الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 179

الفصل الثاني
في بيان المقصود بلفظ البداء

ذكر علماء اللغة وغيرهم بأنّ البداء هو الظهور ، وأنّ هذا المعنى يستلزم مسبوقية العلم بالجهل ، ومن هنا اعترضوا على الشيعة قولهم بالبداء بدعوى أنّ البداء ، لا يأتي إلا بهذا المعنى ، واتهموا الشيعة على أساس هذا الإدعاء بأنهم ينسبون الجهل إلى الله تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً .

180 ............................................................................... البداء

إلا أنه تبين مما تقدم أنّ الشيعة لم ينفردوا باستعمال مصطلح البداء ، ومن ثم نسبة البداء إلى الله عز وجل ، فقد سبقهم إلى ذلك سيد البشرية الرسول الأعظم (ص) ، وتبعه أهل بيته (ع) في ذلك ، وقد نسبوا البداء بمعناه الصحيح الآتي بيانه إلى الله عز وجل .

وبالجملة ، فإنّ البداء في الأحاديث الشريفة سواء الواردة عن الرسول الأكرم (ص) أو عن عترته الطاهرة (ع) ، لا يُراد منه المعنى الباطل الذي تمتنع نسبته إلى الله عز وجل ، وإنما يُراد به معنى آخر ، يختلف عن ذلك المعنى المرفوض ، إذْ البداء يُستعمل في أكثر من معنى .

واعترف بعض علماء السنة على أنّ البداء قد يأتي ويراد منه معنى لا كلام فيه ، وليس موضعاً للإشكال منهم ابن تيمية ، حيث قال معلقاً على الحديث المتقدم عن البخاري بشأنْ الأبرص والأقرع والأعمى الذين بدا لله عز وجل أنْ يبتليهم : > وليس هذا بداء يخالف العلم القديم كما قاله بعض غلاة الرافضة < . (1)

 

(1) رسالة في تحقيق مسألة علم الله تعالى ص 180 ط. مصر ـ تحقيق د. محمد رشاد سالم .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 181

وذهب ابن الأثير إلى أنّ البداء قد يأتي ويراد به القضاء ، وعلى هذا المعنى حمل لفظ البداء في الحديث المتقدم ، يقول في النهاية : > وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم ، أي قضى بذلك وهو معنى البداء ها هنا لأن القضاء سابق ... < (1) .
ونحو ذلك قال الزبيدي في تاج العروس . (2)

ويمكن القول على ضوء ما تقدم أنّ لفظ البداء قد يُستعمل بمعنى الظهور ، وقد يستعمل في معنى آخر لا يتنافى مع ما أجمع وتسالم عليه المسلمون ، بل إنّ نفي نسبة البداء بالمعنى الصحيح إلى الله عز وجل هي خلاف ما أجمع السنة بصحته عن رسول الله (ص) ، لأنّ الرسول الأكرم (ص) نسب ذلك إلى الباري حسب رواية كبار أئمتهم وحفاظهم التي أجمعوا على صحتها ولزوم العمل بمضمونها .

وإذا كان البداء قد يطلق على معنيين مختلفين ، فلابد من النظر أولاً إلى القرائن التي يتحدد بها أحد المعنيين .

والروايات الكثيرة الواردة عن أئمة الهدى من أهل البيت (ع) تؤكد أنّ البداء لا يُقصد منه المعنى الباطل الذي

 

(1) النهاية في غريب الحديث والأثر ج1 ص 109 ط. المكتبة العلمية / بيروت سنة 1399هـ - 1979م .
(2) تاج العروس ج10 ص 33.

 
 

182 ............................................................................... البداء

يرد عليه الإشكال ، فمن تلك الروايات الواردة بهذا الشأنْ :
1- ما رواه العياشي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وعنده أمّ الكتاب، وقال: فكلّ أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيءٌ يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل . (1)

2- ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح عن الإمام الصادق (ع) ففي الكافي عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسن بن محبـوب ، عن عبـد الله بن سنـان ، عن أبي عبد الله (ع) قال : ما بـدا لله في شيء إلا كـان في عمله قبـل أنْ يبـدوا له .(2)

3- ما أخرجه أيضاً بسنده عن عمرو بن عثـمان الجهني ، عن الإمام الصادق (ع) قال : إنّ الله لم يبد له من جهل . (3)

 

(1) تفسير العياشي ج2 ص 218 ط. المكتبة العلمية الإسلامية / طهران .
(2) الكافي ج1 ص 148.
(3) الكافي ج1 ص 148.

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 183

4- مـا أخـرجـه ثقـة الإسـلام الكليني أيضاً بسنــد صحيح عـن الإمـام الصادق (ع) ، ففي الكافي عـن علي بن إبراهيم ، عن محمـد بن عيسى ، عـن يـونس ، عـن منصـور بن حـازم قـال : سـألت أبا عبـد الله (ع) : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قال : لا ، من قال هذا فأخزاه الله ، قلت : أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يـوم القيامة ، أليس في علم الله ؟ قال: بلى ، قبل أنْ يخلق الخلق . (1)

5- وروى الشيخ المفيد (قدس سره) مرسلاً عن الإمام الصادق (ع) قال : من زعم أنّ الله بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم . (2)

وقد صرّح فقهاء الإمامية قديماً وحديثاً بأنّ البداء هو عبارة عن قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، وأنّ ذلك كله إنما يكون بعلمه الأزلي قبل أنْ يخلق الخلق .

 

(1) الكافي ج1 ص 148.
(2) الاعتقادات>تصحيح الاعتقاد< للشيخ المفيد قدس سره ص 41 ط. دار المفيد / قم سنة 1414هـ .
(3) سورة الرعد : 3 .

 
 

184 ............................................................................... البداء

وبعبارة أخرى ، معنى البداء الذي يقول به الشيعة ، بل عامة المسلمين أنّ القضاء الإلهي قد يتغير في بعض الأمور من حال إلى آخر وفقاً لمقتضيات ثابتة في علم الله عز وجل منذ الأزل ، فقد يقضي الله عز وجل بشأنْ أحد أنه من أهل النار بسبب كفره وعصيانه ، ثم بعد ذلك يكتبه الله عز وجل من أهل الجنة وذلك بعد توبته وإيمانه ورجوعه إليه تبارك وتعالى ، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الأمور ، ولفقهائنا في شرح معنى البداء وحقيقته بحوث عظيمة جداً لا يسع المجال لتفصيلها ، بل هو خارج عن الغرض من تدوين هذا الكتاب ، ومن أفضل الكتب المبسطة والمفيدة في هذا المجال كتب الفقيه المحقق العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله تعالى .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب