الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
139
الفصل العاشر
بيان قول الشيعة الإمامية في
الكلام الإلهي
ذهب الشيعة الإمامية والمعتزلة في الكلام الإلهي إلى
قول واحد وهو أنه عز وجل متكلم بمعنى أنه يخلق صوتا
يسمعه من أراد سماعه ممن يخاطبهم ، وليس بمعنى أنّ صفة
الكلام صفة قائمة بذاته عز وجل ، وذهبوا إلى أنْ تفسير
الأشاعرة للكلام الإلهي ليس له معنى يمكن أنْ يتصوره
العقل .
يقول المحقق الحلي
(قدس سره) : ومن لواحق الكلام في الصفات
الكلام ، في كونه متكلماً ، وقد أجمع المسلمون على
وصفه بذلك ، ووصف به نفسه بقوله : (
وَكَلَّمَ اللَّهُ
مُوسَى تَكْلِيمًا ) (1) ، ثم اختلفوا في معنى ذلك ،
فقال أهل الحق إنه متكلم بمعنى أنه فعل الكلام الذي هو
الحروف والأصوات ، وأنّ ذلك الكلام محدث ومجعول ومخلوق
، بمعنى أنه فاعل له ... (2)
(1) سورة النساء : 164 .
(2) المسلك في أصول الدين
ص 72 ط. مجمع البحوث الإسلامية / مشهد – إيران سنة 1414هـ ،
=>
140
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
وقال العلاّمة الحلي
(قدس سره) في شرح التجريد (1) : ذهب
المسلمون كافة إلى أنه تعالى متكلم ، فاختلفوا في
معناه ، فعند المعتزلة أنه أوجد حروفاً وأصواتاً في
أجسام دالة على المراد ، وقالت الأشاعرة : أنه متكلم
بمعنى أنه قائم بذاته معنى غير العلم والإرادة وغيرهما
من الصفات تدل عليها العبارات ، وهو الكلام النفساني ،
وهو عندهم معنى واحد ، ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا
غير ذلك ، من أساليب الكلام ، والمصنف رحمه الله حينئذ
استدل على ثبوت الكلام بالمعنى الأول بما تقدم من كونه
قادراً على كل مقدور ، ولا شك في إمكان خلق أصوات في
أجسام تدل على المراد ، وقد اتفقت المعتزلة والأشاعرة
على إمكان هذا ، لكن الأشاعرة أثبتوا معنى آخر ،
والمعتزلة نفوا هذا المعنى لأنه غير معقول ، إذ لا
يُعقل ثبوت معنى غير العلم ليس بأمر ولا نهي ولا خبر
ولا استخبار وهو قديم والتصديق موقوف على التصور .
=>
وراجع أيضاً كتاب قواعد المرام في علم الكلام للمحقق الشيخ ميثم
البحراني (قدس سره) ص 93 ط. مكتبة آية الله المرعشي النجفي
(قدس سره) /
قم سنة 1406هـ ، تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي
(قدس سره) ص
106 نشر وتحقيق الشيخ فارس الحسون / قم سنة 1417هـ .
(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص 403 ط. مؤسسة
النشر الإسلامي / قم سنة 1417هـ .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
141
وقال أيضاً : الكلام عند العقلاء عبارة عن المؤلف من
الحروف المسموعة ، وأثبتت الأشاعرة كلاماً آخر
نفسانياً مغايراً لهذه الحروف والأصوات دالاً عليه ،
وهذا غير معقول ، فإنّ كل عاقل إنما يفهم من الكلام ما
قلناه ، فأما ما ذهبوا إليه فإنه غير معقول لهم
ولغيرهم البتة ، فكيف يجوز إثباته لله تعالى ؟ وما هذا
إلا جهل عظيم ، لأنّ الضرورة قاضية بسبق التصور على
التصديق ، وإذا تمهدت هذه المقدمة فنقول : لا شك في
أنه تعالى متكلم على معنى أنه أوجد حروفاً وأصواتاً
مسموعة قائمة بالأجسام الجمادية كما كلّم الله تعالى
موسى من الشجرة ، فأوجد فيها الحروف والأصوات ،
والأشعرية خالفوا عقولهم وعقول كافة البشر ، وأثبتوا
لله كلاماً لا يفهمونه هم ولا غيرهم . (1)
وقال أيضاً : إنه تعالى متكلم بالإجماع ، والمراد
بالكلام الحروف والأصوات المسموعة المنظمة ، ومعنى أنه
تعالى متكلم أنه يوجد الكلام في جسم من الأجسام ،
وتفسير الأشاعرة غير معقول . (2)
(1) نهج الحق وكشف الصدق ص 58 ، 59 ط. دار الهجرة / قم
.
(2) النافع يوم الحشر ص 44 ط. دار الأضواء / بيروت سنة
1417هـ- 1996م .
142
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
هذا هو القول المعروف بين الشيعة الإمامية كما تفيـده
مصادرهم ، وقـد
اعترض بعض المحققين على هذا القول الذي يتفق فيه
الشيعة الإمامية مع المعتزلة بعدم صحة قصر الكلام على
إيجاد الحرف والصوت الدالان على المقصود في غير محله ،
لأنّ الكلام قد يكون بدون وجود خطاب ، بل يشمل كل
إبراز وإظهار ولو لم يكن خطاباً كما عليه بعض الحكماء
، يقول كما في تقرير بحثه في مقام مناقشة نظرية
المعتزلة :
> يلاحظ على هذه النظرية أنّ ما ذكره من تفسير كلامه
سبحانه بإيجاد الحروف والأصوات في الأشياء إنما يصح في
الكلام الذي يُخاطب به سبحانه شخصاً أو أمة ، فطريقه
هو ما ذكره المعتزلة ، وإليه ينظر ما ذكرناه من الآيات
حول تكليمه موسى (ع) أو غيره ، وأما إذا لم يكن هناك
مخاطب خاص لجهة الخطاب فلابد أنْ يكون كلامه سبحانه
على وجه الإطلاق هو فعله المنبيء عن جماله ، المظهر
لكماله ، فاكتفاء المعتزلة إنما يُناسب القسم الأول ،
وأما القسم الثاني فلا ينطبق عليه ، إذْ فعله على وجه
الإطلاق ليس من قبيل الأصوات والألفاظ ، بل عبارة عن
الأعيان الخارجية والجواهر والأعراض ، وقد سمى سبحانه
فعله كلاماً في غير واحد من الآيات < . (1)
(1) الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل ج1 ص 193
ط. الدار الإسلامية / بيروت سنة 1410هـ - 1989م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
143
ويمكن مناقشة ما أفاده : بأنّ إظهاره عز وجل لجماله
وكماله بأفعاله أمرٌ لا خلاف فيه بين أحد من المسلمين
قاطبة ، وثبوت ذلك في نفسه ليس أمراً محل نزاع ، إنما
الشأنْ في تسمية كل فعل فيه إظهار لعظمة الله عز وجل
كلاماً على نحو الحقيقة ، فيمكن القول بالنسبة إليه
بأنه خلاف المتبادر من اللفظ ، وإطلاق الكلام على مطلق
الفعل مجاز على خلاف الوضع ، ولا مانع منه كمصطلح ،
إذْ لا مشاحة في الاصطلاحات لولا أنْ أسماء الله عز
وجل توقيفية كما هو المعروف ، وعلى هذا الأساس قد يشكل
التوسع في الاصطلاح ، والاستدلال بالآيات الكريمة قد
يُقال بأنه غير تام لأنه من قبيل إثبات الوضع
بالاستعمال وقد تقرر في محله عدم تماميته ، ولو تم فلا
يثبت به أنّ كل فعل من الأفعال يُطلق عليه الكلام
حقيقة ، والفكرة المذكورة تامة في نفسها ، إنما الكلام
في صحة التسمية على نحو الحقيقة ، والخلاف لفظي يحتاج
أنْ يُرجع فيه إلى الضوابط اللفظية ، وتفصيل البحث في
المسألة يحتاج إلى بحث في مـواضع أخرى .
وبالجملة فالظاهر هو أنّ عامة علماء الإمامية يوافقون
المعتزلة في الكلام الإلهي .