96 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

الفصل الرابع
مشكلة متأخري الحنابلة في تفسير ما ذهب له متقدموهم

بعض العبارات والآراء تورط فيها جماعة من متأخري الحنابلة حتى المتشددين منهم أمثال ابن تيمية ، فحاولوا أنْ يوجدوا لها مخارج وتأويلات ، غير أنّ عباراتهم وبسبب صراحتها في الدلالة على مقاصدهم صار كلام أولئك المتأولين ليس له معنى محصل ، والفكرة الأساسية التي تورط فيها المتأخرون هي الفكرة القائلة بأنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم غير مخلوقة ، وأنّ القول بها هو نفس القول بخلق القرآن الكريم ، وأنّ القائل بكون الألفاظ مخلوقة كافر مستباح الدم ، وهو ما ينتهي إلى أنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم وتلاوتنا له قديمة غير مخلوقة ، وبطلان هذا القول من أوضح الواضحات وأظهر البديهيات ، فإنّ من الضروري لدى العقل أنّ تلك الألفاظ لم يكن لها وجود قبل التلفظ ، وأنها قبل ذلك كانت مسبوقة بالعدم ، وقد حاولوا معالجة هذه المشكلة بأكثر من وجه أوقعهم بأنّ صاروا في نظر أئمتهم المتقـدمين جهميـة كفاراً مهدوري الدم ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 97

وأهم ما ذكروه ما يلي :
الأول : أنّ المتقدمين كأحمد بن حنبل وأضرابه رفضوا القول بأنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم مخلوقة ورفضوا القول بأنها غير مخلوقة ، وممن نسب ذلك للمتقدمين ابن تيمية حيث يقول : وكانت اللفظية الخلقية من أهل الحديث يقولون : نقول أنّ ألفاظنا بالقرآن مخلوقة وانّ التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء ، و اللفظية المثبتة يقولون نقول أن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة والتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء ، وأما المنصوص الصريح عن الإمام أحمد وأعيان أصحابه وسائر أئمة السنة والحديث فلا يقولون مخلوقة ولا غير مخلوقة ، ولا يقولون التلاوة هي المتلو مطلقاً ولا غير المتلـو مطلقا كما لا يقـولـون الاسم هـو المسمى ولا غير المسمى . (1)

وقال أيضاً : فلهذا كان المنصوص عن الإمام أحمد وأئمة السنة والحديث أنه لا يقال : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ولا غير مخلوقة . (2)

ولكن هذه النسبة إلى المتقدمين من نسج الخيال ومحض ادعاء تخالف تماماً صريح عباراتهم والتي تقدم بعضها ، وقد تقدم

 

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 373 .

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 375 .  
 

98 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

عن أبي القاسم اللالكائي الطبري في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة عن عامة متقدمي أهل الحديث في كافة الأقطار أنهم قالوا : > من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو بمنزلة من قال القرآن مخلوق < ، وكلام أحمد بن حنبل وغيره صريح في أنّ القول بأنّ الألفاظ مخلوقة كفر وغير صحيح ، وبالتالي ، فهو يرفض فكرة أنّ الألفاظ مخلوقة ، ومن الواضح أنها إذا لم تكن مخلوقة ، فهي غير مخلوقة ، ولا يوجـد احتمال ثالث في نظر العقل ، فلا يمكن أنْ تكون لا مخلوقة ولا غير مخلوقة في نفس الوقت .

الثاني : دعوى أنّ الذين قالوا بأنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم مخلوقة ليس مقصودهم بأنّ نفس الألفاظ الذي تصدر منهم أثناء قراءة القرآن مخلوقة بل يدخلون في كلامهم نفس كلام الله عز وجل ، ولهذا رد عليهم أحمد بن حنبل وأضرابه ، وهذا الكلام ادعاه ابن تيمية أيضاً حيث قال أثناء عرضه للنظريات المتعلقة بخلق القرآن الكريم : وأما الإيمان هل هو مخلوق أو غير مخلوق ؟ فالجواب : أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق ؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين ، وقد جرت فيها أمور يطول وصفها هنا ، لكن لما ظهر القول

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 99

بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة صارت طائفة يقولون : إنّ كلام الله الذي أنزله مخلوق ، ويعبرون عن ذلك باللفظ فصاروا يقولون : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة ، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرأ بأصواتنا وحركاتنا وعارضهم ، طائفة أخرى فقالوا : ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال : من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال : غير مخلوق فهو مبتدع . (1)

ونقل الذهبي قول ابن الأخرم الأصبهاني : من زعم أنّ لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر .
ثم قال : فالظاهر انه أراد بلفظ الملفوظ ، وهو القرآن المجيد المتلو المقروء المكتوب المسموع ، المحفوظ في الصدور ولم يرد اللفظ الذي هو تلفظ ، فان التلفظ بالقرآن من كسب التالي والتلفظ والتلاوة والكتابة والحفظ أمور من صفات العبد وفعله ، وأفعال العباد مخلوقة ، لكن السلف كانوا لا يسوغون إطلاق ذلك ، لأنهم خافوا أن يتذرَع بذلك إلى القول بخلق القرآن ،

 

 (1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج7 ص 655 .

 
 

100 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

ورأوا إطلاق الخلقية على اللفظ بدعة ، وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل ما يوضح ذلك فإنه قال من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي . (1)

وقال ابن تيمية : فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق وهم إنما يتكلمون بالأسماء والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى لكن الله تعالى تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق ، وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد فان الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته و لا صفاته ولا أفعاله والصوت الذي ينادي به عباده يوم القيامة والصوت الذي سمعه منه موسى ليس كأصوات شيء من المخلوقات ، والصوت المسموع هو حروف مؤلفة وتلك لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين . (2)

وقال أيضاً : والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفس ونادى موسى بصوت نفسه ، كما ثبت بالكتاب والسنة و إجماع السلف ، وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته ، فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أنّ الله ينادي بصوت وان القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت ، ليس منه شيء كلاماً لغيره لا جبريل ولا غيره ،

 

(1) تذكرة الحفاظ ج2 ص 748 .

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 65 .  
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 101

وأنّ العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم فالصوت المسموع من العبد . (1)

وهذا الكلام كما ترى صريح في مخالفة الأقوال المتقدمة ، فتلك العبارات واضحة في رفض فكرة أنّ نفس ألفاظنا التي نتلفظ بها مخلوقة فالقول بأنّ لفظي بالقرآن مخلوق ، أو ألفاظنا بالقرآن مخلوق ، واضح الدلالة لأدنى من لديه معرفة باللغة بأنّ المقصود أنّ نفس تلك الألفاظ التي نتلفظ بها مخلوقة ، وهو ما أنكره أحمد بن حنبل ومن تبعه ، وصرحوا بأنه لا فرق بين ذلك وبين القول بخلق القرآن الكريم بعد تسالمهم على كفر من قال بخلق القرآن الكريم .

بل إنّ أحمد بن حنبل صرّح فيما تقدم عنه حيث قال : فمن قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، والتلاوة مخلوقة كفر ، وتقدم عن عبد القادر الجيلاني الحكم بكفر من قال : التلاوة غير المتلو .

وعلى هذا الأساس فابن تيمية والذهبي وغيرهما من أصحاب التخريجات هم كفار في نظر أحمد بن حنبل وعبد القادر الجيلاني بصريح عباراتهم .

 

 (1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص 584 .

 
 

102 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

نعم البخاري في كتابه خلق أفعال العباد صرّح بأنّ التلاوة تختلف عن المتلو ، فالقرآن الكريم عنده هو المتلو وأنه يختلف عن التلاوة ، فذهب إلى قدم المتلو وكونه غير مخلوق وحدوث التلاوة وكونها مخلوقة ، يقول البخاري : والقراءة فعل العبد ولا يخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه ولم يوفقه ولم يهده سبيل الرشاد وليس لأحد أن يشرع في أمر الله عز وجل بغير علم ، كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا وألفاظنا به شيء واحد والتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء .

فقيل له : إنّ التلاوة فعل التالي وعمل القارئ فرجع ، وقال : ظننتهما مصدرين فقيل له : هلا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك ولو بعثت إلى من كتب عنك فاسترددت ما أثبت وضربت عليه ، فزعم أن كيف يمكن هذا . وقد قلت ومضى فقيل له : كيف جاز لك أن تقول في الله عز وجل شيئا لا يقوم به شرح وبيان إذا لم تميز بين التلاوة والمتلو ؟ فسكت إذا لم يكن عنده جواب ، ثم قال الإمام أبو عبد الله رحمه الله فإن اعترض جاهل لا يترفع بقوله فقال إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لما قال : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب دل أن القراءة في الصلاة . قيل له : إنك قد أغفلت الأخبار المفسرة المستفيضة عند أهل الحجاز وأهل العراق وأهل الشام وأهل الأمصار عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إنما قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 103

فأوضح أن قراءة القاريء المقروء والمتلو ، وإنما المتلو فاتحة الكتاب ، لا اختلاف فيه بين أهل العلم ، وإن لم يعلم هذا المعترض اللغة ، فليسأل أهل العلم من أصناف الناس كما قال الله عز وجل : يهدي إلى الرشد إن فقه وفهم فما تحملنا على كثرة الإيضاح و الشرح إلا معرفتنا بعجمة كثير من الناس ولا قوة إلا بالله . (1)

وقال أيضاً (2) : حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة ، فأما القران المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتـوب المـوعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق .

وعلى أي تقدير ، حتى لو قلنا بالفرق بين التلاوة والمتلو فألفاظنا بالقرآن

 

(1) خلق أفعال العباد للبخاري ص 105 ط. دار المعارف السعودية / الرياض سنة 1398هـ - 1978م .
(2) تاريخ بغداد ج2 ص 31 ، الاعتقاد للبيهقي ص 110 ط. دار الآفاق الجديدة / بيروت سنة 1401هـ .

 
 

104 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

الكريم وتكلمنا بآياته هو عبارة عن لفظنا نحن كما هو بديهي ، وألفاظنا هي عبارة عن الأصوات التي تخرج من أفواهنا ، وتلك الأصوات من أوضح الواضحات أنها مخلوقة وحادثة ومسبوقة بالعدم ، فنفي أنها مخلوقة غير معقول ، والذي نفاه المتقدمون هو كون ألفاظنا أي أصواتنا الصادرة منا بالقرآن الكريم مخلوقة .

ولا مانع من البحث في هل أنّ أصواتنا الصادرة منا هل هي عين القرآن الذي نتلوه أم لا ، ولكن على أي تقدير فمتعلق البحث فيما تقدم وما لم يقبل المتقدمون كونه مخلوقاً هو ألفاظنا بكتاب الله عز وجل يعني الأصوات الصادرة منا بآياته المباركة ، ولعمري لا يوجد تعنت أكثر من ادعاء بهذا الحد ومن ثم يكفر كل من لم يوافقهم بهذا القول الذي لا يقبله العقل ، ومن ثم يصير مهدور الدم ، وعلى هذا الأساس فالذهبي وابن تيمية وأضرابهم ، بل البخاري ومن تبعه عند أولئك المتقدمين لابد حينئذ من الحكم بكفرهم وفقاً لقواعدهم التي أسسوها ، ولذا ذمه محمد بن يحيى بن سعيد الذهلي الذي كان عندهم من كبار أئمة الحديث وأمر الناس بالابتعاد عن البخاري ، ولهذا السبب كما بينا فيما تقدم ترك حديثه أبو زرعة وأبو حاتم ، ومن ثم لحق هذا الذم لمسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 105

الثالث : دعوى أنّ أحمد بن حنبل ومن حذا حذوه ليس مقصودهم إنكار فكرة القول بأنّ ألفاظنا بالقرآن الكريم مخلوقة ، بل منع مثل هذا التعبير حتى لا ينجر القول إلى القول بخلق القرآن الكريم نفسه ، وممن برر ذلك لأحمد بن حنبل الذهبي في سير أعلام النبلاء حيث قال :
ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة التلفظ وأنه مخلوق هو حق ، لكن أباه الإمام أحمد لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن ، فسد الباب لأنك لا تقدر أن تفرز التلفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله إلا في ذهنك . (1)

وهذا الكلام غريب جداً ، فأحمد بن حنبل لم يكتفي بالرد على القول ، بل اعتبره بدعة ، والقول الصحيح لا يمكن أنْ يكون قائله مبتدعاً بحال من الأحوال كما هو ضروري ، بل إنّ أحمد بن حنبل كفَر القائل بأنّ ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، ولذا فإنّ الذهبي يكون كافراً حسب وجهة نظره لأنه قبل قول الكرابيسي وعباراته واضحة فيما ندعيه .

 

(1) سير أعلام النبلاء ج12 ص 82

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب