الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 .................................................. 149

   الفصل الثاني
في مناقشة ما ذهبوا إليه من تكفير واستباحة
دماء من قال بخلق القرآن الكريم

لنفترض أنّ ما ذهب إليه الحنابلة من أنّ القرآن الكريم ليس بمخلوق هو الصحيح ، وأنّ القول بخلقه باطل ، وأنّ الأدلة من الكتاب والسنة كلها قائمة على إثبات عدم خلق القرآن الكريم ، فإنه يثبت حينئذ أنّ القائل بخلق القرآن الكريم ممن يشهد الشهادتين مسلم ولكنه مشتبه وقد أخطأ في اجتهاده وكان غير مصيب في فهم الأدلة ، ولكن القوم من الحنابلة قاطبة لم يقبلوا الوقوف إلى هذا الحد وأصروا بشدة على أنه كافر خارج عن ملة الإسلام وأنه لابد من قتله .

150 ........................................................ الخلاف في خلق القرآن الكريم

ونقول هنا كما قلنا في الفصل السابق هم أعجز من أنْ يأتوا بدليل على الحكم بالتكفير واستباحة الدماء من الكتاب والسنة ، بل الأدلة المتواترة والقطعية تدل على أنّ الإنسان يحقن دمه ويدخل في ملة الإسلام بمجرد قبوله بالشهادتين ، غير أنهم هنا قد يتذرعون بأنّ القائل بخلق القرآن الكريم قد نسب إلى الله عز وجل ما لا يليق بجلاله ، وأنه اعتقد في الباري تبارك وتعالى على خلاف ما عليه الله عز وجل من الصفات .

وهذا هو غاية ما يمكنهم قوله في إثبات الكفر وتبرير فتاواهم الشنيعة بالمجازر التي لا يجوز التخلف عن القيام بها نصرة للدين والعقيدة .

وإذا تم ذلك فلماذا ننتقي الحكم بالنسبة لمن ينكر بعض الصفات ، ولا نحكم بنفس الحكم بالنسبة لمن ينكر البعض الآخر ، إذْ من الواضح أنّ نفس الحنابلة اختلفوا في الصفات الإلهية ، وبعضهم كابن تيمية لديهم في بعض الصفات أكثر من قول ، فحينئذ لو اعتبرنا أحمد بن حنبل هو المعيار على أساس ذلك ، فلابد من الحكم بكفر كل من له رأي بخلافه في باب الأسماء والصفات .

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 151

ولعل البعض منهم يجيب بأنّ المسائل العقائدية على نحوين :
الأول : ما قام عليها إجمـاع المسلمين ، كالقـول بعدم خلق القرآن الكريم والقول برؤية الله عز وجل يـوم القيـامة ، والقـول بالعلو ، وغير ذلك مما زعموا أنه محل إجماع بين المسلمين .

والثاني : ما لم يجمعوا عليه ، بل حصل فيه الاختلاف بين الصحابة أنفسهم كالقول برؤية الله عز وجل في عالم الدنيا ، وكالقول برؤية الرسول الأعظم (ص) ربه تبارك وتعالى فيما زعموا .

وأنّ من ينكر القسم الأول لابد من الحكم بكفره كما صرح بذلك جماعة منهم ابن تيمية ، وأنْ من ينكر القسم الثاني نتيجة الخطأ في الاجتهاد يكون معذوراً ولا يحكم بكفره .

وهذا الإدعاء في معتقداتهم ليس بعزيز ، بل مبالغتهم في دعاوى الإجماع ليست بقليلة فقد تقدم عند الكلام في مسألة العلو دعواهم إجماع سائر العلماء والأنبياء (ع) وبل الملائكة وغيرهم مما لا ينقضي منه العجب ، بل يثير الضحك والسخرية .

152 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

وحينئذ يمكن مناقشتهم
 أولاً : على أي أساس يكون تحصيل الإجماع في دائرة مصادرهم وأقوال علمائهم ، ولماذا لا تؤخذ أقوال بقية المسلمين وينظر في مصادرهم ، فإذا كانت هذه عقيدة علمائهم الذين هم في نظرهم أهل الحق والصدق ، فكثير من المسلمين لا يوافقونهم الرأي في ذلك ، وهذا المقدار يكفي لإثبات أنّ قولهم ليس إجماعياً عند سائر المسلمين خلافاً لما يدعون .

 ثانياً : على تقدير الإجماع الذي يدعونه وبإفراط لاسيما بالنسبة للقول بأنّ القرآن الكريم غير مخلوق ، فإنما يكون الإنكار حينئذ مستلزما للكفر نتيجة العناد وعدم الوضوح ، أما لو تم الإجماع وحصل الاشتباه في الأمر وأخطأ إنسان في اجتهاده - على تقدير أنّ ذلك خطأ – ، وكان المشتبه مقراً بالنبوة ومعتقداً أنّ الخطأ الذي توصل إليه إنما هو من تعاليم الأنبياء ولم ينته إنكاره إلى إنكار التوحيد أو النبوة فما هو الدليل على أنّ من خالف الإجماع يحكم بكفره نتيجة الاشتباه ، أوليس في الفقه مسائل كثيرة جداً حصل فيها الإجماع واستدل به الفقهاء ،

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 153

ومن ثم ذهب العديد من الفقهاء بمخالفته نتيجة الخطأ في الاجتهاد ، فهل يمكن لنا حينئذ أنْ نحكم بكفر أولئك الفقهاء ، فحينئذ يكون ما أكثر ما لدينا من الفقهاء المحكوم بكفرهم .

ولا بأس أنْ ننقل ما استدل به أحد رموز الحنابلة الكبار عثمان بن سعيد الدارمي على كفر من قال بخلق القرآن الكريم حيث يقول :
ناظرني رجل ببغداد منافحاً عن هؤلاء الجهمية ، فقال لي : بأية حجة تكفرون هؤلاء الجهمية ، وقد نُهيَ عن إكفار أهل القبلة ؟ بكتاب ناطق تكفرونهم ؟ أم بأثر ؟ أم بإجماع ؟ فقلت : ما الجهمية عندنا من أهل القبلة ، وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور ، وأثر مأثور ، وكفر مشهور !!

أما الكتاب فما أخبر الله عز وجل عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن ، فكان أشد ما أخبر عنهم من التكذيب أنهم قالوا : هو مخلوق كما قالت الجهمية سواء ، قال الوحيد وهو الوليد بن المغيرة المخزومي : ( إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ) (1) وهذا قول جهم : > إنْ هذا إلا مخلوق < ، وكذلك من يقول بقوله ،

 

(1) سورة المدثر : 25 .

 
 

154 .......................................................... الخلاف في خلق القرآن الكريم

وقول من قال : ( إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ ) (1) و ( إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ ) (2) معناهم في ذلك جميع ، ومعنى جهم في قوله يرجعان إلى أنه مخلوق ، ليس بينهما من البون كغرز إبرة ، ولا كقيس شعرة ، فبهذا نُكفرهم كما أكفر الله به أئمتهم من قريش ... (3)

وهذا الاستدلال الذي لم يستدل به الدارمي فقط ، بل تجد أشباهه كثيراً في كلمات الحنابلة كما ترى فيه إقدام واضح على دعوى أنّ كل من لم يوافقهم في نظريتهم في أنّ القرآن الكريم مخلوق فهو ليس من أهل القبلة ، وكافر ، وبالتالي فالمسلمون هم الحنابلة فقط ، وقد صرح بذلك غير واحد منهم ، وممن صرّح بذلك أبو حاتم الخاموشي الحنبلي حيث قال : فكل من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم (4) ، والجواب على ما ذكروه واضح ، ومع هذا يمكن القول في جواب عثمان بن سعيد الدارمي أنّ الفرق بين قول كفار قريش

 

(1) سورة الفرقان : 4 .
(2) سورة ص : 7 .
(3) الرد على الجهمية للدارمي ص 198 ط. دار ابن الأثير / الكويت سنة 1416هـ- 1995م .
(4) ذيل طبقات الحنابلة ج1 ص 51 ، 52 ، سير أعلام النبلاء ج17 ص 625 وج18ص 507 ، تذكرة الحفاظ ج3 ص 1186 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 155

والقائلين بخلق القرآن أنّ القائلين بخلق القرآن يعتقدون أنّ القرآن كلام الله عز وجل ووحيه ، ولكنه مخلوق ، ولا يقولون أنّ نفس آيات القرآن الكريم من صنع البشر ، ولذلك فهم يقدسون القرآن الكريم كغيرهم من المسلمين المعتقدين بالإسلام ، وهؤلاء لا يقولون بأنّ القرآن إفك كما فهم الدارمي ، بل غاية ما يقولون أنّ الله عز وجل هو الذي أنزل القرآن ، إلا أنّ القرآن الكريم ألله عز وجل خلقه وأوجده ، وليس قديماً بقدم الذات الإلهية ، وهذا المقدار حتى لو لم يعتبره الدارمي وأمثاله تاماً إلا أنه يعتبر فهماً اجتهادياً للقرآن الكريم ، وإلا فكل تفسير للقرآن لا يتطابق مع رأيه يكون كفراً ، ويكون هو المعيار في فهم القرآن الكريم ، والمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى توسع في البحث ، وتوضيح الواضحات من أشكل المشكلات .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب