156
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
الفصل الثالث
في مناقشة قولهم بأنّ لفظنا
بالقرآن الكريم غير مخلوق
اتضح مما تقدم إصرار سائر الحنابلة على أنّ
ألفاظنا بالقرآن الكريم
ليست مخلوقة ، ومن الواضح أنّ اللفظ كما عرفوه : هو
الصوت الخارج من الفم المشتمل على بعض الحروف ، وذلك
اللفظ يمكن أنْ يكون بآيات الله عز وجل ، ويمكن أن
يكون بكلام آخر غير القرآن الكريم ، ولا يمكن إنكار
أنّ تلك الألفاظ هي ألفاظ حادثة بمعنى أنها ألفاظ
مسبوقة بالعدم ، لم تكن ثم كانت ، ومن الواضح أنّ كل
حادث فهو ممكن يتوقف وجوده على العلة وإلا استحال
وجوده ، وأما غير الممكن والذي يكون غنياً بالذات فلا
يمكن أن يكون مسبوقاً بالعدم ، وهذا المقدار لا خلاف
فيه بين العلماء والعقلاء ، بل هو من الضروريات
والواضحات .
فنطقنا بالقرآن الكريم
أو لفظنا بالقرآن الكريم وآياته المباركة لم يكن
موجوداً قبل أنْ تتحرك شفاهنا ، بل هو عبارة عن حركة
شفاهنا وأصوات حناجرنا ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
157
ومن البديهي
أنّ كل هذه الأمور مخلوقة ولا يمكن أنْ نعتبرها غنية
بالذات وغير فقيرة إلى العلة ، والأمر من الواضحات ، ولشدة وضوحه فإنّ الأشاعرة الذين يدعي إمامهم أبو
الحسن الأشعري في كتابه الإبانة أنه على عقيدة أحمد بن
حنبل اضطروا إلى تأويل الكلام الإلهي الذي يقولون بأنه
قديم وغير مخلوق بالكلام النفسي ، ولم يكن يعرف القول
به قبل أبي الحسن الأشعري حسب مراجعة المصادر ، فجميع
من سبق أبا الحسن الأشعري ممن يدعي أنه ينتمي إليهم من
علماء السنة ممن أثيرت المسألة في أيامهم غير قائلين
بنظريته بالنسبـة للكلام النفسي .
وللحنابلة حجة عامة يطلقونها عادة أمام خصومهم وهي ذم
علم الكلام وذم التكلف في هذا الموضوع ، وأنّ هذا هو
كلام أهل البدع ، كما مرت عليك في أكثر من موضع .
والغريب عند الحنابلة ما صرّح به من يعتقدون فيه أنه
من كبار الأولياء وهو عبد القادر الجيلاني من أنّ حتى
الحروف الهجائية غير مخلوقة حتى لو تعلقت بكلام البشر
، وعلى قاعدته لا يختص ذلك بالعربية ، بل يشمل العبرية
والسريانية ، لأنّ بهما نزلت التوراة ونزل الإنجيل ،
ولا أعتقد أنه قول يستحق النقاش ، فهو بحد من الوضوح
الذي يجعل البحث فيه مضيعة للوقت .