الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 595

المقام الثاني
فيما استدلوا به من الروايات

الروايات التي استدلوا بها تنقسم إلى أقسام :

القسم الأول : ما لا يقبل التأويل ويدل على ما ذكروه بشأنْ الصفات الخبرية كالخبر القائل بأنّ الباري عز وجل استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً .

القسم الثاني : الروايات التي يظهر منها ما ذكروه ولكنها تقبل التأويل ، وقد اعتبر الأشاعرة من بين تلك الروايات حديث النزول .

596 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

القسم الثالث : ما يدل على إثبات الصفات الخبرية بلحاظ الدلالة الوضعية للفظ ، ولكنه لا يدل على ذلك بالدلالة الإستعمالية ، وبعبارة أخرى : قامت القرائن المعتبرة على أنّ المقصود بالألفاظ المعنى غير الحقيقي ، مثل ما أخرجه عدة من الحفاظ منهم البخاري في صحيحه وابن حبان والبيهقي وأبو نعيم الإصبهاني بسندهم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إن الله قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته . (1)

 

(1) صحيح البخاري ج5 ص 2384 ط. دار ابن كثير – دار اليمامة / بيروت سنة 1407هـ 1987م ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج2 ص 58 ح 347 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1408هـ- 1988م ، السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 346 وج10 ص 219 ، حلية الأولياء ج10 ص 99 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 597

فهنا من الواضح جداً أنه ليس المقصود أنّ من يتقرب إلى الباري عز وجل فإنه تبارك وتعالى يكون يداً له على نحو الحقيقة ، وإنما هذا التعبير للإشارة إلى عظمة التفضل الإلهي على العبد ، ورغم أنه لا توجد قرينة في اللفظ على ذلك ، ولكن القرينة الحالية موجودة وهي الارتكاز الذهني الموجود لدى ذهن السامع ، ويقينه بامتناع تحقق اللفظ بدلالته الوضعية .

والقسم الأول لم يثبت صدوره بالقطع ، مضافاً لتنافيه الصريح مع الأدلة العقلية القطعية ، بل يتنافى مع آيات القرآن الكريم ، كوصف الباري عز وجل بأنه تجلى في صورة شاب أمرد أو غير ذلك من العبارات وتعالى الله عز وجل عما يقولون علواً كبيراً .

والقسم الثاني ، لابد من تأويله لوجود الأدلة القطعية على بطلانه ، والتأويل في الآيات والروايات متفق عليه بين المسلمين ، فحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد والظاهر على النص ، كلها من مظاهر التأويل التي جرى عليها عرف الفقهاء والمفسرين ، حتى قالوا : > ما من عام إلا وقد خص ولا مطلق إلا وقد قيد < ، ولا يوجد مانع من التأويل سوى ما نقلوه عن سلفهم ، ولكن الالتزام بما قاله سلفهم لا يمكن أنْ يتمشى إلا مع تعطيل دور العقل الذي أمرنا الله عز وجل بأنْ نستفيد منه .

598 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

والقسم الثالث قالوا في قسم منه بأنه ظاهر في إثبات الصفات التي سموها بالصفات الخبرية ، وقد اشتبه عليهم معنى الظهور ، فالدلالة الوضعية ، ليست بالضرورة هي الظاهرة من الكلام ، وإنما تتوقف دلالة الكلام على مراد المتكلم على النظر إلى القرائن اللفظية أو الحالية ، وإلا كان ذلك تفريغاً للفظ من محتواه ، وهذه من أهم المشاكل التي وقع فيها الحنابلة .

مع ما ذكره ابن تيمية

حاول ابن تيمية أنْ يصحح منهج من سبقه من أسلافه من علماء الحنابلة بدعوى أنْ تقسيم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز من التقسيمات التي لم تكن موجودة في القرون الثلاثة الأولى ، وعليه فلا مقتضي لحمل الألفاظ على معانيها المجازية ، ولابأس أولاً أنْ ننقل كلامه بطوله يقول في كتاب الإيمان :
تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز ، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها إنْ استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة ، فإنّ هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين ، ولكن المشهور أنّ الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ ، وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة ، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 599

ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم .

وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة ، وإنما عنى بمجاز الآية ما يُعبر به عن الآية ، ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصري وأمثاله إنه يُعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأنْ يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز ، فقد تكلم بلا علم ، فإنه ظن أنّ أهل اللغة قالوا هذا ، ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها ، وإنما هذا اصطلاح حادث ، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ، فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف ، وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يُقسم هذا التقسيم ، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز ، وكذلك محمد بن الحسن في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز ، وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل ، فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله : > إنا ونحن < ونحو ذلك في القرآن : هذا من مجاز اللغة ،

600 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

يقول الرجل : إنا سنعطيك ، إنا سنفعل ، فذكر أنّ هذا من مجاز اللغة ، وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال إنّ في القرآن مجازاً كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم ، وآخرون من أصحابه منعوا أنْ يكون في القرآن مجاز كأبي الحسين الجزري وأبي عبد الله بن حامد وأبي الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي ، وكذلك منع أنْ يكون في القرآن مجاز محمد بن جرير بن منذر وغيره من المالكية ، ومنع منه داود بن علي ، وابنه أبو بكر ، ومنذر بن سعيد البلوطي ، وصنف فيه مصنفاً .

وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين ، ,أما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدما أصحاب أحمد إنّ في القرآن مجازاً لا ما لك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة ، فإنّ تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة ، وظهرت أوائله في المائة الثالثة ، وما علمته موجوداً في المائة الثانية ، اللهم إلا أنْ يكون في أواخرها ، والذين أنكروا أنْ يكون أحمد أو غيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا : إنّ معنى قول أحمد : > من مجاز اللغة < أي مما يجوز في اللغة أنْ يقول الواحد العظيم الذي له أعوان : > نحن فعلنا كذا ونفعل كذا < ونحو ذلك ، قالوا : ولم يرد أحمد بذلك أنّ اللفظ استعمل في غير ما وضع له .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 601

وقد أنكر طائفة أنْ يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره كأبي إسحاق الإسفرائيني ، وقال المنازعون له : إنّ النزاع معه لفظي ، فإنه إذا سلم أنّ في اللغة لفظاً مستعملاً في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا بقرينة فهذا هو المجاز ، وإنْ لم تُسمه مجازاً ، فيقول من ينصره : إنّ الذين قسموا اللفظ إلى حقيقة ومجاز قالوا : الحقيقة هو : اللفظ المستعمل فيما وضع له ، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ، كلفظ الأسد والحمار إذا أريد بهما البهيمة أو أريد بهما الشجاع والبليد ، وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أنْ يكون اللفظ قد وضع أولاً لمعنى ثم بعد ذلك يُستعمل في موضوعه ، وقد يُستعمل في غير موضوعه ، ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أنّ كل مجاز فلا بد له حقيقة ، وليس لكل حقيقة مجاز . فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقال : اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز ، فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له .

وهذا كله إنما يصح أنْ لو علم أنّ الألفاظ العربية وضعت أولاً لمعان ، ثم بعد ذلك استعملت فيها ، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال ، وهذا إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أنّ قوماً من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أنْ يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ، ويجعل هذا عاماً في جميع اللغات ،

602 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

وهذا القول لا نعرف أحداً من المسلمين قاله قبل أبي هاشم ابن الجبائي ، فإنه وأبا الحسن الأشعري كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي ، لكن الأشعري رجع عن مذهب المعتزلة وخالفهم في القدر والوعد والوعيد ، وفي الأسماء والأحكام ، وفي صفات الله تعالى ، وبين تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه ، فتنازع الأشعري وأبو هاشم الجبائي في مبدأ اللغات ، فقال أبو هاشم : هي اصطلاحية ، وقال الأشعري : هي توقيفية ، ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة ، فقال آخرون : بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي ، وقال فريق رابع بالوقف . (1)

هذا ما ذكره ابن تيمية بشأنْ رفضه لتقسيم اللفظ المستعمل إلى حقيقة ومجاز كما هو المعروف بين عامة علماء المسلمين إلا من شذ ، ومناقشة كلامه تقتضي الكلام في عدة جهات :

الجهة الأولى
مبدأ تقسيم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز

يدعي ابن تيمية حسب كلامه المتقدم أنّ تقسيم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز حدث في القرآن الرابع الهجري ، وبدأ الكلام عنه في أواخر المائة الثلاثة ،

 

(1) كتاب الإيمان لابن تيمية ص 97 - إلى - 82 ط.دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1403هـ- 1983م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 603

ثم يحتمل بعد ذلك أنه حدث في نهاية المائة الثانية ، وهو ما يدل على عدم تثبته من الأمور بدقة فالجزم بأنّ ذلك نشأ في المائة الرابعة ، والتعبير عنه بما يوهم السامع أنه نتيجة تتبع دقيق لا ينسجم مع احتمال أنْ يكون نشأ في أواخر المائة الثانية كما هو واضح لاسيما بعد ملاحظة الفاصل الزمني الطويل ويرجح أنْ يكون ذلك قد نشأ من المعتزلة وأضرابهم من المتكلمين ، والهدف من هذا الكلام الطعن في هذا التقسيم ، وأنّ فكرة المجاز لم تكن موجودة في العصور السالفة ، وعليه فلا يصح أنْ تحمل عليه ألفاظ الشارع الأقدس سواء ورد ذلك في القرآن الكريم أو السنة الشريفة .

وكأنّ المشكلة الأساسية التي تقتضي رفض فكرة انقسام اللفظ إلى الحقيقة والمجاز هو تأخر الاصطلاح وعدم وروده في كلام المتقدمين ، وعلى هذا الأساس الذي أسسه ابن تيمية لا بد من رفض عدة من العلوم مثل علم النحو والصرف والعروض وغيرها ، إذْ لم تتكون اصطلاحاتها إلا بعد أنْ تداخل العرب بغيرهم فكان علم النحو وعلم الصرف لحفظ اللغة من الضياع ، وإلا فإنه لم يكن بين العرب مصطلح المفعول به والمفعول لأجله والصفة المشبهة والتمييز لا مصطلح المعرب والمبني ولا المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم وغير ذلك بالمعنى الذي اصطلحه النحاة ، فهل يقتضي ذلك

604 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

أنْ نرجع إلى النحو والصرف في فهم كلام من نشأ فيهم علم النحو وعلم الصرف ، وأنْ لا نرجع إليهما في فهم كلام لم من لم يكن في عهده هذان العلمان ، وهذا الكلام بين الفساد والبطلان .

ويمكن الكلام لحل المشكلة التي أثارها بعد النقض عليه بالأمثلة المذكورة وغيرها أنّ المشكلة ليست في المصطلح حتى نجعل تأخر المصطلح أو تقدمه هو الأساس لإثبات الفكرة أو نفيها ، وإنما المعيار في تحقق الاستعمال الحقيقي من قبل العرب وعدم تحققه ، كما هو الحال بالنسبة لمصطلحات علم النحو ، فليس المعيار أنّ مصطلح الفاعل هل كان موجوداً عند قدماء العرب أو لم يكن موجوداً ، ولا المعيار في وجود مصطلح الرفع والنصب والجر وغيرها ، بل الضابطة في النظر إلى كلمات العرب ، هل أنْ ما صدر منه الفعل يلفظ بالطريقة التي تتطابق مع مصطلح النحاة أم لا ، وهذا ما لاحظه مؤسسوا علم النحو في بداية الأمر ، وهو نفسه ما لاحظه من قسم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز ، فإنهم مثلاً بعد دراسة لغة العرب لاحظوا أنّ لفظ الأسد وضع للحيوان المفترس ، وإذا أطلق بلا قرينة انصرف إلى الحيوان المفترس ، ودلالته على غيره كالرجل الشجاع لا يكون إلا مع القرينة ، وكان مستعملاً على خلاف ما وضع له اللفظ ، وعلى هذا الأساس قسموا الاستعمال إلى الحقيقة والمجاز ، ولم يختص ذلك في اللغة العربية ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 605

بل بالنظر إلى جميع اللغات لاحظوا نفس هذه الفكرة ، وعلى أساسها تم الاصطلاح المذكور ، غاية ما في الأمر ، كان التقسيم موجوداً قبل الاصطلاح ، ومن ثم وضع الاصطلاح من قبل العلماء لتنظيم البحث العلمي ، كما هو الحال بالنسبة لقواعد اللغة العربية ، فإنها كانت موجودة عند العرب ، وكان العرب يرفعون الفاعل ونائب الفاعل وينصبون المفعول به والمفعول المطلق والحال وغير ذلك من المواضع من دون أنْ يكون لديهم اصطلاحات ، ومن ثم جاء العلماء ووضعوا الاصطلاح لأجل تنظيم البحث والحفاظ على اللغة وقواعدها ، وليس علماء النحو هم من أسس تلك القواعد ، بل كانت موجودة عند العرب قبل الاصطلاح .

وعليه فليس من المهم أنْ ينشأ الإصلاح على أيدي المتقدمين أو المتأخرين أو المعاصرين ، وإنما المهم هو قدم الفكرة وتطبيقها من قبل أهل اللغة وغيرهم ، ولو قبل نشأة الاصطلاح .

ومن شواهد الاستشهاد على المجاز ما ذكره الفقيه والأصولي الشافعي المعروف أبو إسحاق الشيرازي ، حيث يقول في اللمع : ومن الناس من أنكر المجاز في اللغة ، وقال ابن داود : ليس في القرآن مجاز وهذا خطأ ، لقوله تعالى : ( جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ ) (1) ونحن نعلم

 

(1) سورة الكهف : 77 .

 
 

606 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

ضرورة أنه لا إرادة للجدار وقال تعالى : ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ ) (1) ونحن نعلم ضرورة أنّ القرية لا تُخاطب فدل على أنه مجاز . (2)

وابن تيمية وإنْ كان كلامه في نشأة الاصطلاح فيه الكثير من التخبط الذي لا نريد أنْ ندخل معه في تفاصيله لو تنزلنا وقلنا بأنه أثبت أنّ مصطلح الحقيقة ومصطلح المجاز من المصطلحات المتأخرة التي لم تكن في عهد القرون الثلاثة الأولى ، ولكنه لم يستطع أنْ يثبت أنْ الفكرة لم تكن فكرة قديمة متداولة بين العرب قبل نشوء المصطلح ، بل الوجدان خلاف كلامه ، والأمثلة عليه في كلام العرب وأشعارهم في غاية الكثرة .

ولعل من أنسب الأجوبة على كلام ابن تيمية الجواب الذي رد به العالم الحنبلي المعروف الشوكاني على أبي إسحاق الإسفرائيني الذي نفى وجود المجاز في لغة العرب ، يقول الشوكاني : المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم ، وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرائيني ، وخلافه هذا يدل أبلغ دلالة على عدم إطلاعه على لغة العرب ، وينادي بأعلى صوته بأنّ سبب هذا الخلاف تفريطه في الإطلاع على ما ينبغي الإطلاع عليه من أحوال هذه اللغة الشريفة وما اشتملت عليه

 

(1) سورة يوسف : 82 .
(2) اللمع في أصول الفقه ص 7 ، 8 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1405هـ- 1985م .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 607

من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها ، وقد استدل بما هو أوهن من بيوت العنكبوت ، فقال لو كان المجاز واقعاً في لغة العرب لزم الإخلال بالتفاهم إذْ قد تخفى القرينة ، وهذا التعليل عليل ...الخ . (1)

الجهة الثانية
أدلة القول بعدم وقوع المجاز في القرآن الكريم

بعد الفراغ من صحة تقسيم اللفظ إلى الحقيقة والمجاز وهو ما يمكن اعتبارها من البديهيات والأمور الواضحة التي تسالم عليها العلماء وقع الكلام في هل أنّ القرآن الكريم يشتمل على المجاز أم لا على قولين :
الأول : عدم وقوع المجاز في القرآن الكريم ، وإليه ذهب داود بن علي مؤسس المذهب الظاهري ونقل عن بعض المالكية وبعض الحنابلة ، وقال الشوكاني في إرشاد الفحول بشأنْ المجاز : وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز ، وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جموداً يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل . (2)

 

(1) إرشاد الفحول للشوكاني ص 20 ط. دار المعرفة / بيروت .
(2) اللمع في أصول الفقه للشيرازي ص 7 ، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي ج1 ص 296 ، 297 ، معراج المنهاج للبيضاوي شرح الجزري ج1 ص 234 ط.مطبعة الحسين الإسلامية / القاهرة سنة 1413هـ- 1993م ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج1 ص 47 ط. المكتب الإسلامي / بيروت – دمشق سنة 1402هـ ، أحكام الفصول لأبي الوليد الباجي ص69 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1409هـ- 1989م ، إرشاد الفحول للشوكاني ص 20 ، التحصيل من المحصول للأرموي ج1 ص 235 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1408هـ- 1988م .

 
 

608 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

الثاني : وقوع المجاز في القرآن الكريم وهو الذي عليه عدد كبير جداً من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، ولذا نسبه عدة كالفخر الرازي والزركشي إلى الأكثر . (1)
وقد استدل القائلون بعدم وقـوع المجـاز في القرآن الكريم بعـدة أمور ، منها :

1- أنّ المجاز إنما يصح مع الضرورة ، والله عز وجل لا يمكن أنْ يكون مضطراً بفعل من الأفعال ، فهو متعال عن الضرورة .

 

(1) روضة الناظر لعبد القادر المشقي الحنبلي ج2 ص 15 ط. مكتبة المعارف / الرياض سنة 1404هـ- 1984م ، المحصول في علم الأصول للفخر الرازي ج1 ص 140 ط.دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1408هـ- 1988م ، شرح مختصر الروضة للطوفي الحنبلي ج1 ص 534 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة1407هـ- 1987م ، المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري المعتزلي ج1 ص 24 ، البحر المحيط للزركشي ج2 ص 182ط. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية / الكويت سنة 1413هـ- 1992م ، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 57 ط. دار القلم / بيروت ، أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ج1 ص 299 ط. دار الفكر / دمشق سنة 1406هـ- 1986م ، وراجع أيضاً المراجع المذكورة في الهامش السابق .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 609

قال الزركشي مقررا لهذا الإشكال : وشبهتهم أنّ المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير ، وهو مستحيل على الله تعالى . (1)

وهذا الوجه بين البطلان وواضح الفساد ، وذلك لأنّ استعمال المعاني الحقيقية ممكن في جميع الحالات ، والمجاز يمكن الاستغناء عنه لإيصال المعاني ، ,إنما يستعمله أهل الفصاحة مع القدرة على الحقيقة ، لحسن الاستفادة منه ، ولكونه يؤدي إلى أنْ يكون التعبير أكثر جودة ولطافة .

ولذا قال أبو الوليد الباجي ، وهو أحد كبار فقهاء المالكية المشهورين رداً عليه : لا نسلم أنه لموضع الضرورة ، بل تستعمله العرب والفصحاء مع القدرة على غيره ، وتراه أبلغ في المقاصد من اللفظ الموضوع لذلك المعنى . (2)

2- أنّ كلام الله عز وجل كله حق ، والحق لابد وأنْ يكون حقيقة ، ويصح أنْ يكون مجازاً .

 

(1) البحر المحيط للزركشي ج2 ص 183 ، وراجع المحصول للفخر الرازي ج1 ص 141 .
(2) أحكام الفصول لأبي الوليد الباجي ص 70 .

 
 

610 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

قال أبو الوليد الباجي مقرراً لشبهتهم : استدلوا بأنّ القرآن كله حق ، ومحال أنْ يكون حقاً ما ليس بحقيقة . (1)
وقال الفخر الرازي تقريراً لتلك الشبهة أيضاً : أنّ كلام الله كله حق ، وكل حق فله حقيقة ، وكل ما كان حقيقة فإنه لا يكون مجازاً . (2)

وهذا الاستدلال بين الوهن واضح السخافة بحيث لا يستحق أنْ يناقش ، فأين الحق من مصطلح الحقيقة ، وأين الباطل من المجاز ، فالكلام حقيقة أو مجازاً قد يكون حقاً ، وحتى لو كان حقيقة فقد يكون باطلاً كما هو واضح ، والحق بمعنى الصدق ومطابقة الكلام للواقع ، بخلاف الحقيقة فهي مطابقة الاستعمال للوضع .

وقد أجاب عن هذا الوجه الفخر الرازي بقوله : أنّ كلام الله تعالى كله حق ، بمعنى أنه صدق ، لا بمعنى كون ألفاظه بأسرها مستعملة في موضوعاتها الأصلية . (3)

3- أنّ المجاز لا ينبيء بنفسه عن معناه ، فوروده في القرآن الكريم يقتضي الإلتباس . (4)

 

(1) أحكام الفصول ص 70 .
(2) المحصول في أصول الفقه ج1 ص 141 .

(3) المحصول في أصول الفقه ج1 ص 141 .
(4) المحصول في أصول الفقه ج1 ص 141 .
 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج1 ................................................................ 611

وهذا أيضاً واضح الفساد ، وقد أجاب عنه الفخر الرازي بأنه لا يمكن حصول الإلتباس مع وجود القرينة على المقصود ، وهو واضح جداً .
وهذا هو عمدة ما ذكروه من الأدلة ، وهي واضحة الوهن بينة الفساد .

الجهة الثالثة
في شبهة ابن تيمية بالنسبة للمجاز

يقول ابن تيمية أثناء استدلاله على بطلان المجاز : ... ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم أنّ كل مجاز فلا بد له حقيقة ، وليس لكل حقيقة مجاز . فاعترض عليهم بعض متأخريهم وقـال : اللفـظ الموضـوع قبـل الاستعمال لا
حقيقة ولا مجاز ، فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له .

أقول : وهذا الذي ذكره ليس من الإشكالات ، فالحقيقة والمجاز من عوارض الاستعمال لا من عوارض الوضع ، فاللفظ إنما ينقسم إلى الحقيقة والمجاز بلحاظ الاستعمال ، وإلا فاللفظ في نفسه لا يتصف لا بالحقيقة ولا المجاز ، وما ذكره مجرد فرضية لا يمنع منها العقل كما هو واضح ،

612 .................................................... الصفات الخبرية عند الحنابلة والأشاعرة

ومثل هذا الإشكال يؤكد ما تقدم عن التاج السبكي بشأنْ ابن تيمية بأنه مع ذكائه لم يتوفر له أستاذ يشرح له العلوم بشكل جيد حتى لا يقع في مثل هذا التخبط ، بعد ان صارت الفكرة لدى العلماء من المسلمات التي لا جدال فيها .

تم بعون الله تعالى الفراغ من الجزء الأول من مباحث التوحيد
ويليه الجزء الثاني فيه بقية مباحث التوحيد إنشاء الله تعالى
ويبدأ بمسألة الرؤية

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب