الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
19
الفصل الثالث
أدلة امتناع الرؤية
استدل القائلون بامتناع رؤية الباري عز وجل بالعين
بعدة أدلة من العقل والنقل .
أولاً : الأدلة العقلية على امتناع الرؤية :
ذكروا عدة أدلة عقلية على امتناع الرؤية وأهمها :
الأول : أنّ الرؤية تتوقف على الجهة ، سواء كان منشأ
الرؤية هو انطباع صورة الشيء بواسطة انعكاس النور كما
هو الحاصل في هذا العالم بمقتضى البراهين العلمية ، أو
بواسطة خروج النور من العين –وإنْ كان في هذا العالم
لا يقع كذلك – أو بأي سبب آخر ، فالرؤية تقتضي أنْ
يكـون المرئي في جهـة معينـة ،
20
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
والجهـة ممتنعة على
الباري تبارك وتعالى . (1)
الثاني : أنّ الرؤية تتوقف على المقابلة ، والمقابلة
لا تكون إلا مع الجسمية والحد ، والباري عز وجل منزه
عن ذلك . (2)
الثالث : أنّ الرؤية إما أنْ تقع على تمام الذات أو
بعضها ، والأول يستلزم المحدودية ، والثاني يستلزم
التركيب وكونه تعالى كما يصفون ذا أجزاء وأبعاض ،
والتالي باطل ، فالمقدم مثله . (3)
الرابع : أنه لو كانت رؤية الباري عز وجل ممكنة لوجب
رؤيته الآن .
(1) قواعد المرام في علم الكلام ص 76 ط. مكتبة السيد المرعشي
(قدس سره) / قم سنة 1406هـ ، النافع يوم الحشر ص 55 ،
56 ط.دار الأضواء / بيروت سنة 1417هـ- 1996م،
الاقتصاد
لشيخ الطائفة الطوسي
(قدس سره)
ص 18 ، 19 ط. مكتبة جامع جهل
ستون / طهران سنة 1400هـ .
(2) قواعد المرام في علم الكلام ص 77 ،
النافع يوم
الحشر ص 56 ، أضواء على عقائد الشيعة الإمامية للمحقق
الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله تعالى ص 617 ،
محاضرات
في الإلهيات للمحقق الشيخ السبحاني أيضاً ص 144 .
(3) محاضرات في الإلهيات ص 144 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
21
بيان الملازمة : أنّ ما يمنع من الرؤية غير عدم الجهة
و عدم المقابلة إما القرب المفرط أو البعد المفرط أو
وجود ما يحجب الرؤية عنه وكل ذلك ممتنع عن الباري عز
وجل لأنه لا حد لوجوده فأينما تولوا وجوهكم فثم وجه
الله عز وجل . (1)
وبعبارة أخرى ، فإنّ منشأ الإدراك إنْ كان وجود الله
عز وجل وهو محيط بكل الشيء لوجب لعدم المانع فيه بعد
فرض إحاطته بكل شيء .
ثانياً : الأدلة النقلية على امتناع الرؤية :
استدل بامتناع رؤية الباري عز وجل بعدة آيات من القرآن
الكريم من أهمها قولـه عـز وجـل : (
لاَ تُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِير ) (2) ، ودلالة الآية الكريمة على
أنه عز وجل لا يمكن أن يدرك بالبصر وأنّ الأبصار أقل
شأناً من أنْ يرى الباري عز وجل بواسطتها واضحة جداً
ولا تحتاج إلى بيان .
ويضاف إلى ظهور الآية في أنه عز وجل لا يمكن أنْ يرى
بالعين ما ذكره غير واحد من المحققين بأنّ الآية
الكريمة تتضمن المدح
(1) المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي
(قدس سره)
ص 66.
(2) سورة الأنعام : 103 .
22
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
بعدم الرؤية ، فيكون إثباتها نقص
. (1) وهذا كلام تام لا غبار عليه .
ويضاف إلى هذه الآية وغيرها الروايات المتواترة
الواردة عن طريق العترة الطاهرة صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين ، ولذا قال الشيخ المفيد
(قدس سره) : إنه لا يصح
رؤية الباري سبحانه بالأبصار ، وبذلك شهد العقل ، ونطق
القرآن ، وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد (ص) ،
وعليه جمهور أهل الإمامة إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له
في تأويل الأخبار ، والمعتزلة بأسرها توافق أهل
الإمامة في ذلك ، وجمهور المرجئة ، وكثير من الخوارج والزيدية ، وطوائف من أصحاب الحديث ، ويخالف فيه
المشبهة وإخوانهم من أصحاب الصفات . (2)
ما ذكروه في مناقشة دلالة الآية الكريمة
ذكر علماء الأشاعرة والحنابلة عدة اعتراضات على
الإستدلال بالآية الكريمة على امتناع رؤية الباري عز
وجل ، وهي :
(1) المسلك في أصول الدين ص 67 ط. مجمع البحوث
الإسلامية / مشهد سنة 1414هـ.
(2) أوائل المقالات ص 57 ط. دار المفيد للطباعة والنشر
والتوزيع / بيروت سنة 1414هـ - 1993م .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
23
الأول : أنّ المقصود لا تدركه الأبصار في الدنيا ،
وليس المقصود أنها لا تدركه في الآخرة أيضاً . (1)
ويرد عليه : أنه خلاف الظاهر ، فالعبارة مطلقة ، نعم
قد يقال بأنّ الروايات
(1) الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد بن حنبل ص 14 ط.
المطعبة السلفية / بيروت سنة 1393هـ ،
تفسير أبي
السعود ج3 ص 170 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ،
تفسير البغوي ج2 ص 120 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1407هـ - 1987م ، فتح القدير ج2 ص 148 ط. دار الفكر /
بيروت ط. ، زاد المسير ج3 ص 98 المكتب الإسلامي /
بيروت سنة 1404هـ ، تفسير روح المعاني ج7 ص 246 ط. دار
إحياء التراث العربي / بيروت ، تأويل مختلف الحديث
لابن قتيبة ص 215 ط. دار الجيل / بيروت سنة 1393هـ _
1972م ، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي
الطبري ج3 ص 508 ط. دار طيبة/ الرياض سنة 1402 هـ ،
الاعتقاد للبيهقي ص 122 ط. دار الآفاق الجديدة / بيروت
سنة 1401هـ ، خلق أفعال العباد للبخاري ص 115 ط. دار
المعارف السعودية / الرياض سنة 1398هـ - 1987م ،
فتح
الباري ج13 ص 426 ط. دار المعرفة / بيروت سنة 1379هـ ،
عون المعبود شرح سنن أبي داود ج13 ص 38 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1415هـ ، تحفة الأحوذي ج7 ص 224
ط. دار الكتب العلمية / بيروت ، تفسير القرطبي ج7 ص 55
ط. دار الشعب / القاهرة سنة 1372هـ ، دقائق التفسير
لابن تيمية ج3 ص 127 ط. مؤسسة علوم القرآن / دمشق سنة
1404هـ ، التمهيد في شرح الموطأ ج7 ص 153 ط. وزارة
عموم الأوقاف والشئون الإسلامية / المغرب سنة 1387هـ .
24
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
المتقدمة تدل على ذلك ، وأنّ
التعارض فيما بينهما من باب تعارض المطلق والمقيد ،
فيلزم حمل المطلق على المقيد كما هو المقرر في أبحاث
علم الأصول ، وهذا يمكن أنْ يتم لو أمكن قبول تلك
الروايات ، لكن تقدم أنها تستلزم جملة من اللوازم
الباطلة فلا يمكن قبولها ، مضافاً لمعارضتها بما
ينافيها من الروايات المعتبرة على قواعدهم منها ما
سيأتي مما رووه بالسند الصحيح عندهم عن عائشة وعن
غيرها أيضاً ، والتعارض يقتضي على الأقل تساقط الطرفين
فيبقى إطلاق الآية الكريمة بلا معارض .
الثاني : أنّ المقصود لا تدركه أبصار الكافرين
المكذبين ، ذكر ذلك أبـو
الحسن الأشعري في الإبانة . (1)
ويرد عليه : أنه خلاف إطلاق الآية الكريمة حيث لم تقيد
نفي الرؤية بالكافرين .
الثالث : أنّه لا يقصد من عبارة :
( لاَ تُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ ) لا تراه الأبصار ، وإنما المقصود بذلك
أنها لا تحيط به لعظمة وجوده عز وجل ، فعلى هذا تدل
الآية الكريمة على أنّ الباري تبارك وتعالى لو
(1) الإبانة عن أصول الديانة ص 47 ط. دار الأنصار /
القاهرة سنة 1397هـ .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
25
رأته
الأبصار فإنها مع ذلك لا يمكنها أنْ تحيط به . (1)
ويرد عليه : أنْ إطلاق الإدراك على الإحاطة خلاف
الظاهر ، فمعنى الإدراك بدليل التبادر هو المشاهدة
والعلم بالشيء ، فعندما يقال أنّ أحداً أدرك الحقيقة
مثلاً فالمقصود أنه علم بها وصار له دراية بشأنها .
(1) تفسير القرطبي ج7 ص 54 ،
دقائق التفسير ج2 ص 126 ،
تفسير الثعالبي ج1 ص 549 ط. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات /
بيروت ، زاد المسير ج3 ص 98 ،
الصواعق المرسلة لابن
قيم الجوزية ج3 ص 1022 ط دار العاصمة / الرياض سنة
1418هـ - 1998م ، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ج1 ص
549 ط. مطبعة الحكومة / مكة المكرمة سنة 1392هـ ،
بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية ج1 ص 169 ط مكتبة نزار
مصطفى الباز / مكة المكرمة سنة 1416هـ - 1996م ،
الصفدية لابن تيمية ج2 ص 65 تحقيق د. محمد رشاد سالم
ط. سنة 1406هـ ، مجموع فتاوى ابن تيمية ج5 ص482 وج6 ص
289 ط1 .