الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 589

المبحث الخامس
مناقشة ما ذهب له الحنابلة في الصفات الإلهية

تبين مما تقدم أنّ مذهب الحنابلة قائم على لزوم الأخذ بالمداليل الوضعية للآيات الكريمة ، والروايات التي اختصت كتب السنة برواية قسم كبير منها ، ورفضوا التصرف في دلالة تلك الروايات ، متعللين بأنّ ذلك صرف للروايات عن ظاهرها ، وأنه لا يجوز صرفها عن الظاهر ، وعمدة أدلتهم التي ذكروها قبل ابن تيمية أنّ السلف حملوها على تلك المعاني ، وتصرف السلف في فهم الروايات حجة ، فلا يجوز العدول عما كانوا عليه ، ثم أنّ ابن تيمية جاء بعد ذلك ليضيف على ما ذكروه بأنّ فكرة المجاز ، وتقسيم استعمال الألفاظ إلى حقيقة ومجاز هو من البدع التي لم تكن في زمن السلف ، ولذا لا يجوز حمل الألفاظ على غير معانيها التي وضعت لها ، وقبل أنْ نناقش ابن تيمية ، لا بأس أنْ نناقش أولاً أسلافه وشيوخه من الحنابلة والمجسمة ، والكلام في مناقشتهم يقع في مقامين :

590 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

المقام الأول
ما استدلوا به من الآيات التي أثبتوا بها
الصفات التي سموها بالصفات الخبرية

ادعى الحنابلة بأنّ الآيات الكريمة تدل على ثبوت بعض الصفات للباري عز وجل ، ومن بينها صفة الوجه وصفة اليد ، وأنّ هذا هو الظاهر من ألفاظ تلك الآيات الشريفة ، وأنّ حملها على معان أخرى خلاف الظاهر ، وهنا علينا أنْ نسألهم ما هو المقصود من الظاهر ، هل المقصود من الظاهر هو دلالة الألفاظ على ما وضعت له في اللغة بغض النظر عن مراد المتكلم أو المقصود منه ما يريد المتكلم إفهامه للغير ، فمن الواضح أنّ المتكلم قد يتحدث بالكلام ويتصرف في دلالة الألفاظ على خلاف المعنى الذي وضع له اللفظ مع نصب القرينة عليه ، وتلك القرينة تارة تكون حالية وأخرى تكون لفظية ، إذْ فوصف البعض في كلماتهم بأنه سيف الله مثلاً ، لا يقصد منه السيف بمعناه الوضعي ، وإنما يُقصد منه أنه قاصم لظهر الأعداء وأحد الأشخاص الذين جعلهم الله عز وجل سبباً لقوة شوكة المسلمين ، وعندما يقول الناس عن الرجل الشجاع بأنه > أسد < فلا يقصدون به أنه حيوان مفترس ، ولفظ الأسد في اللغة ، إنما وضع للحيوان

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 591

المفترس وليس للرجل الشجاع ، فإذا حملنا كلام هذا المتحدث على معناه الوضعي كان ذلك صرفاً لمعنى اللفظ على خلاف مقصود المتكلم ، وعلى خلاف ما هو الظاهر من كلامه الذي نصب عليه القرائن اللفظية أو الحالية .

ومما تقدم يظهر أنّ الظاهر من اللفظ تارة يكون مطابقاً للمدلول الوضعي للفظ ، وأخرى لا يطابقه ، وذلك حسب صياغة الكلام واقترانه بما يدل على مقصود المتكلم .

وهذا الأمر من الواضحات المسلمة التي لا يختلف فيها العلماء ، ولنذكر بعض الشواهد عليها من آيات القرآن الكريم .
1- قوله تعالى : ( لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الإِيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (1) .

الآية الكريمة ذكرت في جملة كفارات الحنث باليمين تحرير رقبة ، والرقبة وضعت في اللغة العربية على عضو من أعضاء الإنسان ، ولم توضع لتدل على نفس الإنسان ، وهنا الظاهر من الآية الكريمة ليس تحرير هذا العضو بالخصوص ، وإنما المقصود بالرقبة بحسب الظاهر

 

(1) سورة المائدة : 89 .

 
 

592 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

الذي لا كلام فيه الإنسان ، وهنا من الواضح أنْ الظهور كان على خلاف المدلول الوضعي للفظ ، ولم توضع له قرينة لفظية أصلاً ، فلا يوجد في ألفاظ الآية الكريمة ما يدل على أنّ المقصود بالرقبة هو الإنسان ، والقرينة عليه قرينة غير لفظية ، وهي الارتكاز الموجود في أذهان الناس بل جميع العقلاء بأنّ متعلق العتق إنما هو الإنسان ، وتحرير بعض أعضائه دون البعض في نظرهم ليس أمراً ذا فائدة كما هو واضح جداً .

2- قوله تعالى : ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ).(1)
هذه الآية الكريمة تدل على أنّ كل شيء هالك إلا وجهه عز وجل ، ولفظ الوجه في اللغة لم يوضع ليدل على تمام الذات بل على بعض الذات ، ولهذا السبب أثبت الحنابلة ومن تابعهم صفة الوجه ، ولو حملنا اللفظ على دلالته الوضعية وأثبتنا لله عز وجل وجها ، وأنّ وجهه يختلف عن يده كما عليه المجسمة والمشبهة ، فالنتيجة أنّ كل شيء سيهلك حتى صفات الباري عز وجل الذاتية في نظرهم كصفة اليد والرجل والكف والأصابع والشعر والصدر وغير ذلك من الصفات التي ذكروها ، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وهذه الآية الكريمة من أهم الآيات التي حار فيها الحنابلة لاسيما مع الالتزام بما درجوا عليه من عدم جواز التأويل ولزوم حمل الألفاظ على مداليها الوضعية ، بدعوى أنّ ذلك هو الظاهر

 

(1) سورة القصص 88 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 593

من اللفظ ، ولم يذكروا جواباً مقنعاً في ذلك ، فإذا التزموا بالتأويل في هذا الموضع ، فحينئذ يرد عليه السؤال الذي ليس لديهم جواب عليه ، وهو : أنه ما هو المقتضي للتأويل في هذا الآية دون بقية الآيات الكريمة ، وممن حاول الإجابة عن دلالة هذه الآية الكريمة إمام الحنـابـلـة أحمـد بن حنبل حيث يقـول في كتاب الرد على الجهمية : وأما قـوله ( كُـلُّ شَيْءٍ هَالـِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) وذلك أنّ الله أنزل : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) (1) قالت الملائكة : هلك أهل الأرض ، وطمعوا في البقاء ، فأنزل الله آية يخبر عن أهل السماوات وأهل الأرض أنهم يموتون ، فقال : ( كُـلُّ شَيْءٍ ) من الحيوان هالك ، يعني ميت ، إلا وجهه أنه حي لا يموت ، فأيقنوا عند ذلك بالموت . (2)

وما ذكره أحمد بن حنبل ليس فيه أي جواب نافع ، فقد ذكر سبب نزول الآية ، ولا نريد أنْ نخوض في مناقشة ما ذكره بشأنْ سبب النزول ، إلا أنّ السؤال الذي ينبغي طرحه في المقام هو : هل أنّ المقصود بالوجه في الآية الكريمة الوجه الذي هو في مقابل اليد والرجل وغير ذلك من الصفات التي زعموها ، أو يراد بالوجه الذات الإلهية ، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، فإنْ أريد الأول كانت الآية دالة بمقتضى صيغة الحصر والاستثناء على فناء بقية الصفات وبقاء صفة الوجه فقط ، وإنْ أريد الثاني ، فقد بطل أساس ما اعتمدوا عليه من رفض التأويل وعدم جواز الخروج بالألفاظ عن مداليلها الوضعية .

 

(1) سورة الرحمن : 26 .
(2) الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل ص 41 ، 42 ط. دار قتيبة / بيروت – دمشق سنة 1411هـ- 1990م .

 
 

594 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

ومن عجيب إجابتهم الأجوبة التي يتم فيها الهروب من السؤال بواسطة الطعن في خصومهم ، ومن هذا القبيل ما ينقله غير واحد منهم ابن تيمية ، حيث يقول : وعن يحيى بن شبل قال : كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعبد الله بن كثير إذ جاء شاب فقال : ما تقولون في قوله : ( كُـلُّ شَيْءٍ هَالـِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) ؟ فقال مقاتل : هذا جهمي ، ثم قال : ويحك أن جهما والله ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا . (1)

وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ( كُـلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) على أقوال ، فمنهم من قال ما أريد بذلك إلا الوجه ، ونقلوا ذلك عن أبي العالية وغيره ، ومنهم من قال المقصود بوجهه هو عز وجل ، وهو ما يظهر من البغوي في تفسيره ، وفسر بعضهم الوجه بالملك وأنّ المقصود بذلك إلا ملكه ، وهذه الأقوال الثلاثة نقلها البغوي في تفسيره (2) .

 

(1) الفتاوى الكبرى ج5 ص 42 .
(2) تفسير البغوي ج4 ص364 ط. دار الفكر / بيروت سنة 1412هـ- 1992م وج3 ص 459 ط. دار المعرفة / بيروت سنة1407هـ 1987م .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب