76
.......................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
المسألة الثانية
الخلاف في خلق القرآن الكريم
اختلف السنة مع خصومهم في مسألة خلق القرآن الكريم ،
فذهب علماء السنة إلى أنّ القرآن قديم غير مخلوق ،
وذهب خصومهم من المعتزلة وغيرهم إلى القول بخلق القرآن
الكريم ، وقد دار على هذا الموضوع صراع واسع أدى إلى
استباحة دماء من خالف السنة وارتكاب مجازر واسعة يندى
لها جبين التاريخ ، وليتضح الأمر في المسألة نعقد
البحث فيها في عدة أبحاث :
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
77
المبحث الأول
في بيان رأي الحنابلة وخصومهم
في مسألة خلق القرآن الكريم
ويقع الكلام لبيان ذلك في عدة فصول :
الفصل الأول
بيان رأي أحمد بن حنبل في خلق القرآن الكريم
ذهب أحمد بن حنبل بالنسبة لمسألة خلق القرآن الكريم
إلى القول بعدة
أمور :
الأول : أنّ القرآن الكريم قديم وغير مخلوق .
الثاني : أنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم أيضاً قديمة وغير
مخلوقة .
الثالث : أنّ من قال بأنّ القرآن مخلوق أو أنّ ألفاظنا
به مخلوقة أو أنّ كتابة القرآن الكريم مخلوقة فهو كافر
مستباح الدم .
الرابع : أنّ من شك في كفر هؤلاء المذكورين فهو كافر
أيضاً .
78
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
ولنبدأ بنقل أقواله بهذا الشأنْ :
1- يقول أحمد بن حنبل : والقرآن كلام الله تكلم به ،
ليس بمخلوق ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ،
ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق
فهو أخبث من قول الأول ، ومن زعم أنّ ألفاظنا به ،
وتلاوتنا له مخلوقة ، والقرآن كلام الله فهو جهمي ،
ومن لم يكفر هؤلاء القوم فهو مثلهم . (1)
2- ويقول أيضاً (2) : وما في اللوح المحفـوظ وما في
المصحف وتـلاوة النـاس وكيفما وُصف ، فهـو كـلام الله
غير مخلـوق ، فمن قال
مخلوق ، فهو كافر بالله العظيم ، ومن لم يكفره فهو
كافر ... الخ .
إلى أنْ قال : وأما الجهمية ، فقـد أجمـع مـن أدركنـا
مـن أهل العلم أنهم قالوا : إنّ الجهمية افترقت ثلاث
فرق ، فقالت طائفة منهم القرآن كلام الله وهو مخلوق ،
وقالت طائفة : القرآن كلام الله وسكتت ، وهي الواقفة
الملعونة وقالت طائفة منهم : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ،
فهؤلاء كلهم جهمية كفار يُستتابون ، فإن تابوا وإلا
قتلوا . (3)
(1) العقيدة للإمام أحمد بن حنبل برواية عبدوس العطار
، المطبوع مع العقيدة برواية أبي بكر الخلاّل ص 79 ط.
دار قتيبة / دمشق سنة 1408هـ - 1988م ،
طبقات الحنابلة ج1 ص 29 .
(2) العقيدة للإمام أحمد بن حنبل
برواية مسدد بن مسرهد
المطبوع مع العقيدة برواية الخلال ص 60 .
(3) العقيدة للإمام أحمد بن حنبل ص 61 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
79
3- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : ... ثم نشأت
طائفة فقالوا : كلام الله تعالى منزّل غير مخلوق ،
ولكن ألفاظنا به ، مخلوقة يعنون تلفظهم وأصواتهم به
وكتابتهم له ونحو ذلك وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه ،
فأنكر ذلك الإمام أحمد وأئمة الحديث ، وبالغ الإمام
أحمد في الحط عليهم وثبت عنه أن قال : اللفظية جهمية ،
وقال : من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قـال
لفظي بالقرآن غير مخلـوق فهو مبتـدع وسـد باب الخوض في
هذا . (1)
4- قال ابن مفلح الحنبلي في ترجمة أحمد بن إبراهيم
العبدي المعروف بالدورقي : ... وحدث عن إمامنا بأشياء
منها ، ما رواه أبو الحسين ابن المنادى ، حدثنا أبو
داود ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، قال : سألت أحمد بن
حنبل عن هؤلاء الذين يقولون : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة
؟ قال : هذا شر من قول الجهمية ، ومن زعم هذا فقد زعم
أن جبريل (ع) جاء بمخلوق
وأن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم تكلم بمخلوق . (2)
(1) سير أعلام النبلاء ج11 ص 510.
(2) المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ج1 ص 71
رقم 2.
80
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
5- قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة : سألت
أبي رحمه الله قلت : ما تقول في رجل قال : التلاوة
مخلوقة ، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، والقرآن كلام الله
عز وجل وليس بمخلوق ؟ وما ترى في مجانبته ؟ وهل يسمى
مبتدعا ؟ فقال : هذا يجانب وهو قول المبتدع ، وهذا
كلام الجهمية ليس القرآن بمخلوق ... (1)
6- وقال عبد الله بن أحمد أيضاً في كتاب السنة : سألت
أبي رحمه الله قلت : إن قوماً يقولون : لفظنا بالقرآن
مخلوق ؟ فقال : هم جهمية ، وهم أشر ممن يقف ، هذا قول
جهم ، وعظم الأمر عنده في هذا ، وقال : هذا كلام جهم .
(2)
7- وقال أيضاً : سمعت أبي يقول : من قال : لفظي
بالقرآن مخلوق فهو جهمي . (3)
8- وقال أيضاً (4) : سمعت أبي يقول : من قال : لفظي
بالقرآن مخلوق ، هذا كلام سوء رديء ، وهو كلام الجهمية
قال لـه : أن الكرابيسي يقـول هذا ؟ فقـال : كـذب
هتكـه الله الخبيث ، وقـال : قـد خلـف هـذا بشراً
المريسي .
9- قال ابن تيمية : أما الحروف هل هي مخلوقة أو غير
مخلوقة فالخلاف في ذلك بين الخلف مشهور ، فأما السلف
فلم ينقل عن أحد منهم أنّ حروف القرآن وألفاظه وتلاوته
مخلوقة ، ولا ما يدل على ذلك بل قد ثبت عن غير واحد
منهم الرد على من قال إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ،
قالوا : هو جهمي ،
(1) كتاب السنة ج1 ص 164 رقم 178 ط. دار ابن القيم / الدمام سنة 1406هـ .
(2) كتاب السنة ج1 ص 164 رقم 180.
(3) كتاب السنة ج1 ص 165 رقم 181.
(4) كتاب السنة ج1 ص 165 ، 166 رقم 186.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
81
ومنهم من كفره ، وفى لفظ بعضهم :
تلاوة القرآن ولفظ بعضهم الحروف ، وممن ثبت ذلك عنه :
أحمد بن حنبل ، وأبو الوليد الجارودي صاحب الشافعي ،
وإسحاق بن راهويه ، والحميدي ، ومحمد بن اسلم الطوسي ،
وهشام بن عمار ، واحمد بن صالح المصري ومن أراد الوقوف
على نصوص كلامهم ، فليطالع الكتب المصنفة في السنة مثل
الرد على الجهمية للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم ،
وكتاب الشريعة للآجري ، و الإبانة لابن بطة ، و السنة
للالكائي ، و السنة للطبراني ، وغير ذلك من الكتب
الكثيرة ، ولم ينسب احد منهم إلى خلاف ذلك إلا بعض أهل
الغرض نسب البخاري إلى أنه قال ذلك ، وقد ثبت عنه
بالإسناد المرضي أنه قال : من قال عنى : أنى قلت :
لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب ، وتراجمه في آخر صحيحه
تبين ذلك . (1)
10- وقال أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد
فيما نقله عنه ابن قيم الجوزية في اجتماع الجيوش
الإسلامية : واللفظية الذين يقـولـون : ألفاظنا
بالقرآن مخلوقة مبتدعة جهمية عند الإمام أحمد والشافعي
. (2)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 571 ، 572 .
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية ص 104 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1404هـ - 1984م .
82
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
11- وقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : احمد بن
جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبو العباس الفارسي
الاصطخري ، روى عن إمامنا أشياء منها ما قرأت على
المبارك عن علي بن عمر البرمكي ، قال أخبرنا أحمد بن
عبد الله المالكي لفظا ، حدثنا أبي حدثنا محمد بن
إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران ، حدثنا أبو
العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي
الاصطخري ، قال : قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن
حنبل :
هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة
المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من
لدن أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى يومنا
هذا ، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام
وغيرهم عليها ، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن
فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن
منهج السنة وسبيل الحق .
واستمر في عرض العقيدة إلى أنْ قال :
والواقفة وهم يزعمون أن القرآن كلام الله ولكن ألفاظنا
بالقرآن وقراءتنا له مخلوقة ، وهم جهمية فساق . (1)
12- وقال ابن أبي يعلى أيضاً : أنبأنا علي ، عن ابن
بطة ، حدثني علي بن أحمد المقري المراغي بالمراغة ،
حدثنا محمد بن جعفر بن محمد السونديني ،
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 32 رقم 9 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
83
حدثنا علي بن
محمد بن موسى الحافظ المعروف بابن المعدل ، حدثنا أحمد
بن محمد التميمي الزرندي ، قال لما أشكل على مسدد بن
مسرهد بن مسربل أمر الفتنة وما وقع الناس فيه من
الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن
والإرجاء كتب إلى أحمد بن حنبل اكتب ...
واستمر في نقل كلام أحمد بن حنبل وعقيدته إلى أنْ قال
: فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أن الجهمية افترقت
ثلاث فرق فقالت طائفة منهم القرآن كلام الله مخلوق ،
وقالت طائفة القرآن كلام الله وسكتت وهي الواقفة
الملعونة ، وقال بعضهم ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، فكل
هؤلاء جهمية كفار يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا ،
وأجمع من أدركنا من أهل العلم أن من هذه مقالته إن لم
يتب لم يناكح ولا يجوز قضاؤه ولا تؤكل ذبيحته . (1)
13- قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : بديل بن
محمد بن أسد نقل
عن إمامنا أشياء ، منها ما ذكره أبو نصر السجزي الحافظ
رحمه الله قال : إن أبا العباس احمد بن علي بن الحسن
المقرئ كتب إلي وأدى إلى إجازته القاضي أبو الحسن ابن
الصخر الأزدي ، حدثنا أحمد بن الحسن بن إسحق الرازي ،
حدثنا أبو طاهر بن أبي عبيد الله المديني ،
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 342 ، 343 .
84
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
حدثني بديل
بن محمد بن أسد ، قال : دخلت أنا وإبراهيم بن سعيد
الجوهري على احمد بن حنبل رضي الله عنه في اليوم الذي
مات فيه أو مات في تلك الليلة التي تستقبل ذلك اليوم ،
قال : فجعل أحمد يقول لنا : عليكم بالسنة ، عليكم
بالأثر ، عليكم بالحديث ، لا تكتبوا رأي فلان ورأي
فلان فسمى أصحاب الرأي ، ثم قال له إبراهيم بن سعيد :
يا أبا عبد الله إنّ الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما ؟
فقال : أحمد فيم تكلموا ؟ قال : في اللفظ . فقال أحمد
: اللفظ بالقرآن غير مخلوق ، ومن قال لفظي بالقرآن
مخلوق فهو جهمي كافر ، قال أبو طاهر : ثم لقيت إبراهيم
بن سعيد ببغداد وما دخلت عليه إلا بعد كد في داره
فسألته فقلت أخبرني بديل بن محمد أنك سالت احمد بن
حنبل عن اللفظ بالقرآن ، فأخبرني إبراهيم أنه سأل احمد
فقال : اللفظ بالقرآن غير مخلوق ومن قال لفظي بالقرآن
مخلوق فهو كافر ، ثم دخلت عليه بعد ذلك في زربة فسألته
عن هذه اللفظة فأخبرني بها كما أخبرني أول مرة . (1)
وأخرجه ابن العديم في بغية الطلب بالإسناد عن ابن أبي
يعلى . (2)
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 121 رقم 142 .
(2) بغية الطلب في تاريخ حلب ج10 ص 4494 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
85
14- وقال ابن أبي يعلى أيضاً : شاهين بن السميذع أبو
سلمة العبدي ، نقل عن إمامنا أشياء ، منها : ما قرأته
بخط أبي حفص البرمكي ، قال قرأت على أبي مردك ، حدثك
على بن سعيد الخفاف ، حدثنا شاهين بن السميذع قال :
سمعت أبا عبد الله احمد بن حنبل يقول : الواقفة شر من
الجهمية ، ومن قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر ،
قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : إسحاق بن إسرائيل
واقفي مشئوم . قال : وسألت أبا عبد الله عمن يقول أنا
أقف في القرآن تورعا ؟ قال : ذاك شاك في الدين ، إجماع
العلماء والأئمة المتقدمين على أن القرآن كلام الله
غير مخلوق هـذا الدين الـذي أدركت عليه الشيـوخ ،
وأدرك من كـان قبلهم على هذا . (1)
15- وقال أيضاً : وأنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله
عن أبي الحسين بن أخي ميمي ، قال أخبرنا علي بن محمد
الموصلي ، حدثنا موسى بن محمد الغساني ، حدثنا شاهين
بن السميذع قال : سمعت أبا عبد الله احمد بن حنبل يقول
: الحسين الكرابيسي عندنا كافر ، وقال : سمعت أبا عبـد
الله يقـول : من قال لفظي بالقـرآن مخلوق فهو كافر ،
وقـال سمعت أبا عبـد الله يقـول : من قال القرآن مخلوق
فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر . (2)
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 172 رقم 231 .
(2) طبقات الحنابلة ج1 ص 173 رقم 231 .
86
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
16- وقال أيضاً : محمد بن يحيى بن مندة الأصبهاني أبو
عبد الله الحافظ نقل عن إمامنا أحمد فيما ذكره أبو نصر
السجزي الحافظ في كتاب الإبانة في الرد على الأشعرية ،
قال : وروى محمد بن يحيى بن مندة الأصبهاني جد أبي عبد
الله الحافظ عن أحمد أنه قال : من قال لفظي بالقرآن
مخلوق فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل . (1)
17- وقال أيضاً : أحمد بن شاذان بن خالد الهمداني ،
روى عن إمامنا أشياء ، منها : قال : سمعت أحمد يقول :
من قال لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي مخلد في النار
خالدا فيها ، ثم قال : وهذا شرك بالله العظيم . (2)
18- وقال البربهاري : ومن قال لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن سكت ، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي
، هكذا قال أحمد بن حنبل . (3)
والبربهاري قال فيه ابن أبي يعلى : شيخ الطائفة في
وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم
باليد واللسان ، وكان له صيت عند السلطان وقـدم عنـد
الأصحـاب ، وكـان أحـد الأئمـة العارفين والحفاظ
للأصول المتقنين والثقات المؤمنين . (4)
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 328 رقم 469 .
(2) طبقات الحنابلة ج1 ص 47 رقم 32 .
(3) طبقات الحنابلة ج2 ص 30 رقم 588 .
(4) طبقات الحنابلة ج2 ص 18 رقم 588 .