الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
559
المبحث الرابع
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
الصفات التي تقدمت أنكرها عامة الأشاعرة ولم يقبلوها
وذموا القول بها ، عدا القول ببعض التفاصيل ، كالقول
برؤية الباري عز وجل في المنام التي ذهب إلى جوازها
بعض علماء الأشاعرة ، بل وحكم بعضهم بكفر من يعتقدها ،
ولكن أثبتوا مع الحنابلة بعض الصفات الأخرى التي عبروا
عنها بالصفات الخبرية ، وسبب تسميتها بالخبرية أنه لا
يمكن إثباتها بطريق العقل وإنما تثبت بالنقل ، والصفات
السابقة وإنْ وردت بالنقل ولكنها عندهم باطلة كما
أبطلوا صفات أخرى أثبتها الحنابلة ، سيأتي التعرض
لذكرها إنشاء الله تعالى ، والصفات الخبرية التي
أثبتوها مع الحنابلة وإنْ اختلفوا في التفاصيل هي صفة
الوجه واليدين والساق والرؤية وغير ذلك أيضاً ، ولنبدأ
بذكر الصفات الخبرية التي هي محل إتفاق بينهم ، ثم
نذكر الصفات الخلافية .
560
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
الأول : صفة الوجه والعينين واليدين
ذهب الحنابلة والأشاعرة معاً إلى إثبات صفة الوجه
للباري تبارك وتعالى ، واختلفوا بعد ذلك في حقيقة تلك
الصفة على أقوال :
القول الأول
وهو الذي ذهب له جمهور الحنابلة وبعض الأشاعرة بأنّ
لله عز وجل وجه حقيقياً ويداً حقيقية وعينين حقيقيتين
، غير أنهم ذكروا في ذيل هذه المقولة بلا تكييف ولا
تشبيه ، وأنّ المؤمنين يوم القيامة ينظرون إليه
بأعينهم ، وهذه بعض النصوص التي تتحدث عن ذلك :
1- ذكر أبو الحسن الأشعري أنه على عقيدة الإمام أحمد
بن حنبل حيث قال : قولنا الذي نقول به وديانتنا التي
ندين بها التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل وبسنة نبينا
محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وما روى عن السادة
الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون
وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل
نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما
خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل
الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به
المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيع الزائغين وشك
الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم
وكبير مفهم . (1)
(1) الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص 20
، 21 ط. دار الأنصار / القاهرة سنة 1397 هـ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
561
إلى أن قال (1) : وأنّ له سبحانه وجها بلا كيف كما قال
: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ
وَالإِكْرَامِ ). (2)
وهذه العبارات التي ذكرها أبو الحسن الأشعري من أقرب
العبارات إلى قول الحنابلة ، ولذا أثنى غير واحد منهم
على كتاب الإبانة وأنه قريب من عقائد السلف منهم ابن
تيمية (3) يقول أثناء كلامه عن الأشاعرة (4) : وأما من
قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره
ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يُعد من أهل السنة ،
لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة لاسيما وأنه يوهم
بـذلك حسناً بكـل من انتسب هـذه النسبة وينفتح بـذلك
أبـواب شر ... ، واعتمـد ابن تيميـة عليـه في مـواضـع
متعددة من كتبه . (5)
2- وافق الحنابلة غير أبي الحسن الأشعري في كتاب
الإبانة بعض الماتريدية ، جمال الدين الغزنوي
الماتريدي في أصول الدين : وله يدان هما صفة يخلق بهما
ما يشاء ، وهما يد خلق وقدرة ، لا يد بطش وجارحة .
(1) الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص 22
.
(2) سورة الرحمن : 27 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج3 ص 182 وص 205 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج6 ص 359 ، 360 .
(5) راجع على سبيل المثال : مجموع فتاوى ابن تيمية
ج5
ص 93 ، 98 ، 186 ، 188 .
562
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
إلى أنْ قال : وله وجه هو صفته ، وهو وجه إكرام وإقبال
، لا وجه مقابلة ومواجهة . (1)
وهذه العبارة وإنْ كانت تثبت صفة الوجه واليدين
والعينين ، ولكن فيما ذكره اختلاف مع كلمات الحنابلة
كما يتضح بالتأمل .
3- ونسب هذا القول إلى أبي حنيفة حيث ذكر ذلك في كتاب
الفقه الأكبر المنسوب إليه ، وإليه ذهب أيضاً الملا
علي القاري الحنفي الأشعري في شرح الكتاب المذكور . (2)
وهذه آراء بعض علماء السنة من غير الحنابلة ، وأما
علماء الحنابلة فكلماتهم في إثبات الوجه واليدين
والعينين فهي كثيرة جداً ، ولا بأس بذكر بعضها :
1- قال عبد القادر الجيلاني : له يدان ، وكلتا يديه
يمين ...
إلى أنْ قال : وخلق آدم عليه السلام بيده على صورته ،
وغرس جنة عدن بيده ، وغرس شجرة طوبى بيده ، وكتب
التوراة بيده ، ناولها موسى من يده إلى يده ... (3)
(1) أصول الدين للغزنوي ط. دار البشائر الإسلامية /
بيروت سنة 1419هـ- 1998م تحقيق وتعليق الدكتور وفيق
الداعوق .
(2) شرح كتاب الفقه الأكبر ص 66 ط. دار الكتب العلمية
/ بيروت سنة 1416هـ- 1995م.
(3) الغنية لطالبي طريق الحق للجيلاني ص85 ط. دار
إحياء التراث العربي / بيروت سنة 1416هـ- 1996م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
563
يقول أبو بكر الخلال : ومذهب أبي عبد الله أحمد بن
حنبل رضي الله عنه أنّ لله عز وجل وجهاً لا كالصور
المصورة والأعيان المخططة ، بل وجه وصفة بقوله تعالى :
( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ
) (1) ، ومن
غير معناه فقد ألحد ، وذلك عنده وجه في الحقيقة دون
المجاز ، ووجه الله باق لا يبلى ، وصفة له لا تفنى ،
ومـن ادعى أنّ وجهـه نفسـه فقـد ألحـد ، ومن غير معناه
فقـد كـفر ... (2)
إلى أنْ قال : وكان يقول : إنّ لله تعالى يدان ، وهما
صفة في ذاته ، ليستا بجارحتين ، وليستا بمركبتين ، ولا
جسم ولا جنس من الأجسام ، ولا من جنس المحدود ... الخ
. (3)
2- قال أبو إسماعيل الأنصاري أحد أبرز رموز الحنابلة
المتعصبين والمكفرين للأشاعرة ، وقد تقدم الكلام عنه
أثناء عرضه لآراء الأشاعرة : يردون على اليهود قولهم :
( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )
(4) ، فينكرون
(1) سورة القصص : 88 .
(2) العقيدة لأحمد بن حنبل برواية أبي بكر الخلال ص
103 ط. دار قتيبة / دمشق سنة 1408هـ- 1988م .
(3) العقيدة برواية أبي بكر الخلال ص 104 .
(4) قال تعالى : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا
قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ
يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا
لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ ) . سورة المائدة : 64 .
564
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
الغلّ
واليد فيكونون أسوأ حالاً من اليهود ، لأنّ الله تعالى
أثبت الصفة ، ونفى العيب واليهود أثبتت له الصفة ،
وأثبتت العيب ، وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب . (1)
وقال ناقلاً كلا الأشاعرة أيضاً في مقام الإستنكار :
وهؤلاء يقولون : وجه كما يقال وجه النهار ، ووجه الأمر
، ووجه الحديث ، وعين كعين المتاع ، وسمع كأذن الجدار
، وبصر كما يقال : جداراهما يترائيان ، ويد كيد المنة
والعطية ، والأصابع كقولهم : خراسان بين اصبعي الأمير
، والقدمان كقولهم : جعلت الخصومة تحت قدمي ، والقبضة
كما قيل : فلان في قبضتي ، أي أنا أملك أمره . (2)
إلى أنْ قال : وخالفوا السلف ، وتعدوا الظاهر ، وردوا
الأصل ، ولم يثبتوا شيئاً ولم يبقـوا موجـوداً ، ولم
يفرقـوا بين التفسير والعبـارة بالألسنة فقالوا : لا
نفسرها ، نجريها عربية كما وردت ، وقد تأولوا تلك
التأويلات الخبيثة أرادوا بهذه المخرقة أنْ يكون عوام
المسلمين أبعد غياباً عنها ، وأعيا ذهاباً منها ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
565
ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند سماعها ، وكذبوا بل
التفسير أنْ يقال وجه ، ثم يقال كيف ، وليس كيف في هذا
الباب من مقال المسلمين . (1)
إلى أنْ قال : وأنْ كانوا موهوها وورّوا عنها ،
واستوحشوا من تصريحها ، فإنّ حقائقها لازمة لهم ،
وأبطلوا التقليد ، فكفّروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم
وعوام المسلمين ، وأوجبوا النظر في الكلام ، واضطروا
إليه الدين بزعمهم ، فكفّروا السلف .
إلى أنْ قال : سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد
ووقار الخشوع واستفصلوا الرسول (ص) . (2)
إلى أنْ قال : وقد شاع بين المسلمين أنّ رأسهم علي بن
إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي . (3)
3- عقد ابن خزيمة الملقب عندهم بإمام الأئمة في كتابه
التوحيد الذي يعتبر من أهم مصادر العقيدة عند السنة
ولا سيما الحنابلة ، فصلاً في إثبات الوجه قال فيه :
باب ذكر إثبات الوجه الـذي وصفه بالجلال والإكرام (4).
(1) ذم الكلام ج5 ص 137 ، 138 .
(2) ذم الكلام ج5 ص 138 .
(3) ذم الكلام ج5 ص 139 .
(4) كتاب التوحيد ص10 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1403هـ- 1983م .
566
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
إلى أنْ قال : وزعمت المعطلة من الجهمية أنّ معنى
الوجه الذي ذكر الله في الآي التي تلونا من كتاب الله
وفي الأخبار التي رويناها عن النبي صلى الله عليه
(وآله) وسلم كما تقول العرب وجه الكلام ووجه الدار
ووجه الثوب ، وزعمت أنّ الوجوه من صفات المخلوقين
...الخ . (1)
ثم عقد فصلاً قال فيه : باب ذكر إثبات العين لله جل
وعلا ، وقال أيضاً : فواجب على كل مؤمن أنْ يثبت
لخالقه وبارئه ما أثبت لنفسه من العين ، وغير مؤمن من
ينفي عن الله تبارك وتعالى ما قد يثبته في محكم تنزيله
. (2)
ثم عقد فصلاً قال فيه : باب ذكر إثبات اليد للخالق
البارئ جل وعلا والبيان أنّ الله تعالى لـه يـدان كما
أعلمنا في محكم تنزيلـه أنه خـلق آدم بيديه ...الخ . (3)
4- يقول شيخ الوهابية بن عثيمين في شرح لمعة الإعتقاد
لابن قدامة المقدسي الحنبلي : وأجمع السلف على إثبات
الوجه لله تعالى ، فيجب إثباته له بـدون تحريف ولا
تعطيـل ولا تكييف ولا تمثيل وهـو وجه حقيقي يليق بالله
. (4)
(1) كتاب التوحيد ص 24 .
(2) كتاب التوحيد ص 42 .
(3) كتاب التوحيد ص 53 .
(4) شرح لمعة الإعتقاد ص 48 ط. مكتبة أضواء السلف /
الرياض ط.3 سنة 1415هـ- 1995م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
567
وقال أيضاً : وأجمع السلف على إثبات اليدين لله ، فيجب
إثباتهما له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل
، وهما يدان حقيقيتان لله تعالى يليقان به . (1)
وقال في شرح العقيدة الواسطية : والوجه معناه معلوم ،
لكن كيفيته مجهولة ، لا نعلم كيف وجه الله عز وجل
كسائر صفاته ، لكننا نؤمن بأنّ لـه وجهـاً موصـوفاً
بالجـلال والإكـرام ، ومـوصوفاً بالعظمة والنور العظيم
. (2)
إلى أنْ قـال : هذا لوجه وجه عظيم ، لا يمكن أبداً أنْ
يماثل أوجه المخلوقات . (3)
وقال أيضاً : وأجمع السلف على أنّ لله يدين اثنين فقط
بدون زيادة . (4)
وقال تعليقاً على الحديث الذين يروونه بشأنْ الدجال :
إنه أعور وإنْ ربكم ليس بأعور :
(1) شرح لمعة الإعتقاد ص 49 .
(2) شرح العقيدة الواسطية ج1 ص 255 ط. دار البصيرة /
الإسكندرية – دار الأصالة / الإسكندرية سنة 1419هـ-
1998م .
(3) شرح العقيدة الواسطية ج1 ص 256 .
(4) شرح العقيدة الواسطية ج1 ص 271 .
568
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
وهذا الحديث يدل على أنّ لله تعالى عينين اثنتين فقط ،
ووجه الدلالة أنه لو كان لله أكثر من اثنتين ، لكان
البيان به أوضح البيان بالعور ، لأنه لو كان لله أكثر
من عينين لقال : إنّ ربكم له أعين ...الخ . (1)
5- يقول ابن قيم الجوزية : بل نقول : له ذات حقيقية
ليست كالذوات ، وله صفات حقيقية لا مجازاً ، ليست
كصفات المخلوقين ، وكذلك قولنا في وجهه تبارك وتعالى
ويديه .... الخ . (2)
6- يقول ابن تيمية : بل إثبات جنس هذه الصفات قد اتفق
عليه سلف الأمة وأئمتها من أهل الفقه والحديث والتصوف
والمعرفة وأئمة أهل الكلام من الكلابية والكرامية
والأشعرية ، كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه واليد ونحو
ذلك ، وقد ذكر الأشعري في كتاب المقالات أن هذا مذهب
أهل الحديث وقال إنه به يقول ، فقال في جملة مقالة أهل
السنة وأصحاب الحديث جملة مقالة أهل السنة وأصحاب
الحديث الإقرار بكذا وكذا وأن الله على عرشه استوى وأن
له يدين بلا كيف كما قال : ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
) وكما
قال : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
) وأن له عينين
بلا كيف كما قال : ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا
) ، وأن له
وجها كما قال : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو
الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ) . (3)
وكلماتهم في غاية الكثرة .
(1) شرح العقيدة الواسطية ج1 ص 283 .
(2) الصواعق المرسلة ج2 ص 426 .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج4 ص 174 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
569
القول الثاني
وقد ذهب له بعض أئمة السنة من علماء الأشاعرة وهو لزوم
تأويل هذه العبارات الواردة في بعض النصوص ، وأنها
إنما تحمل على المجاز الذي يرد في الكلام كثيراً ، وقد
وافقوا بذلك الشيعة والمعتزلة في نفي تلك الصفات ،
وممن ذهب إلى هذا القول إمام الحرمين الجويني حيث يقول
في الإرشاد : ذهب بعض أئمتنا إلى أنّ اليدين والعين
والوجه صفات ثابتة للرب تعالى ، والسبيل إلى إثباتها
السمع دون قضية العقل ، والذي يصح عندنا حمل اليدين
على القدرة ، وحمل العـين على البصر ، وحمـل الوجـه
على الوجود . (1)
وهذا الرأي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري في أحد قوليه ،
وذهب إليه كثير من الأشاعرة غير إمام الحرمين ، بل نسب
إلى أكثرهم ، يقول سعد الدين التفتازاني في شرح
المقاصد إثناء كلامه عن الصفات المختلف فيها : ومنها :
ما ورد به ظاهر الشرع ، وامتنع حملها على
(1) كتاب الإرشاد في إلى قواطع الأدلة في أصول
الاعتقاد ص 146 ط. مؤسسة الكتب الثقافية / بيروت سنة
1405هـ- 1985م .
570
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
معانيها
الحقيقية ، مثل الاستواء في قوله تعالى:
( الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (1) واليد في قوله تعالى :
( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
) (2) ( مَا
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )
(3)
والوجه في قوله تعالى : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ
) (4) والعين في قوله تعالى :
( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )
(5) ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا )
(6) فعن الشيخ
(7) أنّ كلاً منها صفة زائدة . (8) ، وعند الجمهور (9)
وهو أحد قولي الشيخ أنها مجازات ، فالاستواء مجاز عن
الاستيلاء أو تمثيل وتصوير لعظمة الله تعالى ، واليد
مجاز عن القدرة ، والوجه عن الوجود ، والعين عن البصر
. (10)
(1) سورة طه : 5 .
(2) سورة الفتح : 10 .
(3) سورة ص : 75 .
(4) سورة الرحمن : 27 .
(5) سورة طه : 39 .
(6) سورة القمر : 14 .
(7) يقصد به أبو الحسن الأشعري شيخ الأشاعرة وإمامهم .
(8) أي : صفة زائدة عن الذات وليست عين ذاته ، وهذا هو
قول الأشاعرة في سائر الصفات خلافاً للشيعة الإمامية
حيث ذهبوا إلى أنّ صفاته عز وجل عين ذاته .
(9) وهم جمهور الأشاعرة .
(10) شرح المقاصد للتفتازاني ج4 ص 174 ط. سنة 1409هـ -
1989م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
571
ونفس ما تقدم ذكره الإيجي في المواقف والسيد الشريف
الجرجاني في الشرح أيضاً . (1)
وإلى هذا القول ذهب أبو حامد الغزالي (2) ، واختاره السيالكوتي في حاشيته على شرح المواقف واستشكل على
كلام أبي الحسن الأشعري الذي وافق فيه قول الحنابلة .
(3)
قال ابن قيم الجوزية في مقام تقرير مذهب الأشاعرة
الذين سماهم بالسبعية
لأنهم يثبتون لله عز وجل سبع صفات ثبوتيه تنتهي إليها
جميع الصفات وقالوا بالتأويل في الصفات الخبرية :
والذين أجمعوا قبلهم على هذه الصفات أجمعوا على إثبات
سائر الصفات ولم يخصوها بسبع ، بل تخصيصها بسبع خلاف
قول السلف ، وقول الجهمية والمعتزلة ، فالناس كانوا
طائفتين ، سلفية وجهمية ، فحدثت الطائفة السبعية ،
واشتقت قولاً بين القولين ، فلا للسلف اتبعوا ولا مع
الجهمية بقوا .
ثم قال : وقالت طائفة أخرى : ما لم يكن ظاهره جوارح
وأبعاض كالعلم والحياة
(1) شرح المواقف ج8 ص 125 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1419هـ- 1998م .
(2) قواعد العقائد للغزالي ص 165 – إلى – 168 ط. عالم
الكتب / بيروت ط.2 سنة 1405هـ- 1985م .
(3) حاشية السيالكوتي المطبوعة بهامش شرح المواقف
للشريف الجرجاني ج8 ص 125.
572
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
والقدرة والإرادة والكلام لا
يتأول ، وما كان ظاهره جوارح وأبعاض كالوجه واليدين
والقدم والساق والإصبع ، فإنه يتعين تأويله لاستلزامه
التركيب والتجسيم . (1)
وقال الكرمي الحنبلي في أقاويل الثقات أثناء حديثه عن
صفة الوجه : وتأويله عند أهل التأويل أنّ المراد
بالوجه الذات المقدسة ، فأما صفة زائدة على الذات فلا
، وهو قول المعتزلة وجمهور المتكلمين . (2)
إلى أنْ قال : ومذهب السلف أنّ الوجه صفة ثابتة لله
ورد بها السمع ، فتُتلقى بالقبول . (3)
وهكذا قال بالنسبة لبقية الصفات .
القول الثالث
وهو القول بقبول صفة الوجه واليدين والعينين ونحوهما ،
ولكن على معان غير معلومة المعنى ، فتكون تلك الصفات
معان مبهمة ، ونسبه الشهرستاني في الملل والنحل إلى
بعض السلف ، يقول في الملل والنحل :
فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات
المحدثات ، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها
وما ورد في الخبر ، فافترقوا فرقتين :
(1) الصواعق المرسلة ج1 ص 225 ، 225 .
(2) أقاويل الثقات ص 141 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة
1406هـ- 1985م .
(3) أقاويل الثقات ص 143 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج1
................................................................
573
فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك .
ومنهم من توقف في التأويل ، وقال عرفنا بمقتضى العقل
أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ، فلا يشبه شيئاً من
المخلوقات ، ولا يشبهه شيء منها ، وقطعنا بذلك ، إلا
أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيها ، مثل قوله تعالى
: ( الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
) (1) ،
ومثـــل قـولـه : ( خَلَقْتُ بِيَـدَيَّ
) (2) ومثل
قوله : ( وَجَاءَ رَبُّكَ )
(3) ، إلى غير ذلك ، ولسنا
مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها ، بل التكليف
قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له ، وليس كمثله شيء ،
وذلك قد أثبتناه يقينا .
قال بعـد ذلك : ثم إنّ جمـاعـة من المتأخرين زادوا على
ما قـاله السـلف ،
فقالوا لا بد من إجرائها على ظاهرها ، فوقعوا في
التشبيه الصرف ، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف ، ولقد
كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود ، لا في كلهم ، بل
في القرائين منهم ، إذْ وجدوا في التـوراة ألفاظاً
كثيرة تدل على ذلك . (4)
(1) سورة طه : 5.
(2) سورة ص : 75 .
(3) سورة الفجر : 22 .
(4) الملل والنحل للشهرستاني ص 39 ط. مؤسسة ناصر
للثقافة / بيروت سنة 1981م .
574
....................................................
الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة
أقول : ما ذكره الشهرستاني من أنّ الذين قالوا لا بد
من إجرائها على ظاهرها هم المتأخرون لا يخلو من عدم
الدقة ، فقد اتضح مما تقدم قول عدد من المتقدمين ومنهم
أحمد بن حنبل بذلك .
وقد ذهب إلى هذا القول من التوقف في المعنى وعدم إجراء
الألفاظ على ظاهرها الحافظ ابن حجر العسقلاني ، يقول
في فتح الباري : وقد تقرر أنّ اليد ليست بجارحة حتى
يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع ، بل هو توقيف أطلقه
الشارع فلا يكيف ولا يشبه . (1)
وإلى هذا أيضاً ذهب الحافظ أبو بكر البيهقي في الأسماء
والصفات حيث قال : وليس معنى اليد في الصفات بمعنى
الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع ، بل هو توقيف
شرعي أطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير
تكييف ولا تشبيه ... (2)
(1) فتح الباري ج13 ص 398 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1379هـ .
(2) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص 424 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت .