الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
123
الفصل الثامن
رأي الإمام أبي حنيفة في
مسألة خلق القرآن الكريم
أصرت مصادر الحنابلة على أنّ الإمام أبا حنيفة أقدم
أئمة المذاهب الأربعة كان قائلاً بخلق القرآن ، وأنه
كان يتعامل مع خصومه في المسألة بالتقية ، وقد عرفت
أنّ القول بخلق القرآن الكريم عندهم يستلزم الكفر ،
ولذلك صرّح بعضهم بكفره ، وإذا كان هذا هو حال أبي
حنيفة عندهم فكيـف الأمر بالنسبة لغيره ، ولا بأس بذكر
بعـض عبـاراتهم التي تنسب
إلى أبي حنيفة القول بخلق القرآن الكريم :
124
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
1- قال أبو نعيم الأصبهاني بشأن أبي حنيفة : قال بخلق
القرآن ، واستتيب من كلامه الرديء غير مرة ، كثير
الخطأ والأوهام . (1)
2- قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة :
حدثني إسحاق بن أبي يعقوب الطوسي ، حدثنا أحمد بن عبد
الله بن يونس ، عن سليم المقرئ ، عن سفيان الثوري قال
: سمعت حماداً يقول : ألا تعجب من أبي حنيفة ، يقول :
القرآن مخلوق . قل له : يا كافر يا زنديق . (2)
3- وقال أيضاً : حدثني إسحاق بن عبد الرحمن ، عن حسن
بن أبي مالك ، عن أبي يوسف قال : أول من قال القرآن
مخلوق أبو حنيفة . (3)
4- وقال أيضاً : حدثني سفيان بن وكيع ، قال سمعت عمر
بن حماد بن أبي حنيفة ، قال أخبرني أبي حماد بن أبي
حنيفة ، قال : أرسل ابن أبي ليلى إلى أبي فقال له : تب
مما تقول في القرآن أنه مخلوق وإلا أقدمت عليك بما
تكره . قال : فتابعه ، قلت : يا أبه كيف فعلت ذا ؟ قال
: يا بني خفت أن يقدم علي فأعطيت تقية . (4)
(1) كتاب الضعفاء لأبي نعيم الأصبهاني ص 154ط. دار
الثقافة / الدار البيضاء سنة 1405هـ - 1984م .
(2) كتاب السنة ج1 ص 184 ، 185 رقم 241 .
(3) كتاب السنة ج1 ص 183 رقم 236 .
(4) كتاب السنة ج1 ص 183 رقم 238 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
125
5- وقال أيضاً : حدثني عبد الله بن عون بن الخراز أبو
محمد وكان ثقة ، حدثنا شيخ من أهل الكوفة ، قيل لعبد
الله بن عون : هو أبو الجهم فكأنه أقر أنه ، قال :
سمعت سفيان الثوري يقول : قال لي حماد بن أبي سليمان :
اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة فقل له : إن كنت تقول
أن القرآن مخلوق فلا تقربنا . (1)
6- وقال أيضاً : حدثني أبو موسى الأنصاري ، سمعت
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول : هو دينه ودين
آبائه يعني القرآن مخلوق . (2)
7- وقال أيضاً : حدثني محمود بن غيلان ، حدثنا محمد بن
سعيد بن سلم ، عن أبيه ، قال : سألت أبا يوسف وهو
بجرجان عن أبي حنيفة ؟ فقال : وما تصنع به مات جهمياً
. (3)
8- وقال أيضاً : حدثني إسماعيل بن إسحاق الأزدي القاضي
، حدثني نصر بن علي ، حدثنا الأصمعي ، عن سعيد بن سلم
، قال : قلت لأبي يوسف : أكان أبو حنيفة يقول بقول جهم
؟ فقال : نعم . (4)
(1) كتاب السنة ج1 ص 184 رقم 239 .
(2) كتاب السنة ج1 ص 182 رقم 235 .
(3) كتاب السنة ج1 ص 181 رقم 231 .
(4) كتاب السنة ج1 ص 181 رقم 232 .
126
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
9- وقال أيضاً : سمعت أبي رحمـه الله يقول : أظـن أنه
استتيب في هذه
الآية : ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ ) (1) . قال أبو حنيفة : هذا مخلوق . فقالوا
له : هذا كفر فاستتابوه . (2)
10- وقال أيضاً : حدثني هارون بن سفيان ، حدثني الوليد
بن صالح ، قال : سمعت شريكاً يقول : استتيب أبو حنيفة
من كفره مرتين ، من كلام جهم ومن الإرجاء . (3)
11- وقال ابن حبان في المجروحين : أخبرنا أحمد بن يحيى
بن زهير بتستر ، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي ،
قال حدثنا الحسن بن أبي مالك ، عن أبي يوسف ، قال :
أول من قال القرآن مخلوق أبو حنيفة يريد بالكوفة . (4)
12- وقال أيضاًَ : أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري ،
قال حدثنا سفيان بن وكيع ، قال حدثنا عمر بن حماد بن
أبي حنيفة ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا حنيفة :
(1) سورة الصافات : 180 .
(2) كتاب السنة ج1 ص 192 رقم 265 .
(3) كتاب السنة ج1 ص 204 رقم 309 .
(4) كتاب المجروحين ج3 ص 64 ، 65 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
127
يقول القرآن مخلوق . قال : فكتب إليه ابن أبي ليلى إما
أن ترجع وإلا لأفعلن بك ! فقال : قد رجعت ، فلما رجع
إلى بيته قلت : يا أبي أليس هذا رأيك ؟! قال : نعم يا
بني ، وهو اليوم أيضاً رأيي ولكن أعيتهم التقية . (1)
13- وقـال أبو بكر الخطيب في تـاريخ بغداد : وقال
يعقوب ، حدثنا أبو جزي عمرو بن سعيد بن سالم ، قال
سمعت جدي ، قال : قلت لأبي يوسف : أكان أبو حنيفة
مرجئا ؟ قال : نعم . قلت : أكان جهمياً ؟ قال : نعم ،
قلت : فأين أنت منه ؟ قال : إنما كان أبو حنيفة مدرساً
، فما كان من قوله حسنا قبلناه وما كان قبيحاً تركناه
عليه . (2)
14- وقال أيضاً : أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير
المقرئ ، أخبرنا عثمان بن احمد بن سمعان الرزاز ،
حدثنا هيثم بن خلف الدوري ، حدثنا محمود بن غيلان ،
حدثنا محمد بن سعيد ، عن أبيه ، قال : كنت مع أمير
المؤمنين موسى بجرجان ، ومعنا أبو يوسف فسألته عن أبي
حنيفة . فقال : وما تصنع به وقد مات جهمياً . (3)
(1) كتاب المجروحين ج3 ص 65 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 380 ، 381 .
(3) تاريخ بغداد ج13 ص 381 .
128
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
15- وقال أيضاً : كتب إلى عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي
، حدثنا عبد العزيز بن أبي طاهر ، قال أخبرنا أبو
الميمون البجلي ، حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو ،
أخبرني محمد بن الوليد ، قال سمعت أبا مسهر يقول : قال
سلمة بن عمرو القاضي على المنبر : لا رحم الله أبا
حنيفة فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق . (1)
16- وقـال أيضـاً : أخبـرنا العتيـقي ، أخبرنا جعـفر
بـن محمـد بن علي
الطاهري ، حدثنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا زياد بن
أيوب ، حدثني حسن بن أبي مالك ، وكان من خيار عباد
الله قال : قلت لأبي يوسف القاضي : ما كان أبو حنيفة
يقول في القرآن ؟ قال : فقال : كان يقول : القرآن
مخلوق . قال : قلت : فأنت يا أبا يوسف ؟ فقال : لا .
قال أبو القاسم : فحدثت بهذا الحديث القاضي البرتي
فقال لي : ونصف حسن كان ونصف حسن كان يعني الحسن بن
أبي مالك . قال أبو القاسم : فقلت للبرتي هذا قول أبي
حنيفة ؟ قال : نعم ، المشؤم . قال : جعل يقول أحدث
بخلقي . (2)
(1) تاريخ بغداد ج13 ص 385 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 385 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
129
17- وقال أيضاً : أخبرني الحسن بن محمد الخلال ، قال
حدثنا احمد بن إبراهيم بن الحسن ، حدثنا عمر بن الحسن
القاضي ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا نصر بن
علي ، حدثنا الأصمعي ، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي قال
: قلنا لأبي يـوسف : لمَ لمْ تحـدثـنا عـن أبي حنيفة ؟
قال : ما تصنعون به مات يوم مات يقول القرآن مخلوق . (1)
18- وقال أيضاً : أخبرني محمد بن علي المقرئ أخبرنا
محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ قال : سمعت محمد
بن صالح بن هانئ ، يقول سمعت مسدد بن قطن يقول : سمعت
أبي يقول : سمعت يحيى بن عبد الحميـد يقول : سمعت عشرة
كلهم ثقات يقولون : سمعنا أبا حنيفة يقول
القرآن مخلوق . (2)
19- وقال أيضاً : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع
الصوفي ، أخبرنا عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي ،
حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي ، حدثنا حسين بن الأسود ،
حدثنا حسين بن عبد الأول ، أخبرني إسماعيل بن حماد بن
أبي حنيفة قال : هو قول أبي حنيفة القرآن مخلوق . (3)
20- وقال أيضاً : أخبرني الخلال حدثنا احمد بن إبراهيم
، حدثنا عمر بن الحسين القاضي ، حدثنا عباس بن عبد
العظيم ، حدثنا احمد بن يونس قال : كان أبو حنيفة في
مجلس عيسى بن موسى فقال : القرآن مخلوق . قال : فقال :
أخرجوه فإن تاب وإلا فاضربوا عنقه . (4)
(1) تاريخ بغداد ج13 ص 385 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 385 ، 386 .
(3) تاريخ بغداد ج13 ص 386 .
(4) تاريخ بغداد ج13 ص 386 .
130
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
21- وقال أيضاً : أخبرنا ابن رزق ، أخبرنا أحمد بن
إسحاق بن وهب البندار ، حدثنا محمد بن العباس يعني
المؤدب ، حدثنا أبو محمد شيخ له ، أخبرني احمد بن يونس
قال : اجتمع بن أبي ليلى وأبو حنيفة عند عيسى بن موسى
العباسي والي الكوفة . قال : فتكلما عنده . قال : فقال
أبو حنيفة : القرآن مخلوق . قال : فقال عيسى : لابن
أبي ليلى اخرج فاستتبه فان تاب وإلا فاضرب عنقه . (1)
22- وقال أيضاً : أخبرنا بن الفضل أخبرنا دعلج بن احمد
، أخبرنا أحمد بن علي الأبار ، حدثنا سفيان بن وكيع ،
قال : جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال :
سمعت أبي حماد يقول : بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة
فسأله عن القرآن ؟ فقال : مخلوق . فقال تتوب وإلا
أقدمت عليك ، قال : فتابعه ، فقال : القرآن كلام الله
. قال : فدار به في الخلق يخبرهم انه قد تاب من قوله
القرآن مخلوق . فقال أبي : فقلت لأبي حنيفة : كيف صرت
إلى هذا وتابعته ؟ قال : يا بني خفت أن يقدم علي
فأعطيته التقية . (2)
(1) تاريخ بغداد ج13 ص 386 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 387 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
131
23- وقال أيضاً : أخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي ،
والحسن بن أبي بكر ومحمد بن عمر القرشي ، قالوا :
أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، حدثنا محمد بن يونس
، حدثنا ضرار بن صرد ، قال حدثني سليم المقرئ ، حدثنا
سفيان الثوري ، قال : قال لي حماد بن أبي سليمان :
أبلغ عني أبا حنيفة المشرك أني برئ منه حتى يرجع عن
قوله في القرآن . (1)
24- وقال أيضاً : أخبرنا الحسين بن شجاع ، أخبرنا عمر
بن جعفر بن سلم ، حدثنا احمد بن علي الأبار ، حدثنا
عبد الأعلى بن واصل ، حدثنا أبو نعيم ضرار بن صرد قال
: سمعت سليم بن عيسى المقرئ قال : سمعت سفيان بن سعيد
الثوري : يقول سمعت حماد بن أبي سليمان يقول : أبلغوا
أبا حنيفة المشرك أني من دينه برئ إلى أن يتوب ، قال
سليم : كان يزعم أن القرآن مخلوق . (2)
25- وقال أيضاً : أخبرنا ابن الفضل ، أخبرنا بن
درستويه ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثني الوليد ، قال
حدثني أبو مسهر ، حدثني محمد بن فليح المدني ،
(1) تاريخ بغداد ج13 ص 388 .
(2) تاريخ بغداد ج13 ص 388 .
132
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
عن أخيه
سليمان وكان علاّمة بالناس : أنّ الذي استتاب أبا
حنيفة خالد القسري ، قال : فلما رأى ذلك أخذ في الرأي
ليعمى به وروي أن يوسف بن عمر استتابه وقيل : إنه لما
تاب رجع أظهر القول بخلق القرآن فاستتيب دفعة ثانية
فيحتمل أن يكون يوسف استتابه مرة وخالد استتابه مرة
والله أعلم . (1)
26- وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل محدثاً عن أبيه في
كتاب العلل ومعرفة الرجال : حدثني أبي ، قال حدثنا
مؤمل بن إسماعيل ، قال حدثنا سفيان الثوري ، قال حدثني
عباد بن كثير ، قال : قال لي عمرو بن عبيد : سل أبا
حنيفة عن رجل قال أنا أعلم أن الكعبة حق ، وأنها بيت
الله ، ولكن لا أدري هي التي بمكة أو التي بخراسان ،
أمؤمن هو ؟ قال مؤمن قال لي : سله عن رجل قال أنا أعلم
أن محمداً صلى الله عليه (وآله) وسلم حق وأنه رسول
الله ، ولكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة أو محمد آخر
، أمؤمن هو ؟ قال : مؤمن . قال عبد الله بن أحمد بعد
ذلك : قال أبي : استتابوه أظن في هذه الآية : (
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
) (2) قال : هو مخلوق . (3)
(1) تاريخ بغداد ج13 ص 390 .
(2) سورة الصافات : 180 .
(3) العلل ومعرفة الرجال ج2 ص 546 رقم 3590 ، 3591 ط.
المكتب الإسلامي / بيروت – دار الخاني / الرياض سنة
1408هـ - 1988م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
133
27- وقال الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه
المعرفة والتاريخ : حدثنا أبو جزء ، عن عمرو بن سعيد
بن مسلم ، قال : سمعت جدي قال قلت لأبي يوسف : أكان
أبو حنيفة مرجئاً ؟ قال : نعم ، قلت : أكان جهمياً ؟
قال : نعم ، قلت : فأين أنت منه ؟ قال : إنما كان أبو
حنيفة مُدرساً ، فما كان من قوله حسناً قبلناه ، وما
كان قبيحاً تركناه عليه . (1)
وهذا بعض ما نقلوه عن أبي حنيفة بشأنْ القول بخلق
القرآن الكريم ورووه بأسانيد متعددة ، وإذا كان هذا
حال أبي حنيفة وتصريح بعضهم بكفره ، أو على الأقل كونه
كافراً وفقاً لقواعدهم فما هو رأيهم في غيره من علماء
المسلمين ؟؟!! وقد تحدثنا في مقدمة هذا الكتاب
بالتفصيل عن نظرتهم لأبي حنيفة فراجع .
وقد نسب القول بخلق القرآن إلى جماعة ممن عرفت إمامتهم
عند السنة منهم علي بن المديني ، ولذا ترك عبـد الله
بن أحمـد بن حنبل تبعاً لأبيه
التحديث عنه ، وقد تقدم ذلك في مقدمة الكتاب .
(1) المعرفة والتاريخ ج3 ص 95 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1419هـ - 1999م.