهمان ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي
أمامة ، عن النبي (ص) قال : سلوا الله الفردوس ، فإنها سرَّةُ الجنة ، وإنّ أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش .
(1)
وأخرج هذا الحديث الديلمي عن أبي طلحة . (2)
وأخرجه أبو الشيخ الإصبهاني في العظمة بسنده عن كعب
الأحبار . (3) وبسنده عن أبي موسى الأشعري موقوفاً . (4) ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
539
وكذا أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات والذهبي في
العلو . (1)
هذه بعض كلماتهم بشأْن أطيط العرش ، وقد عرفت مما تقدم
أنه قول الطبري كما صرح به في تفسيره ، وأخرجه ابن
خزيمة في التوحيد الذي اشترط فيه أنْ لا يخرج فيه إلا
الأحاديث الصحيحة عنده كما بينا ذلك مراراً ، وأخرجه
أبو داود ، وكتاب السنن صحيح على شرطه مضافاً إلى أنه
صرح بصحة الخبر المتقدم بالخصوص ، وأكد على ذلك جماعة
كبيرة ، منهم : ابن تيمية فإنه بعد أنْ ذكر الحديث
المتقدم ودافع عنه : فبين عظمة العرش وأنه فوق
السماوات مثل القبة ، ثم بين تصاغره لعظمة الله ، وأنه
يئط به أطيط الرحل الجديد براكبه ، فهذا فيه تعظيم
للعـرش ، وفيه أنّ الرب أعظم من ذلك . (2)
وقال أيضاً : وهذا الحديث قد يطعن فيه بعض المشتغلين
بالحديث انتصاراً
للجهمية ، وإنْ كان لا يفقه حقيقة قولهم وما فيه من
التعطيل أو استبشاعاً لما فيه من ذكر الأطيط كما فعل
أبو القاسم المؤرخ (3) ، ويحتجون بأنه تفرد به محمد بن
إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن جبير ، ثم يقول بعضهم :
ولم يقل ابن إسحاق :
(1) العلو للعلي الغفار للذهبي ص 107 .
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج16 ص 437 .
حدثني ، فيحتمل أنْ يكون منقطعاً
، وبعضهم يتعلل بكلام بعضهم في ابن إسحاق ، مع أنّ هذا
الحديث وأمثاله وفيما يشبهه في اللفظ والمعنى لم يزل
متداولاً بين أهل العلم ، خالفاً عن سالف ، ولم يزل
سلف الأئمة وأئئمتها يروون ذلك رواية مصدق به راد به
على من خالفه من الجهمية متلقين لذلك بالقبول ، حتى قد
رواه الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه
التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بأحاديث
الثقاة المتصلة الإسناد ، رواه عن بنـدار ، كمـا رواه
الـدارمي وأبـو داود سواء ... الخ . (1)
ومنهم ابن قيم الجوزية في نونيته المشهورة :
الله فوق العـرش فـوق سمائـه سبحاـن ذي الملكـوت والسلطـان
ولعرشه منه أطيــط مثـل ما قـد أط رحـل الراكب
العـجلان(2)
وكلماته بهذا الشأنْ كثيرة مبثوثة في كتبه المتفرقة ،
وكلماتهم بذلك كثيرة .
وما ذكره علماء السنة في نفي العلو الحسي يستلزم نفي
ما تقدم ، وقد صنف الحافظ ابن عساكر مصنفاً مستقلاً
بشأنْ حديث الأطيط ،
(1) بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 570 .
(2) شرح القصيدة النونية ج1 ص 277 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1406هـ- 1986م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
541
وذكر فيه الأدلة على وهنه ، وطعن
فيه ، يقول ابن تيمية : ولفظ > الأطيط < قد جاء في
حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود في السنن ، وابن
عساكر عمل فيه جزءاً ، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق ،
والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد ، وأبي داود ،
وغيرهما ، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى ،
ولفظ > الأطيط < قد جاء في غيره . (1)
وقال الشيخ الدكتور عبد الله بن الصديق ، وهو من علماء
الأزهر في هامش التمهيد في شرح الموطأ : هذا الحديث
يُعرف بحديث الأطيط ، وهو ضعيف السند كما تقدم ، منكر
المعنى ، ولابن عساكر الحافظ جزء حديث الأطيط ، تكلم
فيه على علله ، وأبان بطلانه ، وأجهد ابن القيم نفسه
في تصحيح الحديث ، والدفاع عن ابن إسحاق ، وغاب عنه
قوله إمامه (2) فيه : تكتب عنه هذه الأحاديث ، يعني المغازي ونحوها ، فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً
هكذا ، يريد أقوى منه ، قال البيهقي : فإذا كان لا
يحتج به في الحلال والحرام فأولى أنْ لا يحتج به في
صفات الله تعالى ، والعجيب أنّ ابن القيم أيد هذا
الحديث المنكر بحديث أشد نكارة منه ، وهو ما رواه مطين
عن عمر قال : أتت امرأة
النبي صلى الله عليه (وآله)
وسلم فقالت : ادع الله أنْ يدخلني الجنة فعظّم أمر
الرب ، ثم قال : إنّ كرسيه فوق السماوات والأرض ، وأنه
يقعد عليه فيما يفضل منه مقدار أربع أصابع ، ,أنّ له أطيطاً كأطيط الرحل . الحديث وهو ولو كان مروياً برجال
الصحيحين لوجب رده ، كيف وفي سنده عبد الله بن خليفة ،
مجهول ، وفيه عنعنة أبي إسحاق ، وهو مدلس . (1)
وضعف الحديث أيضاً الحافظ أبو بكر البيهقي في الأسماء
والصفات من جهة محمد بن إسحاق ، قال : وهذا حديث ينفرد
به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة ، وصاحبا
الصحيح لم يحتجا به ، إنما استشهد مسلم بن الحجاج
بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة ...الخ . (2)
(1) التمهيد في شرح الموطأ ج7 ص 141 ، 142 راجع
الهامش.
(2) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص 528 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت .