الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 543

الفصل الثامن عشر
ما رووه في أنّ الله عز وجل يبدي بعضه للأرض

من أغرب أخبار التجسيم التي نجدها في كتب الحنابلة التي صنفوها في شرح عقيدتهم ، ما أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل ، بأنّ السبب الذي يؤدي إلى الزلازل أنّ الباري تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً يبدي بعضه إلى الأرض فتحصل الزلازل لذلك ، يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة : حدثني أبي ، حدثنا أبو المغيرة الخولاني ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، قال : إن الله عز وجل إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تزلزل وإذا أراد أن تدمدم على قوم تجلى لها . (1)

والعجيب من عبد الله أحمد الذي يعتبرونه من أعاظم أئمتهم من بعد أبيه أنه يورد هذا الحديث في كتاب صنفه لبيان عقائد أهل السنة وتمييزها عن عقائد من يسمونهم بالجهمية والمبتدعة ، ويورد ذلك في جملة أحاديث الصفات الإلهية ، من دون أنْ يقدح في ذلك الحديث أو يحذر من الاعتقاد بمضمونه .

 

(1) كتاب السنة ج2 ص 470 رقم 1069 .

 
 

544 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

ولعل جوابه عن ذلك ما يرددونه عادة : بأنه يبدي بعضه لا كما يعقل ، وأنّ الإبداء معلوم والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة .

وأخرج الخبر بنفس هذا المضمون الطبراني في كتاب السنة حسب نقل ابن تيمية عنه في فتاواه الكبرى ، يقول ابن تيمية : لا يقال في صفات الله لفظ البعض ، فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم ذاكرين وآثرين ، قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة : حدثنا حفص بن عمرو ، حدثنا عمرو بن عثمان الكلابي ، حدثنا موسى بن أعين ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إذا أراد الله أن يخوف عباده أبدى عن بعضه للأرض فعند ذلك تزلزلت ، وإذا أراد الله أن يدمدم على قوم تجلى لها عز وجل . (1)

وبهذا ينتهي ابن تيمية إلى القول بتركب الذات الإلهية من أبعاض تعالى الله عن قوله وقول أمثاله وأشباهه من المجسمة والمشبهة علواً كبيراً ، وصرح بتركب الذات الإلهية في أكثر من موضع ، منها قوله في مقام مناقشة من يسمونهم بالجهمية : قلنا : نحن نقول كان الله ولا شيء ،

 

(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج5 ص 87 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 545

ولكن إذا قلنا إنّ الله لم يزل بصفاته كلها ، أليس نصف إلها واحداً ، وضربنا لهم في ذلك مثلاً ، فقلنا : أخبرونا عن هذه النخلة ، أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار ، واسمها اسم واحد ، وسميت نخلة بجميع صفاتها ، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد ...الخ . (1)
وقد كرر هذا الكلام في جملة من كتبه . (2)

ونظير الخبر المتقدم في الغرابة ما رواه هذا الإمام الحنبلي في كتابه المذكور بأنّ الباري عز وجل من جملة ما يقوم به هو الطواف في الأرض ، حيث يقول : كتب إلي إبراهيم بن حمزة الزبيري ، كتبت إليك بهذا الحديث ، وقد عرفته وسمعته على ما كتبت به إليك ، فحدث بذلك عني ، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي ، حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف ، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق إذنه ، عن أبيه ، عن عمه لقيط بن عامر ، قال دلهم : وحدثنيه ابن أبي الأسود ، عن عاصم بن لقيط ، أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيل بن عاصم بن مالك بن المنتفق ،

 

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج17 ص 450 .
(2) راجع : بيان تلبيس الجهمية ج1 ص 464 ، ودرء التعارض ج5 ص 162 ، الفتاوى الكبرى ج5 ص 62 وص 93 وص 111 .

 
 

546 ......................................................................... التشبيه والتجسيم

خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيل بن عاصم بن مالك بن المنتفق ، قال لقيط : فخرجت وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم المدينة انسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال : أيها الناس ألا أني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم ألا فهل من امريء بعثه قومه ؟ فقالوا : أعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال ألا أني مسئول هل بلغت ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا قال والحاصل الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره ، قلت : يا رسـول الله ، ما عنـدك من علم الغيب ؟ فضحك لعمر الله ، وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه ، فقال : ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله عز وجل وأشار بيده فقلت : وما هن ؟ قال : علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم غدا ولا تعلمه ، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين ، فيظل يضحك قد علم أن غيركم يموت إلى قريب . قال لقيط : قلت :

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 547

لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم يوم الساعة قلت : يا رسول الله علمنا ما تعلم الناس وما تعلم فأنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها . قال : تلبثون فيها ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ، ثم تلبثون ما لبثتم ، ثم تبعث الصيحة ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد فأرسل ربك عز وجل السماء بهضب من ثم العرش فلعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى يخلقه من ثم رأسه فيستوي جالسا فيقول ربك جل وعز مهيم لما كان منه يقول يا رب امتني اليوم لعهده بالحية يحسبه حديثا بأهله ...الخ (1) .

والعجيب أنهم حين يروون هذه الأحاديث مع نكارتها يسيرون في تفسيرها منهج الأخذ بالدلالة الوضعية للفظ رافضين التفسير والتأويل .

 

(1) كتاب السنة ج2 ص 485 ، 486 رقم 11120 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب