134
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
الفصل التاسع
صورة موجزة عن تاريخ الصراع بين المعتزلة
وخصومهم في مسألة خلق القرآن الكريم
الخلاف في مسألة خلق القرآن الكريم بدأ بشدة بين
المعتزلة وخصومهم فذهب المعتزلة إلى أنّ القرآن الكريم
مخلوق ، وقال خصومهم بأنه قديم
وغير مخلوق لأنه كلام الله عز وجل .
وكان المأمون العباسي قد تبنى رأي المعتزلة ووقف إلى
جانبهم وواجه القائلين بقدم القرآن الكريم وكونه ليس
بمخلوق ، وأصدر الأوامر بتقوية المعتزلة والوقوف بوجه
خصومهم ، وكان من جملة ما قام به ما كتبه إلى عامله
إسحاق بن إبراهيم العبارة التالية :
> فاجمع من بحضرتك من القضاة ، واقرأ عليهم كتاب أمير
المؤمنين هذا إليك ، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون ،
وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق القرآن وإحداثه ، وأعلمهم
أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيمن
قلده الله واستحفظه أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
135
وخلوص توحيده ويقينه ، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير
المؤمنين فيه ، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة ، فمرهم
بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم على
علمـهم في القـرآن ، وتـرك إثبـات شهادة من لم يقر أنه
مخلوق محدث ولم يره . . .< . (1)
ومن ثم استمر الضغط على خصوم المعتزلة في عهد المعتصم
والواثق العباسيين ، وقد كان القاضي أحمد بن داود
المعتزلي وهو أحد أصحاب واصل بن عطاء ومن خلاله صار
إلى الاعتزال (2) وقد ولي القضاء في عهد المعتصم
والواثق يمتحن الناس من العلماء وغيرهم بخلق القرآن
ويحملهم القول به .
قال الدارقطني : أحمد بن أبي داود قاضي القضاة للمعتصم
والواثق ، وهو الـذي كـان يمتحن العلماء في أيامهما
ويدعوا إلى القول بخلق القرآن . (3)
وهكـذا كان الصراع في بدايتـه حيث كانت القـوة بيـد
المعتزلة ، وكانت
السلطة قد انحازت إليهم ، وقد واجهوا خصومهم بقوة ،
وقد كانت مسألة خلق القرآن
(1) تاريخ الطبري ج5 ص871 حوادث عام 218هـ .
(2) الوافي بالوفيات ج7 ص181 رقم3264.
(3) تاريخ بغداد ج4 ص142
رقم1825، مختصر تاريخ ابن عساكر لابن
منظور ج3 ص66 رقم97.
136
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
في واجهة ذلك الاختلاف إذْ
كان مائزاً قوياً يميز بينهم وبين خصومهم الذين أرادوا
اقتلاع آثارهم من مواقع النفوذ والتأثير .
إلا أنّ الأمور انقلبت رأساً على عقب فيما بعد ، وذلك
عندما مال المتوكل العباسي إلى مواجهة المعتزلة
واستبدال خصومهم ، وقد كان المتوكل معروفاً بنصبه
العداء لأهل البيت (ع) ، وكان المعتزلة مع كونهم قائلين
بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا قابلين بخلافة
خلفاء بني العباس إلا أنهم كانوا يلتقون في كثير من
أفكارهم مع الشيعة ، وقد كانوا مع الدولة العباسية منذ
بدايتها ، وكان عمرو بن عبيد أحد أقرب الشخصيات
المقربة للمنصور الدوانيقي ، وقد قامت الدولة العباسية
في الظاهر على أساس المطالبة بدم الإمام الحسين (ع) ،
ومن ثم بدماء بقية من أريقت دمائهم ومنهم زيد بن علي
بن الحسين (ع) ، فلهذا السبب لم يكن وجود المعتزلة في
مواقع النفوذ يناسب رغبة المتوكل ، بل كانت أفكارهم
تساعد على طرح كثير من أفكار شيعة أهل البيت (ع) ، فكان
أنْ صدر القرار من المتوكل بتصدي خصوم المعتزلة وعزلهم
عن
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
137
الساحة فقد أخرج أبو بكر الخطيب بإسناده عن محمد بن
عرفة أنه قال :
سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها أشخص المتوكل الفقهاء
والمحدثين ، فكان فيهم مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي
إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله
وعثمان بن أبي شيبة الكوفيان ، وهما من بني عبس وكانا
من حفاظ الناس ، فقسمت عليهم الجوائز ، وأجريت عليهم
الأرزاق ، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس ، وأن
يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة
والجهمية ، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية فجلس عثمان
بن محمد بن أبي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور ، ووضع
له منبر ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا من الناس ،
وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مجلس الرصافة ، وكان أشد
تقدما من أخيه عثمان ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين
ألفاً ... (1)
واستمر الصراع بشدة وضراوة حتى آل الأمر إلى العمل على
تصفية المعتزلة جسدياً إلى أنْ أدى الأمر إلى انقراضهم
، ومما يبين هذا الأمر ما ذكره أحد شخصيات الحنابلة
المعروفين وهو أبو القاسم
(1) المنتظم لابن الجوزي ج11 ص207 حوادث عام >234هـ< ،
تاريخ بغداد ج10 ص67 رقم5185.
138
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
اللالكائي الطبري حيث قال
شارحاً بعض ما جرى في القرن الخامس الهجري :
واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله حرس الله مهجته
وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل بما يرضي
مليكه فقهاء المعتزلة والحنفية في سنة ثمان وأربع مائة
فاظهروا الرجوع ، وتبرؤا من الاعتزال ، ثم نهاهم عن
الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض
والمقالات المخالفة للإسلام والسنة ، وأخذ خطوطهم بذلك
، وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما
يتعظ به أمثالهم .
وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود أعز
الله نصرته أمر أمير المؤمنين القادر بالله واستن
بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها
في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة
والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفيهم والأمر باللعن عليهم
على منابر المسلمين ، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع
وطردهم عن ديارهم ، وصار ذلك سنة في الإسلام إلى أن
يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين في الآفاق
.
وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد
رحمه الله في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشر وأربع مائة ،
تمم الله ذلك ، وثبته إلى أن يرث الأرض ومن عليها وهو
خير الوارثين . (1)
(2) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج4 ص723 رقم
1333، المنتظم لابن الجوزي ج15 ص125، حوادث عام408هـ .