من عقائد الشيعة الإمامية قولهم بالبداء ، وقد نسبه
غير واحد إلى الشيعة للطعن عليهم بذلك وعبارات من نسب
ذلك إلى الشيعة للطعن عليهم توهم تفرد الشيعة بالقول
بالبداء عن سائر المسلمين ، ومنهم ابن تيمية ، وتلميذه
ابن قيم الجوزية حيث يقول : ولا يعلم أحد يجوز الناسخ
في أخبار الله غير صنف من الروافض يصفونه بالبداء
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلم يزل الله سبحانه
عالما ما يكون ومريدا لما علم أنه سيكون لم يستحدث
علما لم يكن ... (1)
(1) أحكام أهل الذمة ج2 ص 1050 ط. رمادي للنشر / الدمام – دار ابن حزم / بيروت سنة 1418هـ - 1997م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
171
ويقول ابن تيمية : وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم
القديم فهو كافر ومن هؤلاء غلاة القدرية الذين ينكرون
علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها والقائلون بالبداء
من الرافضة ونحوهم ... (1)
ويقول أبو الحسن الأشعري : وعامة الروافض يصفون
معبودهم بالبداء ، ويزعمون أنه تبدو له البدوات ...الخ
. (2) .
هذه بعض كلماتهم التي وردت في مقام الطعن على الشيعة
الإمامية ، ولتحقيق الحق في المسألة يقع الكلام في
فصلين :
(1) درء التعارض ج9 ص 396 .
(2) مقالات الإسلاميين ص 491 ط. دار إحياء التراث
العربي / بيروت .
الفصل الأول
في بيان أنّ مصطلح البداء من المصطلحات النبوية
من الأمور المهمة جداً أنّ لفظ البداء لم تنفرد به كتب
الشيعة ، بل وردت نسبته إلى الله عز وجل في الأحاديث
المعتبرة في كتب الحديث المعروفة عند السنة ، ومنها
يتضح أنّ هذا المصطلح ونسبته إلى الله تبارك وتعالى
هـو أمر اصطلحه الرسـول الأعظم (ص) ، وتبعه في ذلك أهل
بيته (ع) ، وأتباعهم ، ومن تلك الأحاديث :
1- ما أخرجه البخاري في صحيحه بالإسناد عن أبي هريرة
أنه سمع رسول الله (ص) يقول : إن ثلاثة في بني إسرائيل
أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم
ملكا ، فأتى الأبرص ، فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال :
لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس ، قال فمسحه فذهب عنه
فأعطي لونا حسناً وجلداً حسناً . فقال : أي المال أحب
إليك ؟ قال : الإبل أو قال : البقر هو شك في ذلك أن
الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر
فأعطي ناقة عشراء فقال يبارك لك فيها . وأتى الأقرع
فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ، ويذهب عني
هذا قد قذرني الناس قال : فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا
. قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر . قال :
فأعطاه بقرة حامـلا .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
173
وقال : يبارك لك فيها . وأتى
الأعمى فقـال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : يرد الله إليّ
بصري فأبصر به الناس . قال : فمسحه ، فرد الله إليه
بصره . قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال الغنم فأعطاه
شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من إبل
ولهذا واد من بقر ولهذا واد من الغنم ثم إنه أتى
الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين تقطعت بي
الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك
بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً
أتبلغ عليه في سفري . فقال له : إن الحقوق كثيرة فقال
له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك
الله ؟ فقال : لقد ورثت لكابر عن كابر . فقال : إن كنت
كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . وأتى الأقرع في صورته
وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد
عليه هذا فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت
وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت
بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك
أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري .
فقال قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيرا فقد أغناني فخذ
ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال
أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على
صاحبيك . (1)
(1) صحيح البخاري ج3 ص 1276 ط دار ابن كثير – دار
اليمامة / بيروت سنة 1407هـ - 1987م .
2- ما أخرجه عدة من الحفاظ منهم أحمد بن حنبل والطبري
والطبراني في المعجم الكبير والبزار وابن مندة
بالإسناد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال : جلس ثلاث
نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة فسمعوه وهو يحدث
في الآيات أن أولها خروج الدجال . قال : فانصرف القوم
إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في
الآيات ، فقال عبد الله : لم يقل مروان شيئا ، قد حفظت
من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : إن أول
الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها والدابة ضحى
فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها ، ثم قال
عبد الله : وكان يقرأ الكتب وأظن أولها خروجا طلوع
الشمس من مغربها وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش
فسجدت واستأذنت في الرجوع فأذن لها في الرجوع حتى إذا
بدا لله أن تطلع من مغربها فعلت كما كانت تفعل أتت تحت
العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء ثم
تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء حتى إذا ذهب من
الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إن أذن لها في
الرجوع لم تدرك المشرق .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
175
قالت : رب ما أبعد المشرق من
لي بالناس حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في
الرجوع فيقال لها من مكانك فاطلعي فطلعت على الناس من
مغربها ثم تلا عبد الله هذه الآية ( يَوْمَ يَأْتِي
بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا
إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ
كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) . (1)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد : قلت : في الصحيح طرف من
أوله رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله
رجال الصحيح . (2)
وقال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج ابن أبي شيبة
وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن
المنذر وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال
: حفظت من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إن
أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة
ضحى فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها . ثم
قال عبد الله وكان قرأ
(1) سورة الأنعام : 158 .
(2) مجمع الزوائد ج8 ص 8 ، 9 ط. دار الريان للتراث /
القاهرة – دار الكتاب العربي / بيروت سنة 1407هـ ،
الإيمان لابن مندة ج2 ص 919 ، 920 ح 1005 ط. مؤسسة
الرسالة / بيروت سنة 1406هـ .
الكتب : وأظن أولهما خروجا طلوع
الشمس من مغربها وذلك أنها كلما خرجت أتت تحت العرش
فسجدت واستأذنت في الرجوع فيأذن لها في الرجوع حتى إذا
بدا لله أن تطلع عن مغربها فعلت كما كانت تفعل أتت تحت
العرش ...الخ . (1)
3- ما أخرجه عدة من الحفاظ
منهم أحمد بن حنبل بالإسناد
عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله (ص) : يجمع
الله عز وجل الأمم في صعيد يوم القيامة فإذا بدا لله
عز وجل أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون
فيتبعونهم حتى يقحمونهم النار ، ثم يأتينا ربنا عز وجل
ونحن على مكان رفيع ، فيقول : من أنتم ؟ فنقول : نحن
المسلمون . فيقول : ما تنتظرون ؟ فيقولون : ننتظر ربنا
عز وجل ! قال : فيقول : وهل تعرفونه إن رأيتموه ؟
فيقولون : نعم فيقول : كيف تعرفونه ولم تروه فيقولون :
نعم انه لا عدل له فيتجلى لنا ضاحكاً ، فيقول : أبشروا
أيها المسلمون ، فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت مكانه في
النار يهـوديا ونصرانيا .(2)
(1) الدر المنثور ج3 ص 389 ، 390 ط. دار الفكر / بيروت
سنة 1993هـ .
(2) مسند أحمد بن حنبل ج4 ص 307 ط1 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
177
وهذا الحديث وإنْ كان على قواعدنا حديثاً موضوعاً
وباطلاً لا يمكن قبوله ، إلا أنه يمكن الاحتجاج به على
من يقبله .
ومما تقدم يظهر أنّ إنكار القول بالبداء هو إنكار لما
جاء به الرسول الأعظم (ص) ، لأنّ النبي (ص) نسب البداء إلى
الله عز وجل ، ونقل ذلك بالأسانيد المعتبرة عند السنة
، وممن روى ذلك البخاري حيث أخرجه في صحيحه الذي ذهبوا
أنه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل .
بل إنّ البداء من المصطلحات التي كانت تستخدم في عصر
الصحابة تبعاً
للرسول الأعظم (ص) ، ومما ورد بهذا الشأنْ من استخدام
مصطلح البداء ونسبته إلى الله عز وجل من قبل الصحابة
في كتب السنة ما أخرجه الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في
المصنف حيث قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عامر
بن عبد الله بن نسطاس عن خيبر قال : فتحها رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم وكانت جمعا له حرثها ونخلها
. قال : فلم يكن للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم
وأصحابه رقيق فصالح رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم يهودا على أنكم تكفونا العمل ولكم شطر التمر على
أني
أقركم ما بدا لله ورسوله فذلك حين بعث النبي صلى
الله عليه (وآله) وسلم ابن رواحة يخرص بينهم ، فلما
خيرهم أخذت اليهود التمر فلم تزل خيبر بأيدي اليهود
على صلح النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى كان عمر
فأخرجهم ، فقالت اليهود : أليس قد صالحنا النبي صلى
الله عليه (وآله) وسلم على كذا وكذا ؟ فقال : بل على
أنه يقركم فيها ما بدا لله ورسوله فهذا حين بدا لي أن
أخرجكم فأخرجهم ثم قسمها بين المسلمين الذين افتتحوها
مع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ولم يعط منها أحدا
لم يحضر افتتاحها ، فأهلها الآن المسلمون ليس فيها
اليهود . (1)
(1) المصنف للصنعاني ج8 ص 102 ، 103 ح 14485ط. المكتب
الإسلامي / بيروت سنة 1403هـ .