106
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
الفصل الخامس
بيان الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة
في مسألة خلق القرآن الكريم
هذه المسألة في بـداية الأمر بـدت بين المعتزلة
وخصومهم الذين عرفوا
أنفسهم بأنهم أهل السنة وأهل الحديث وإنْ كان السنة
يرفضون توصيفهم بهذا الوصف ويصرون على تسميتهم
بالحشوية ، ومن ثم وافقهم بهذا الإطلاق علماء الأشاعرة
، وقد تطور هذا الصراع بعد ذلك فصار من أبرز الخلافات
بين الحنابلة والأشاعرة ، وصار ذلك أحد الأسباب
الرئيسية لأن يكفر بعض الحنابلة خصومهم من الأشاعرة ،
وقد تقدمت الإشارة لذلك في مقدمة هذا الكتاب ، فقد
اختلف الأشاعرة والحنابلة في عدة أمور ولكن أبرزها هو
الخلاف في معنى الكلام الإلهي فهل يُقصد به نفس
العبارات والألفاظ المتلوة للقرآن الكريم أم لا ؟
فالحنابلة وكما تقدمت عبارات متقدميهم ووافقهم في ذلك
جميع متأخريهم أيضاً قالوا بأنّ القرآن الكريم هو
عبارة عن نفس العبارات والألفاظ التي تتكون منها آيات
القرآن الكريم وسوره المباركة ، وأنّ تلك العبارات هي
كلام الله عز وجل الذي أنزله على نبيه (ص) ، وأنّ نفس
تلك العبارات هي القرآن الكريم الذي ليس مخلوقاً ، بل
هو قديم بقدم الذات الإلهية المقدسة ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
107
وأنّ من يقول
بأنه مخلوق فهو كافر ، مهدور الدم يُستتاب ثلاثة أيام
وإلا ضربت عنقه .
ولم يقبل هذا الكلام جميع علماء الأشاعرة واعتبروه
كلاماً بسيطاً وساذجاً ولا يمكن الأخذ به ، وقالوا
بأنّ الكلام الإلهي يُقصد به الكلام النفسي الذي هو
مضمون تلك الألفاظ والعبارات ، وقالوا بأنّ ذلك الكلام
الإلهي قائم بالذات الإلهية المقدسة ، وأنه قديم بقدم
الذات الإلهية العظيمة ، واستشهدوا للقول بأنّ حقيقة
الكلام مطلقاً هي عبارة عن الكلام النفسي وليس الكلام
اللفظي بقول الشاعر :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد
دليلاً
وقد ذكر ابن قيم الجوزية أثناء نقاشه للأشاعرة بأنهم
اشتبهوا حتى في بيت الشعر المذكور ونسبته إلى الشاعر ،
يقول في كتابه الصواعق المرسلة :
إنّ البيان من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد
دليلا
هكذا قال الشاعر هذا البيت ، وهكذا هو في ديوانه ، قال
أبو البيان : أنا رأيته في ديوانه كذلك فحرفه عليه بعض
النفاة وقالوا :
108
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام
دليلا (1)
وأما ابن حزم الأندلسي الظاهري فقد اعتبر أنّ صاحب
البيت المذكور بالأصل كافر ملعون لا يمكن الاحتجاج به
، يقول في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل بعد
أنْ أشار إلى احتجاجهم بالبيت المذكور :
فجوابنا على هذا الاحتجاج أنْ نقول : ملعون ملعون قائل
هذا البيت وملعون ملعون من جعل قول هذا النصراني حجة
في دين الله عز وجل ، وليس هذا من باب اللغة التي يحتج
فيها بالعربي وإن كان كافراً ، وإنما هي قضية عقلية ،
فالعقل والحس يكذب بأن هذا البيت ، وقضية شرعية فالله
عز وجل أصدق من النصراني اللعين إذ يقول عز وجل : (
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
) (2) ، فقد أخبر عز وجل بأن من الناس من يقول بلسانه
ما ليس في فؤاده بخلاف قول الأخطل لعنه الله . (3)
وقال الذهبي في كتابه العلو أثناء عرضه لرأي الشيخ أبي
البيان السلمي :
(1) الصواعق المرسلة ج1 ص 345 ط. دار العاصمة / الرياض
سنة 1418هـ - 1998م .
(2) سورة آل عمران : 167 .
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج3 ص 122 ط. مكتبة الخانجي / القاهرة .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
109
أخبرنا عبد الخالق بن عبد السلام القاضي ، أخبرنا
الإمام أبو محمد بن قدامة ، قال حدثني أبو المعالي
أسعد بن المنجا ، قال : كنت يوما عند الشيخ أبي البيان
رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يُدعى الشيخ
الأمين فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما : ويحك
الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف
وصوت قالوا : قال الله كذا ، وقـال رسوله (ص) كذا ، وسرد
الشيخ الآيات والأخبار ، وأنتم إذا قيل لكم : ما
الدليل على أن القرآن معنى في النفس ؟ قلتم : قال
الأخطل : إنّ الكلام لفي الفؤاد ... ايش ، هذا الأخطل
نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم
الكتاب والسنة . (1)
ولا بأس بنقل كلمات بعض الأشاعرة في بيان معنى الكلام
الإلهي :
1- أبو حامد الغزالي
يقول أبو حامد الغزالي في كتابه قواعد العقائد :
أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام ، وهو وصف قائم بذاته ،
ليس بصوت ولا حرف ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره ، كما
لا يشبه
(1) العلو للعلي الغفار ص 266 ط. مكتبة أضواء السلف /
الرياض سنة 1995م .
110
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
وجوده وجود غيره ، والكلام بالحقيقة كلام
النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات ، كما يدل
عليها تارة بالحركات والإشارات ، وكيف التبس هذا على
طائفة من الأغبياء ، ولم يلتبس على جهلة الشعراء ... (1)
2- القاضي الإيجي
يقول الإيجي في المواقف : ... ثم قال الحنابلة : كلامه
حرف وصوت يقومان بذاته ، وأنه قديم ، وقد بالغوا فيه
حتى قال بعضهم جهلاً : الجلد والغلاف قديمان ، وهذا
باطل بالضرورة ، فإنّ حصول كل حرف مشروط بانقضاء الآخر
، فيكون له أول فلا يكون قديماً ، فكذا المجموع المركب
منها . وقالت المعتزلة : أصوات وحروف يخلقها الله في
غيره ، كاللوح المحفوظ ، أو جبريل (ع) ، أو النبي (ص) ،
وهو حادث ، وهذا لا ننكره ، لكنا نثبت أمراً وراء ذلك
، وهو المعنى القائم بالنفس ، ونزعم أنه غير العبارات
، إذْ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأقوام ، بل قد
يدل عليه بالإشارة والكتابة كما يدل عليه بالعبارات
.... (2)
(1) قواعد العقائد ص 182 ، 183 ط. عالم الكتب / بيروت
سنة 1405هـ - 1985م .
(2) المواقف في علم الكلام ص 293 ، 294 ط. عالم الكتب
/ بيروت –مكتبة المتنبي / القاهرة ، مكتبة سعد الدين /
دمشق . .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
111
3- الصاوي المالكي
يقول في شرحه على جوهرة التوحيد :
واعلم أنّ كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي ، وعلى
النفسي ، الذي هو الصفة القديمة ، فهو حقيقة عرفية في
كل ، فالحسي ما كان بحرف وصوت ، ومدلوله بعض مدلول
الكلام النفسي القديم القائم بذاته تعالى .
والنفسي ما ليس بحرف ولا صوت و لا يوصف بتقديم ولا
تأخير ، ولا تقسيم ، ولا بداية ولا نهاية ، يتعلق بما
يتعلق به العلم ، وهو قديم ليس بمخلوق . (1)
4- سعد الدين التفتازاني
قال سعد الدين التفتازاني أثناء حديثه عن صفات الله عز
وجل : فعند أهل الحق كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف
، بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى منافية للسكوت ،
والآفة كما في الخرس
(1) شرح الصاوي على جوهرة التوحيد ص 181 ، 182 ط. دار
ابن كثير / دمشق – بيروت سنة 1420هـ ، 1999م .
112
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
والطفولة هو بها آمر ناه مخبر
وغير ذلك ، يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة
فإذا عبّر عنها بالعربية فقرآن ، وبالسريانية فإنجيل ،
وبالعبرانية فتوراة ، والاختلاف على العبارات دون
المسمى كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة متعددة ولغات
مختلفة ، وخالفنا في ذلك جميع الفرق ، وزعموا أنه لا
معنى للكـلام إلا المنتظـم من الحـروف المسمـوعة
الـدال على المعاني
المقصودة ، وأنّ الكلام النفسي غير معقول . (1)
ثم قال : ثم قالت الحنابلة والحشوية : إنّ تلك الأصوات
والحروف مع تواليها وترتيب بعضها على البعض ، وكون
الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقاً بالحرف المتقدم عليه
كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وتقدس ،
وأنّ المسموع من أصوات القرّاء والمرئي من أسطر الكتاب
نفس كلام الله تعالى القديم ، وكفى شاهداً على جهلهم
ما نقل عن بعضهم أنّ الجلدة والغلاف أزليان ، وعن
بعضهم أنّ الجسم الذي كتب به القرآن فانتظم حروفاً
ورقوماً هو بعينه كلام الله تعالى ، وقد صار قديماً
بعدماً ما كان حادثاً ، ولما
(1) شرح المقاصد ج3 ص 106 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1422هـ - 2001م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
113
رأت الكرامية أنّ بعض
الشر أهون من البعض ، وأنّ مخالفة الضرورة أشنع من
مخالفة الدليل ذهبوا إلى أنّ المنتظم من الحروف
المسموعة مع حدوثه قائم بذات الله تعالى ، وأنه قول
الله تعالى لا كلامه ، وإنما كلامه قدرته على التكلم
وهو قديم ... (1)
5- سيف الدين الآمدي
يقول سيف الدين الآمدي في كتابه أبكار الأفكار : ...
لكن معنى كونه متكلماً عند أصحابنا : أنه قام بذاته
كلام قديم ، أزلي ، نفساني ، أحدي الذات ، ليس بحروف
ولا أصوات ، وهو مع ذلك متعلق بجميع متعلقات الكلام .
(2)
إلى أنْ قال : فذهبت الحشوية إلى أنه قديم أزلي ، قائم
بذات الرب تعالى ، لكن منهم من زعم أنه من جنس كلام
البشر ، ومنهم من قال : ليس من جنس كلام البشر ، بل
الحرف حرفان ، والصوت صوتان ، قديم وحادث ، والقديم
منهما ليس من جنس الحادث . (3)
(1) شرح المقاصد ج3 ص 106.
(2) أبكار الأفكار في أصول الدين ج1 ص 265 ط. دار
الكتب العلمية / بيروت سنة 2003هـ - 1424هـ .
(3) أبكار الأفكار في أصول الدين ج1 ص 266 .
114
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
6- الشهرستاني
يقول المتكلم المعروف عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب
الملل والنحل في كتابه نهاية الإقدام : ... وصار أبو
الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس ، وليس
بذات المتكلم بحروف ولا أصوات ، وإنما هو القول الذي
يجده العاقل من نفسه ويجليه في خلده ، وفي تسمية
الحروف التي في اللسان كلاماً تردد ، أهو على سبيل
الحقيقة أم على طريق المجاز ، وإنْ كان على طريق
الحقيقة فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي
بالاشتراك . (1)
7- الحافظ ابن حجر العسقلاني
قـال ابن حجر العسقلاني معلقاً على حـديث نقلـه
البخاري : ثم أخـرج
طرقا من متنه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض فقال :
ويُذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس ، قال : سمعت
النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : يحشر الله
العباد فيناديهم بصوت الحديث ، وهذه الدعوى مردودة ،
والقاعدة بحمد الله منتقصة ، ونظر البخاري أدق من أن
يعترض عليه بمثل هذا ، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط جزم
به، لأنّ الإسناد حسن،
(1) نهاية الإقدام في علم الكلام ص 320 ط. مكتبة
الثقافة الدينية / القاهرة .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
115
وقد اعتضد ، وحيث ذكر طرقا من
المتن لم يجزم به ، لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق
نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل ، فلا يكفي فيه مجيء
الحديث من طريق مختلف فيها ولو اعتضدت ، ومن هنا يظهر
شفوف علمه ودقة نظره وحسن تصرفه رحمه الله تعالى . (1)
8- الملا علي القاري الحنفي
يقول في شرح الفقه الأكبر (2) : ... فإنه سبحانه متكلم
بكلامه الذي هو صفته الأزلية المعبّر عنها بالنظم
المسمى بالقرآن ، المركب من الحروف ، وذلك أنّ كل من
يأمر وينهى ويخبر بخبر يجد من نفسه معنى ، ثم يدل عليه
بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة ، وهو غير العلم ، إذْ
قد يخبر الإنسان عما لا يعلمه ، بل يعلم خلافه ، وغير
الإرادة ، لأنه قد يأمر بما لا يريد كمن أمر عبـده
قصـداً إلى إظهار عصيانه وعدم امتثاله لأوامره ،
ويُسمى
هذا الكلام نفسياً .
(1) فتح الباري ج1 ص 175 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1379هـ .
(2) مِنح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر ص 70 ط.دار
البشائر الإسلامية / بيروت سنة 1419هـ - 1998م .