160
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
المبحث الثالث
في بيان الدليل على ما ذهب إليه
الإمامية والمعتزلة في كلام الله عز وجل
تبين فيما تقدم اتفاق الشيعة والإمامية والمعتزلة
والأشاعرة في رفض نظرية الحنابلة في الكلام الإلهي
القائلة بأنّ كلام الله عز وجل هي نفس الحروف والألفاظ
التي يتضمنها القرآن الكريم وغيره من الكتب السماوية
وسائر الكلام الإلهي الشامل للأحاديث القدسية للأنبياء
(ع)
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
161
والملائكة المقربين (ع) ، وأنّ نفس ذلك الكلام قائم
بذات الباري عز وجل ، وأنه غير مخلوق ، كما أنه لا
مانع عند العقل من أنْ يخلق الله عز وجل صوتاً ويسمعه
من أراد ، ولم يخالف الأشاعرة في ذلك ، غير أنهم ذهبوا
إلى أنّ الكلام الإلهي لا يٌقصد منه هذا المعنى ،
وإنما المقصود به هو مدلول العبارات والألفاظ ، وأنه
هو الكلام في الواقع ، وعبروا عنه بـ > الكلام النفسي
< ، وقالوا بأنه قائم بذات الباري عز وجل ، وهو غير
مخلوق ، بل قديم بقدم الذات الإلهية المقدسة .
ولم يعرف لهذا القول قائل من المسلمين قبل أبي الحسن
الأشعري على الإطلاق ، كما أنه لم يقبله أحد من سائر
الفرق الإسلامية ، وانفرد به الأشاعرة دون غيرهم ، وقد
ذكر كل من الإمامية والمعتزلة في كتبهم العقائدية عدة
أدلة لإثبات بطلان هذا القول وعدم صحته ، ومن أهمها ما
تقدم عن العلامة الحلي
(قدس سره) وحاصله :
أنّ الكلام النفسي الذي يدعيه الأشاعرة ليس له معنى
محصل في نظر العقل ، بل هو معنى مبهم غير بين المعنى ،
وأنّ الذي يفهمه سائر العقلاء من الكلام هو : الألفاظ
المشتملة على الحروف والعبارات ،
162
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
وأنّ الموجود في
النفس هو العلم أو التمني أو غير ذلك ، وأما إطلاق
الكلام على ما يدور في النفس من تمنيات أو تصورات فهو
إطلاق مجازي .
وبعبارة أخرى : الكلام إذا أطلق مجازاً على ما يدور في
النفس فليس له معنى آخر غير العلم أو التمني أو الترجي
أو نحو ذلك ، وإذا كان الذهن لا يمكنه أنْ يُدرك معنى
مستقل يختلف عن تلك المفاهيم فلا يمكنه أنْ يثبت ذلك
بنحو من الأنحاء ، لما ثبت بالضرورة من التقدم الطبعي
للتصور على التصديق ، فلا يمكن أنْ نصدق بشيء ونحكم
عليه بالإثبات وحتى بالسلب إلا إذا تصورناه ،
والأشاعرة إنما يتحدثون عن معنى مبهم لم يذكروا له
تفسيراً مقنعاً .
والمشكلة التي أوقعت الأشاعرة في هذا الإشكال هو أنهم
صرحوا بأنهم على نهج أحمد بن حنبل فاضطروا إلى قبول
معتقداته ، ولكن لما رأوا جملة منها تتعارض مع صريح
العقل حاولوا إيجاد تأويلات تخلصهم من الإشكال فوقعوا
في إشكالات أخرى .
وأما ما ذهب له الحنابلة وخالفهم فيه جميع أتباع
المذاهب الإسلامية فبين البطلان واضح النقض ، إذْ من
أوضح الضروريات لدى العقل أنّ الألفاظ والأصوات
والعبارات لا يمكن أنْ تكون قديمة ، وعمدة ما استدلوا
به لإثبات أنّ تلك الأصوات
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
163
والعبارات غير مخلوقة أنّ
كلام الله عز وجل هو علمه ، وعلمه عز وجل غير مخلوق ،
يقول أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتابه شرح أصول
اعتقاد أهل السنة والجماعة : أخبرنا علي بن محمد بن
إبراهيم الجوهري قال حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد
بن إدريس ، قال حدثنا الحسن بن أيوب ، قال : سألت أحمد
بن حنبل : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله غير
مخلوق . قال : قلت : ما تقول فيمن قال مخلوق ؟ قال :
كافر . قلت : بم أكفرته ؟!! قال : بآيات من كتاب الله
: ( وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي
جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ ) (1) و (
مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ ) (2) ، فالقرآن علم الله ، فمن
زعم أنّ علم الله مخلوق فقد كفر . (3)
وعباراتهم بذلك كثيرة يمكن الرجوع إليه في مضامينها ،
وهذا الاستدلال غريب جداً ، فلا أحد من المسلمين ينكر
أنّ القرآن يشتمل على العلم ، ولكن هل أنّ علم الله عز
وجل هو نفس الحروف والعبارات ،
(1) سورة البقرة : 120 .
(2) سورة البقرة : 145 .
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج2 ص 263 رقم
450 .
164
....................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
أم أنها تحكي لنا عما
هو في علمه عز وجل ، وليس في آيات كتاب الله عز وجل
أدنى إشارة إلى أنّ علم الله عز وجل الثابت منذ الأزل
هي تلك الألفاظ والعبارات التي يشتمل عليها القرآن
الكريم ، بل يأتينا العلم من السنة أيضاً بالألفاظ
والعبارات الصادرة من الرسول الأعظم (ص) وممن أخذ العلم
من الرسول الأعظم (ص) وهذا لا يعني بوجه من الوجوه أنّ
العلم الذي يحصل عندنا ويأتينا هو نفس الألفاظ
والعبارات ، والأمر من الواضحات البينة التي يُدركها
كل عاقل بأقل تأمل وأدنى التفات ، والعجيب أنه على ضوء
هذا الاستدلال الهش والطريقة الواهنة كفر أحمد بن حنبل
وأتباعه جميع من خالفهم من المسلمين واستباحوا دمائهم
، وليتهم اقتصروا على ذلك ولم يصل بهم إلى التكفير
والهتك نعوذ بالله عز وجل من ذلك .
وقد استدل بعضهم على القول بعدم خلق القرآن الكريم
بوجه آخر ، يقول عثمان بن سعيد الدارمي في مقام بيان
الدليل على عدم خلق القرآن الكريم : فمن ذلك ما أخبر
به الله تعالى في كتابه عن زعيم هؤلاء الأكبر وإمامهم
الأكفر ، الذي ادعى أولاً أنه مخلوق ، وهو الوحيد ،
واسمه الوليد بن المغيرة ، فأخبر الله عن الكافر دعواه
فيه ، ثم أنكر عليه دعواه وردها ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
165
ووعده النار أنْ
ادعى أنّ قول الله قول البشر ، وقوله : ( إِنْ هَذَا
إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ) (1) وقول هؤلاء الجهمية هو
مخلوق واحد لا فرق بينهما فبئس التابع وبئس المتبوع .(2)
وهذا الاستدلال منه بالقرآن الكريم لإثبات عدم خلق
القرآن فيه من المغالطة ما هو واضح ، فالوليد بن
المغيرة وأمثاله يقصدون من ذلك بأنّ القرآن الكريم لم
يأت من الله عز وجل ، وإنما هو محض افتراء ، وهو أمر
آخر يختلف تماماً عن القول بخلق القرآن ، فالقائلون
بخلق القرآن الكريم من المعتزلة وغيرهم يعتقدون بنبوة
الرسول الأعظم (ص) ، وأنّ القرآن الكريم كلام الله ووحيه
وأنه معجزة رسول الله (ص) ، ولكنهم لا يقولون بأنه قديم
بقدم الذات الإلهية المقدسة ، بل يعتقدون بأنه حادث ،
يعني مسبوق بالعدم ، لم يكن ثم كان ، فهو مخلوق من قبل
الله عز وجل وليس لذلك أي علاقة لدعوى أنه من صنع
البشر ، والأمر كما ترى من الواضحات .
ويقول عبد القادر الجيلاني في الغنية :
(1) سورة المدثر : 25 .
(2) الرد على الجهمية للدارمي ص 184 .
166
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
وكلام الله تعالى هو القرآن الشريف غير مخلوق كيفما
قرئ وتلي وكتب وكيفما تفرقت به قراءة قارئ ولفظ لافظ
وحفظ حافظ هو كلام الله وصفة من صفات ذاته ، غير محدث
ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا
مزاد فيه ، منه بدأ تنزيله ، وإليه يعود حكمه ، كما
قال النبي (ص) في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه : >
إنّ فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر
خلقه < ، وذلك أنّ القرآن الشريف منه تبارك وتعالى خرج
، وإليه يعود ، فمعناه أنّ تنزيله وظهوره منه عز وجل
وإليه يعود حكمه ... (1)
ويمكن مناقشة ما ذكره بأنه لا خلاف بأنّ القرآن كلام
الله عز وجل ووحيه وأنه صادر منه تعالى دون أحد سواه ،
ولكن لا منافاة بين القول بأنه صادر منه عز وجل وأنه
مخلوق من مخلوقاته تعالى ، كما أنّ جميع الموجودات
الممكنة هي صادرة منه وحده عز وجل ، ولكن لم يلزم من
ذلك قدم العالم وكونه ليس بمخلوق له عز وجل ، فكل ما
في الوجود صدر منه وإليه يرجع ، وهذا من ضروريات الدين
، ومع ذلك فما صدر منه من الكائنات خلق له تبارك
وتعالى .
(1) الغنية لطالبي طريق الحق ص 89 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
167
ومن أغرب ما استدلوا به على عدم خلق القرآن ، بل على
كون الحروف الهجائية غير مخلوقة بأنّ الله عز وجل يوجد
الأمور بكلمة > كن < ، فلو كانت كلمة > كن < مخلوقة
لاحتاجت إلى > كن < أخرى وهكذا حتى يحصل التسلسل ،
يقول عبد القادر الجيلاني : فلو كانت > كن < مخلوقة
لاحتاجت إلى > كن < أخرى تُخلق بها إلى ما لانهاية ...
(1)
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية :
أرأيتم قولكم : إنه مخلوق ، فما بدء خلقه ؟ قال الله
له : كن ، فكان كلاماً قائماً بنفسه بلا متكلم به ،
فقد علم الناس إلا من شاء الله منهم أنّ الله عز وجل
لم يخلق كلاماً يُرى ويُسمع بلا متكلم به ، فلابد من
أنْ تقولوا في دعواكم : الله المتكلم بالقرآن ،
فأضفتموه إلى الله ، فهذا أجور الجور وأكذب الكذب أنْ
تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق ، ولو لم يكن كفراً
كان كذباً لاشك فيه ، فكيف وهو كفر لاشك فيه ، لا يحق
لمخلوق يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يدعي الربوبية ،
ويدعو الخلق إلى عبادته فيقول : (
إِنَّنِي أَنَا
اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي
) (2) .
انتهى .
(1) الغنية لطالبي طريق الحق للجيلاني ص 92.
(2) سورة طه : 14.
168
..........................................................
الخلاف في خلق القرآن الكريم
وهؤلاء يتصورون أنّ الله عز وجل يوجد الخلق بأنْ يقول
لكل شيء كلمة > كن < فيوجد ، وبدون أنْ يقول ذلك
بالحرف والصوت القديمين حسب زعمهم لا يتحقق الخلق ،
وأما الدارمي فيدعي أنه بما أنْ القرآن كلام الله عز
وجل فلا بد من قيام الكلام به ، وهذه الدعاوى وقصور
الفهم منهم مجرد كلام يصاغ بطرق هجومية على الغير لم
يأتوا لإثباته ببينة وبرهان ، بل لا اعتقد أنْ حتى
الكثير من علماء الحنابلة الذين تأخروا عنهم يقبلوا
مثل هذا الكلام ، فلا مانع لدى العقل من أنْ يوجد الله
عز وجل الكلام في مخلوقاته ، والباري عز وجل لا يوجد
الأشياء بواسطة إنشاء عبارات ، وإنما يحصل بمجرد
إرادته وصدور الأمر منه كما هو واضح .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
169
ما دل على خلق القرآن الكريم
من كلام الله المجيد
وقبل أنْ نختم البحث في مسألة خلق القرآن الكريم لا
بأس أنْ نذكر ما استدل به علماء الشيعة والمعتزلة
لإثبات أنّ القرآن الكريم مخلوق ، يقول عز وجل في
كتابه الكريم :
( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ
مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
).(1)
وقال تعالى : ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَانِ
مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ). (2)
ومن الواضح أنّ المحدث هو ما كان مسبوقاً بالعدم ، ولم
يكن كائناً ثم كان ، فيثبت أنّ كلامه عز وجل مخلوق ،
إذْ من الواضح أنّ كل محدث فهو ممكن الوجود لا يمكن
أنْ يكو ن بلا علة فلابد أنْ يكون مخلوقاً بالضرورة .
وهذه هي مناقشة ما ذهب إليه الحنابلة والأشاعرة على
سبيل الإيجاز والاختصار ، ومن أراد التفصيل فعليه
بمراجعـة الكتب المفصلـة المدونة
بهذا الشأنْ .