الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
13
الفصل الثاني
بعض كلماتهم بشأنْ رؤية الله عز وجل
قال القرطبي في تفسيره : وقد اختلف في جواز رؤية الله
تعالى ، فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة
، وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في
الآخرة . (1)
وقال البيهقي بعد أنْ نقل عن بعض الصحابة القول برؤية
الله عز وجل في الآخرة : ... ولم يرو عن أحد منهم
نفيها ولو كانوا فيه مختلفين لنقل اختلافهم إلينا ،
وكما أنهم لما اختلفوا في رؤيته بالأبصار في الدنيا
نقل اختلافهم في ذلك إلينا ، فلما نقلت رؤية الله
بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف
يعني في الآخرة
(1) تفسير القرطبي ج1 ص 403 ط. دار الشعب / القاهرة
سنة 1372هـ .
14
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا
علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في
الآخرة متفقين مجتمعين وبالله التوفيق . (1)
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير
المعروف : وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم
عز وجل يوم القيامة ، وهو ديننا الذي ندين الله به
وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة
يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله (ص) . (2)
وقال القاضي عياض اليحصبي المالكي : رؤية الله سبحانه
وتعالى جائزة عقلا وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة
بوقوعها للمؤمنين في الآخرة ، وأما في الدنيا فقال
مالك : إنما لم ير سبحانه في الدنيا لأنه باق والباقي
لا يرى بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا
باقية رأوا الباقي بالباقي
(1) الإعتقاد للبيهقي ص 131 ط. دار الآفاق الجديدة /
بيروت سنة 1401هـ .
(2) صريح السنة للطبري ص 20 ط. دار الخلفاء للكتاب
الإسلامي / الكويت سنة 1405هـ .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
15
قال القاضي عياض بعد ذلك :
وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلا من حيث القدرة
فإذا قدر الله من شاء من عباده عليها لم يمتنع . (1)
وقال ابن بطال المالكي : ذهب أهل السنة وجمهور الأمة
إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة
وبعض المرجئة . (2)
وقال النووي في شرح صحيح مسلم : اعلم أنّ مذهب السنة
بأجمعهم أنّ رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة ،
وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة ، وأنّ المؤمنين
يرون الله تعالى دون الكافرين ، وزعمت طائفة من أهل
البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أنّ الله تعالى
لا يراه أحد من خلقه ، وأنّ رؤيته مستحيلة عقلاً ،
وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة
الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، فمن بعدهم سلف الأمة
على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ،
ورواها نحو عشرين صحابياً عن رسول الله (ص) ، وآيات
القرآن فيها مشهورة ،
(1) فتح الباري ج8 ص 608 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1379هـ .
(2) فتح الباري ج13 ص 426 ، عون المعبود ج13 ص 37 ط.
دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1415هـ ،
تحفة الأحوذي
ج7 ص 224 ط. دار الكتب العلمية / بيروت .
16
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
واعتراضات المبتدعة عليها لها
أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة وكذلك
باقي شبههم ، وهي مستقصاة في كتب الكلام ، وليس بنا
ضرورة إلى ذكرها هنا ، وأما رؤية الله تعالى في الدنيا
فقد قدمنا أنها ممكنة ، ولكن الجمهور من السلف والخلف
من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا ، وحكم
الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته المعروفة عن
الإمام أبي بكر بن فورك أنه حكى فيهما قولين للإمام
أبي الحسن الأشعري ، أحدهما وقوعها ، والثاني لا تقع
... (1)
وقال الذهبي : وأما رؤية الله عيانا في الآخرة فأمر
متيقن تواترت به النصوص جمع أحاديثها الدار قطني
والبيهقي وغيرهما . (2)
وقال أيضاً : ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في
الدينا ولا من نفاها ، بل نقول الله ورسوله أعلم ، بلى
نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة إذ رؤية الله في
الآخرة ثبت بنصوص متوافرة . (3)
(1) شرح صحيح مسلم للنووي ج3 ص 15 ط. دار إحياء التراث
العربي / بيروت سنة 1392هـ .
(2) سير أعلام النبلاء ج2 ص 167 ط. مؤسسة الرسالة /
بيروت سنة 1413هـ .
(3) سير أعلام النبلاء ج10 ص 114 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
17
وقال ابن تيمية (1) : والذي عليه جمهور السلف أن من
جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر ، فإن كان ممن
لم يبلغه العلم في ذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه
شرائع الإسلام ، فان أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له
فهو كافر ، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة ،
قد دون العلماء فيها كتبا مثل كتاب الرؤية للدارقطنى
ولأبى نعيم وللآجري ، وذكرها المصنفون في السنة كابن
بطة واللالكائي وابن شاهين وقبلهم عبـد الله بن أحمد
بن حنبل وحنبل بن إسحاق والخلاّل والطبراني
وغيرهم وخرجها أصحاب الصحيح والمساند والسنن وغيرهم .
وقال أيضاً : والأئمة الذين أمروا بقتل مثل هؤلاء
الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ، ويقولون القرآن
مخلوق ، ونحو ذلك ، قيل : إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم ،
وقيل : لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج6 ص 486 .
18
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظا لدين الناس أن
يضلوهم . (1)
وقال أيضاً : وأما إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في
الآخرة فهو قول سلف الأمـة وأئمتها وجماهير المسلمين
من أهل المذاهب الأربعة وغيرها ، وقد تـواترت فيه
الأحاديث عن النبي (ص) عند علماء الحديث وجمهور القائلين
بالرؤية يقولون يرى عيانا مواجهة كما هو المعروف
بالعقل . (2)
وكلماتهم بهذا الشأنْ كثيرة جداً .
(1) الفتاوى الكبرى ج1 ص 303 ط. دار المعرفة / بيروت
سنة 1386هـ .
(2) منهاج السنة النبوية ج3 ص 341 ط. مؤسسة قرطبة /
تحقيق د. محمد رشاد سالم .