158
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
الفصل الرابع
في بيان أنّ الأشاعرة يوافقون
خصوم الحنابلة في مسألة خلق القرآن الكريم
كما هو المعروف عن الإمام أبي الحسن الأشعري إمام
الأشاعرة أنه كان معتزلياً ، ومن ثم أعلن تركه لنهج
الاعتزال وأنه على نهج أهل السنة ، وصرح بأنه على
طريقة الإمام أحمد بن حنبل ، وتبعه جماعة ممن كان يتبع
أحمد بن حنبل وهم عدد كبير جداً من علماء المسلمين عبر
التاريخ ولكن لم يقبله عدد ضخم جداً أيضاً من الحنابلة
واعتبروه خارجاً عن طريقة أهل السنة والجماعة ، وقد
بينا ذلك مفصلاً في مقدمة الكتاب ، وكان من أهم
الأسباب فعلاً أنّ أسلوبه في تناول المسائل العقائدية
كان مختلفاً إلى حد كبير عن طريقة أحمد بن حنبل
وأتباعه ، بل رأيه يختلف عنهم تماماً ، ومن أبرز تلك
المسائل نظريته المتعلقة بخلق القرآن الكريم ، فالقرآن
الكريم عند أحمد بن حنبل وأتباعه هي نفس الألفاظ
والعبارات التي أنزلها الله عز وجل على نبيه (ص) بما
تتضمنه من المعاني ، ولكن أبا الحسن الأشعري ذهب إلى
أنّ كلام الله عز وجل ومنه القرآن الكريم حقيقته عبارة
عن الكلام النفسي ، ومن ثم ذهب إلى أنّ الألفاظ
والعبارات مخلوقة وليست بقديمة ، وسار من ورائه في هذا
القول جميع الأشاعرة ، وأنّ ما يكون قديماً وليس
بمخلوق هو الكلام النفسي كما تقدم .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
159
وبهذا يتضح أنّ أبا الحسن الأشعري يختلف في عقيدته مع
أحمد بن حنبل والحنابلة اختلافاً تاماً ، فألفاظ
القرآن وعباراته قديمة وليست مخلوقة عند الحنابلة ،
وهي حادثة ومخلوقة عند أبي الحسن الأشعري .
وأما القول بالكلام النفسي وقدمه فهو موضوع آخر ، على
أنه تقدم أنّ الحنابلة ينسبون إلى الباري تعالى عما
يقولون علواً كبيراً أنه يتكلم بالحرف والصوت وأنّ
صوته يشبه الصواعق أو جر السلسلة أو غير ذلك مما
أسلفنا بيانه بالتفصيل ، وتلك الأصوات عندهم هي كلام
الله تعالى وهي قديمة ، ورفض ذلك الأشاعرة ، بل بعضهم
كفر الحنابلة بسبب ذلك ولهذا وقعت الفتن قديماً على
مدى سنين مديدة بين الحنابلة والأشاعرة وكفر بعضهم
بعضاً .
وبهذا يتضح أنّ أبا الحسن الأشعري يوافق المعتزلة
وسائر من ليس على نهج الحنابلة بأنّ ألفاظ القرآن
الكريم وحروفه حادثة ومخلوقة وليست بقديمة ، ولذا حكم
بكفره بعض علماء الحنابلة ، ولذا فهو وأتباعه على
قواعدهم كفار تستباح دماؤهم ، بل حتى الحنابلة
القائلين بأنّ القرآن الكريم وألفاظه وحروفه غير
مخلوقة كفار إذا شكوا في كفر القائل بخلق القرآن أو
حروفه أو لفظه بالقرآن الكريم أو لم يقولوا بكفره كما
اتضح مما تقدم .