الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
227
المبحث الثالث
في بيان عقيدتهم بشأن اتصال الأولياء في
علومهم بالملائكة وعالم الغيب
وبيانه يقع في عدة فصول :
الفصل الأول
ما ذكروه بشأنْ لقاء الملائكة بغير الأنبياء عليهم
السلام
من الأمور التي شنع فيها على الشيعة الإمامية ما روي
من أنّ بعض الملائكة كان يخاطبون الصديقة الطاهرة
فاطمة الزهراء (ع) بعد وفاة الرسول الأعظم (ص) ،
228
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
والحال أنّ أصل لقاء
الملائكة بالصالحين من غير الأنبياء (ع) أمر متسالم
عليه عند السنة ، ولعمري ما النقد على
الشيعة في ذلك إلا بسبب العصبية المفرطة والتحامل
الشديد وقلة الإطلاع والجهل لدى المعترضين حتى
بمعتقداتهم والاستعجال في إبداء الرأي ، وقد ذكر
البيضاوي أنّ الأولياء قد تطلعهم الملائكة على
المغيبات ، يقول في تفسيره المعروف : وكرامات الأولياء
على المغيبات إنما تكون تلقيا عن الملائكة كاطلاعنا
على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء (ع) . (1)
وقد ذكروا للقاء الملائكة بالصالحين عدة موارد منها :
1- نزول الملائكة على أسيد بن حضير
لسماع قراءته
أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما بسندهما عن أبي سعيد
الخدري : أنّ أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في
مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت
أيضاً قال أسيد : فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها فإذا
مثل الظلة فوق
(1) تفسير البيضاوي ص 402 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
229
رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى
ما أراها قال فغدوت على رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم فقلت : يا رسول الله بينما أنا البارحة من
جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي ، فقال رسول
الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إقرأ بن حضير قال
فقرأت ثم جالت أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إقرأ بن حضير . قال فقرأت ثم جالت أيضا ، فقال رسول
الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إقرأ بن حضير . قال :
فانصرفت وكان يحيى قريبا منها خشيت أن تطأه فرأيت مثل
الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها
فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم تلك
الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس
ما تستتر منهم . (1)
وأخرجـه النسـائي في السـنن الكـبرى وأبو القـاسم
اللالكـائي الطبري في
كرامات الأولياء وأبو نعيم الإصبهاني وأحمد بن حنبل
وابن أبي عاصم في الآحـاد والمـثاني والطبـراني
(1) صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج1 ص 584 ح
796 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ،
صحيح
البخاري ج4 ص 1916 ط. دار ابن كثير – دار اليمامة /
بيروت سنة 1407 هـ 1987م .
230
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
في
المعجم الكبير ، والبيهقي في شعـب الإيمان .(1)
ويقول ابن تيمية : وكرامات الصحابة والتابعين من بعدهم
وسائر الصالحين كثيرة جداً ، مثل ما كان أسيد بن حضير
يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال
السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته ، وكانت الملائكة
تسلم على عمران بن حصين ... (2)
ويقول ابن حجر الهيتمي : وقد تنزلت الملائكة لاستماع
قراءة أسيد بن حضير الكندي . (3)
وأخرج الضياء المقـدسي في الأحـاديث المختارة بسنـده
عن أبي سعيد
(1) السنن الكبرى للنسائي ج5 ص 13 ح 8016 وص 27 ح 8074
ط. دار الكتب العلمية / بيروت 1411هـ - 1991م ،
كرامات
الأولياء ص 105 ، 106 ح 25 ط. دار طيبة / الرياض سنة
1415هـ - 1994م المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم
ج2 ص 386 ، 387 ح 1809 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1417هـ- 1996م ، مسند أحمد بن حنبل ج3 ص 81 ط.1 ،
الآحاد والمثاني ج3 ص 468 ح 1928 ، المعجم الكبير ج1 ص
176 ح 561 وح562 ، جامع العلوم والحكم لابن رجب
الحنبلي ص 346 ط.دار المعرفة / بيروت سنة 1408هـ ،
شعب
الإيمان ج2 ص 549 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة
1410هـ .
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 276 .
(3) الفتاوى الحديثية ص 108 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
231
الخدري عن أسيد بن حضير وكان من أحسن الناس صوتا
بالقرآن قال قرأت الليلة سورة البقرة وفرس له مربوط
ويحيى ابني مضطجع قريب مني وهو غلام فجالت جولة فقلت :
ليس لي هم إلا ابني ، فسكنت ثم قرأت ، فجالت الفرس
فقمت ليس لي هم إلا ابني ثم قرأت فجالت الفرس ، فرفعت
رأسي فإذا شيء كهيئة الظلة في مثل المصابيح مقبل من
السماء فهالتني فسكنت فلما أصبحت غدوت على رسول الله
(ص)
فأخبرته ، فقال اقرأ يا أبا يحيى . قلت : قـد قرأت يا
رسـول الله (ص) فجالت الفـرس فقمـت وليس لي هـم إلا ابني
قـال : قال : اقرأ يا أبا يحيى . قلت : قد قرأت يا
رسول الله (ص) فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني فقال : إقرأ يا ابن حضير . قال : قد قرأت فرفعت رأسي فإذا
كهيئة الظلة فيها مصابيح فهالتني فقال : ذلك الملائكة
دنوا لصوتك ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون
إليهم . (1)
وقال أبو بكر البيهقي في الاعتقاد (2) : وقد روينا
نزول الملائكة للقرآن عند قراءة أسيد بن حضير ،
(1) الأحاديث المختارة ج4 ص 267 ح 1464 ط. مكتبة
النهضة الحديثة / مكة المكرمة سنة 1410هـ .
(2) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي ص 201
ط. عالم الكتب / بيروت ط2 سنة 1405هـ ، 1985م .
232
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
وذلك
أنه رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح
فقال النبي (ص) : تلك الملائكة أتت لصوتك .
2- تسليم الملائكة على عمران بن الحصين
قال أبو بكر البيهقي في الاعتقاد : وروينا تسليم
الملائكة على عمران بن حصين ، وروينا عن جماعة من
الصحابة أنّ كل واحد رأى جبريل عليه السلام في صورة
دحية الكلبي . (1)
وقال أيضاً في دلائل النبوة : باب ما جاء في رؤية
عمران بن حصين الملائكة وتسليمهم عليه ، وذهابهم عنه
حين اكتوى ، وعودهم إليه بعد ما تركه . (2)
وأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن حميد بن هلال عن مطرف
قال : قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثا عسى الله أن
ينفعك به ، إنّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم
جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه
قرآن يحرمه وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ثم تركت
الكي فعاد . (3)
(1) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي ص 201
.
(2) دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص 79 ط. دار الكتب
العلمية / بيروت سنة 1405هـ - 1985م .
(3) صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج2 ص 899 ح
1226.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
233
وقال البيهقي : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال
أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، قال أخبرنا محمد بن
أيوب ، قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، قال حدثنا
إسماعيل بن مسلم العبدي ، قال : حدثنا محمد بن واسع ،
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، قال : قال لي عمران
بن حصين ذات يوم : إذا أصبحت فأغد علي ، فلما أصبحت
غدوت عليه ، فقال لي ما غدا بك ؟ قلت : الميعاد . قال
: أحدثك حديثين ، أما أحدهما فاكتمه عليّ ، وأما الآخر
فلا أبالي أنْ تفشيه علي ، فأما الذي تكتم علي ، فإنّ
الذي كان انقطع قد رجع ، يعني تسليم الملائكة ، والآخر
: تمتعنا مع رسول الله (ص) قال فيها رجل برأيه ما شاء . (1)
وقال النووي في شرح الحديث المتقدم عن مسلم في صحيحه :
ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين رضى الله عنه كانت به
بواسير فكان يصبر على المهمات ، وكانت الملائكة تسلم
عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه ، ثم ترك الكي فعاد
سلامهم عليه ...الخ . (2)
(1) دلائل النبوة للبيهقي ج7 ص 79.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم
ج8 ص 206.
234
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
وقال أيضاً : وفي صحيح مسلم عن عمران قال قد كان يسلم
علي حتى اكتويت فتركت الكي فعاد يعني كانت الملائكة
تسلم عليه ويراهم عيانا كما جاء مصرحا به في صحيح مسلم
. (1)
وقال ابن العماد الحنبلي أثناء حديثه عن عمران بن
الحصين : وكان يسمع تسليم الملائكة عليه حتى اكتوى
بالنار فلم يسمعهم عاما ثم أكرمه الله برد ذلك . (2)
وأخرج أبو داود في سننه بسنده عن مطرف ، عن عمران بن
حصين قال: نهى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم عن
الكي فاكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن . قال أبو داود :
وكان يسمع تسليم الملائكة فلما اكتوى انقطع عنه فلما
ترك رجع إليه . (3)
وتسليم الملائكة على عمران بن الحصين رواه عدد من
الحفاظ بألفاظ متعددة منهم أبو نعيم الإصبهاني وابن
عبد البر الأندلسي وابن سعد. (4)
(1) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ج2 ص 351 ط. دار الفكر / بيروت سنة 1996م.
(2) شذرات الذهب ج1 ص 58 وفيات عام (52 هـ ) ط. دار
الكتب العلمية بيروت.
(3) سنن أبي داود ج4 ص 5 ط. دار الفكر / بيروت.
(4) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ج3 ص 326 ح
2849 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1996م ، الطبقات الكبرى ج4 ص
289 ط. دار صادر / بيروت .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
235
وقال القرطبي أثناء حديثه عن كرامات الصحابة : ومن ذلك
أن عباد بن بشير أو أسيد بن حضير خرجا من عند رسول
الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فأضاء لهما رأس عصا
أحدهما كالسراج ، وقد قدمنا مثل هذا ومن ذلك أن سلمان
أو أبا الدرداء كانت بينهما قصعة فسبحت حتى سمعا
تسبيحها ، وقد تظاهرت الأخبار بأن جماعة منهم رأوا
الملائكة وكانت تسلم عليهم مثل عمران بن حصين و أسيد
ابن حضير ، والأخبار في هذا كثيرة . (1)
3- من كانت ترافقهم الملائكة نتيجة لصبرهم
قال الحافظ جلال الدين السيوطي : وأخرج ابن الجوزي في
كتاب عيون الحكايات : بسنده عن أبي علي الضرير ، وهو
أول من سكن طرسوس حين بناها أبو مسلم ، قال : إنّ
ثلاثة إخوة من الشام كانوا يغزون ، وكانوا فرساناً
شجعاناً ، فأسرهم الروم مرة ، فقال لهم الملك : إني
أجعل فيكم الملك ، وأزوجكم بناتي ،
(1) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام
للقرطبي ص 383.
236
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
وتدخلون في
النصرانية ، فأبوا ، وقالوا : يا محمداه ، فأمر الملك
بثلاثة قدور ، فصب فيها الزيت ، ثم أوقد تحتها ثلاثة
أيام ، يُعرضون في كل يوم على تلك القدور ، ويدعون إلى
دين النصرانية فيأبون ، فألقي الأكبر في القدر ، ثم
الثاني ، ثم أدني الأصغر ، فجعل يفتنه عن دينه بكل أمر
، فقام إليه علج فقال : أيها الملك ، أنا أفتنه عن
دينه . قال : بماذا ؟ قال : قد علمت أنّ العرب أسـرع
شيء إلى النساء ، وليس في الروم أجمل من ابنتي ،
فادفعه إليّ حتى أخليه معها ، فإنها ستفتنه ، فضرب له
أجلاً أربعين يوماً ، ودفعته إليه ، فجاء به فأدخله مع
ابنته ، وأخبرها بالأمر ، فقالت : دعه فقد كفيتك أمره
، فأقام معها ، نهاره صائم ، وليله قائم حتى مرّ أكثر
الأجل ، فقال العلج لابنته : ما صنعت ؟ قالت : هذا رجل
فقد أخويه في هذه البلدة ، فأخاف أنْ يكون امتناعه من
أجلهما كلما رأى آثارهما ، ولكن استزد الملك في الأجل
، وانقلني وإياه إلى بلد غير هذا ، فزاده أياماً ،
فأخرجهما إلى قرية أخرى ، فمكث على ذلك أياماً ، صائم
النهار ، قائم الليل ، حتى إذا بقي من الأجل أيام ،
قالت له الجارية : يا هذا ، إني أراك تقدس رباً عظيماً
،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
237
وإني قد دخلت معك في دينك ، وتركت دين آبائي ، قال
لها : فكيف الحيلة في الهرب ؟ قالت : أنا أحتال لك ،
وجاءته بدابة فركبها ، فكانا يسيران بالليل ، ويكمنان
بالنهار ، فبينما هما يسيران ليلة إذْ سمعا وقع خيل ،
فإذا هو بأخويه ومعهما ملائكة رسل إليه ، فسلم عليهما
وسألهما عن حالهما ، فقالا : ما كانت إلا الغطسة التي
رأيت حتى خرجنا في الفردوس ، وإنّ الله أرسلنا إليك
لنشهد تزويجك بهذه الفتاة ، فزوّجوه ورجعوا ، وخرج إلى
بلاد الشام ، فأقام معها ، وكانا مشهورين بذلك ،
معروفين بالشام في الزمن الأول ...الخ . (1)
4- رؤية الملائكة في تشييع البعض
قال اللالكائي الطبري في كرامات الأولياء : أخبرنا
عبيد الله بن أحمد ، أنبانا محمد بن مخلد ، قال حدثنا
أبو العباس عيسى بن إسحاق السايح ، قال حدثنا أبي ،
قال حدثنا أبو خالد قال : لما مات عمرو بن قيس الملائي
رأوا الصحراء مملوءة رجالا عليهم ثياب بياض ، فلما
صُلي عليه ودفن لم يُر في الصحراء أحدٌ ،
(1) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور للسيوطي ص 212 ، 213 ط. دار المعرفة
/ بيروت – دار المؤيد / الرياض سنة 1417 هـ - 1996م .
238
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
فبلغ ذلك أبا
جعفر(1) فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى : ما منعكما أن
تذكرا لي هذا الرجل ؟! فقالا : كان يسألنا أن لا نذكره
لك . (2)
5- من رأى الملائكة تكتب الحجاج المقبول حجهم
ممن لم يُقبل عملهم عند الله تعالى
يقول ابن تيمية : ... ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان
بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك
الموضع ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة أو بيت المقدس
أو غيرهما ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته
فلا يحج حجا شرعيا بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى
الميقات ولا يلبي ولا يقف بمزدلفة ولا يطوف بالبيت ولا
يسعى بين الصفا والمروة ولا يرمى الجمار بل يقف بعرفة
بثيابه ثم يرجع من ليلته ، وهذا ليس بحج ، ولهذا رأى
بعض هؤلاء الملائكة تكتب الحجاج فقال : ألا تكتبونى ؟
فقالوا : لست من الحجاج يعنى حجا شرعيا . (3)
أقول : هذا الإدعاء برؤية الملائكة يجعل رؤية الملائكة
غير معدودة من الكرامات ، إذْ كما يمكن أنْ يرى
الصالحون الملائكة
(1) الظاهر أنّ المقصود به أبو جعفر المنصور الحاكم العباسي .
(2) كرامات الأولياء ص 197 رقم 158 ط. دار طيبة /
الرياض سنة 1412هـ .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 286 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
239
كذلك يمكن على ضوء كلام ابن تيمية
هذا لغير الأولياء وأهل الباطل أنْ يروا الملائكة
أيضاً وهذا إدعاء غريب وعجيب جداً ، وليس هذا آخر ما
يذكره من الغرائب.
وعلى أساس ما ذكـره ابن تيمية وبنـاءاً عليـه من أنّ
الالتقـاء بالملائكـة
ومحاورتهم لا تختص بالأولياء والصالحين ، فأي كرامة
حينئذ في أنْ يكلم أحد الملائكة أو تكلمه الملائكة ،
ولا يعتبر خطاب الملائكة حينئذ دليلاً على الفضل أو
المكانة الرفيعة عند الله عز وجل ، بل هي أمر عادي
جداً ويكون ذلك شأنْ الالتقاء بأي أحد من الخلق .
ومنه تعرف الرؤية المشوهة لكرامات الأولياء عند ابن
تيمية وأضرابه .
6- من رأى الملائكة وسمع حديثها في
المسجد الحرام
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد
الموت : حدثني زكريا بن يحيى ، حدثنا كثير بن يحيى بن
كثير ،قال حدثنا شيخ من العمي يقال له معمر العمي قال
: إنّا لعند مريض لنا وهذا سنة ست وستين يقال له عباد
نرى أنه قد مات ، فبعضنا يقول مات ، وبعضنا يقول عرج
بروحه إذ قال بيده هكذا يامه وفرج بيده ،
240
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
فأين أبي
فقدتكما جميعاً ، ثم فتح عينيه ، قال : فقلنا : كنا
نرى أنك قد مت ، قال : فإني رأيت الملائكة تطوف من فوق
رؤوس الناس بالبيت ، فقال ملك منهم : اللهم اغفر
لعبادك الشعث الغبر الذين جاءوا من كل فج عميق ، قال :
فأجابه ملك آخر بأن قد غفر لهم ، فقال ملك من الملائكة
: يا أهل مكة لولا ما يأتيكم من الناس لأضرمت ما بين
الجبلين نارا ، ثم قال أجلسوني فأجلسوه فقال : يا غلام
اذهب فجئهم بفاكهة ، فقلنا : لا حاجة لنا بالفاكهـة .
قـال : وقال بعضنا لبعض لئن كان رأى الملائكة كما
يقـول لا
يعيش ، قال : فاحضرت أظافيره مكانه ، قال : ثم أضجعناه
فمات . (1)
7- من تحدث مع الملائكة بعدما دافعت عنه
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الهواتف :
حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي ، أخبرني فهير بن زياد
الأسدي ، عن موسى بن وردان ، عن الكلبي -وليس بصاحب
التفسير - ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : كان
رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم من
الأنصار يكنى أبا معلق ، وكان تاجراً يتجر بماله
ولغيره يضرب به في الآفاق ، وكان يزن
(1) من عاش بعد الموت ص 34 ، 35 ط. مؤسسة الكتب
الثقافية / بيروت سنة 1413هـ.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
241
بسدد وورع ، فخرج
مرة فلقيه لص مقنع في السلاح ، فقال له : ضع ما معك
فإني قاتلك . قال : ما تريد إلى دمي ، شأنك بالمال
فقال : أما المال فلي ، ولست أريد إلا دمك ، قال : أما
إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات . قال : صل ما بدا لك
. قال : فتوضأ ، ثم صلى أربع ركعات ، فكان من دعائه في
أخر سجدة أن قال : يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا
فعال لما يريد ، أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي
لا يضام ، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أنْ تكفيني شر
هذا اللص ، يا مغيث أغثني يا مغيث - ثلاث مرات – قال :
دعا بها ثلاث مرات ، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة
واضعها بين أذني فرسه ، فلما بصر به اللص أقبل نحوه
فطعنه فقتله ، ثم أقبل إليه فقال : قم . قال : من أنت
؟ بأبي أنت وأمي ، فقد أغاثني الله بك اليوم . قال :
أنا ملك من أهل السماء الرابعة ، دعوت بدعائك الأول
فسمعت لأبواب السماء قعقعة ، ثم دعوت بدعائك الثاني
فسمعت لأهل السماء ضجة ، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل
لي : دعاء مكروب فسألت الله تعالى أن يوليني قتله .
قال أنس رضي الله عنه : فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع
ركعات ودعا بهذا الدعاء
242
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
استجيب له مكروباً كان أو غير
مكروب . (1)
أقول : وأخرجه ابن أبي الدنيا أيضاً في كتاب مجابوا
الدعوة ، وأخرجه أيضاً ابن الأثير في أسد الغابة . (2)
وقال اللالكائي الطبري في كرامات الأولياء : أخبرنا
علي بن عبد الله ، قال أنبأنا الحسين بن صفوان ، قال
حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا عيسى بن عبد الله
التميمي ، قال أخبرني فهير بن زياد الأسدي ، عن موسى
بن وردان ، عن الكلبي- وليس بصاحب التفسير - ، عن
الحسن ، عن أنس ، قال : كان رجل من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم من الأنصار يكني أبا معلق ، وكان يتجر
بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعاً ،
فخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح ، فقال له : ضع ما معك
فإني قاتلك ، قال : ما تريد إلا دمي ؟! شأنك بالمال .
قال : أما المال فلي ، فلست أريد إلا دمك . قال : أما
إذا
(1) الهواتف لابن أبي الدنيا ص 24 ح14 ط. مؤسسة الكتب
الثقافية / بيروت 1413هـ .
(2) مجابوا الدعوة ص 64 ح23 ، أسد الغابة ج1 ص 1248 ،
وراجع أيضاً : ألإصابة في تمييز الصحابة
ج7 ص 379 رقم
10551 ط. دار الجيل / بيروت سنة 1412هـ ،
الجواب
الكافي لابن قيم الجوزية ص 7 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
243
أبيت فذرني أصلي أربع ركعات . قال : صل ما بدا لك
، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، وكان من دعائه في آخر سجدة
أنه قال : يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعال لما
تريد أسألك بعزك الذي لا يرام والملك الذي لا يضام
وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص ،
يا مغيث أغثني -ثلاث مرات- قال : دعا بها - ثلاث مرات
- ، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني
فرسه ، فلما أبصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ، ثم
أقبل إليه فقال : قم . قال : من أنت بأبي أنت وأمي فقد
أغاثني الله تعالى بك اليوم ، قال : أنا ملك من أهل
السماء الرابعة ، دعوت الله بدعائك الأول فسمعت لأبواب
السماء قعقعة ، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل
السماء ضجيجاً ، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل دعاء
مكروب ، فسألت الله عز وجل أن يوليني قتله .
قال أنس : فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا
بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أم غير مكروب . (1)
(1) كرامات الأولياء ص 154 رقم 111 .
244
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
8- ما رووه بشأنْ من سمعوا نداء الملائكة لعمر
قـال أبو بكر بن أبي الـدنيا : حدثنا عبد الله بن عفان
، حدثني عطاء بـن
مسلم الحلبي ، عن العمري ، قال : قال خوات بن جبير -
وكانت له صحبة - رضي الله عنه : أصاب الناس قحط شديد
على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فخرج عمر بالناس
يصلي بهم ركعتين ، وخالف بين طرفي ردائه ، جعل اليمين
على اليسار واليسار على اليمين ، ثم بسط يده فقال :
اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك ، قال : فما برح من مكانه
حتى مطروا ، فبينا هم كذلك إذا أعراب قدموا المدينة
فأتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقالوا : يا أمير
المؤمنين ، بينا نحن بوادينا في يوم كذا وكذا في ساعة
كذا وكذا إذ أظلنا غمام وسمعنا بها صوتا ينادي : أتاك
الغوث أبا حفص أتاك الغوث أبا حفص . (1)
وأخرجه ابن أبي الدنيا في مجابوا الدعوة واللالكائي
الطبري في كرامات الأولياء وابن عساكر في تاريخه . ( )
(1) الهواتف لابن أبي الدنيا ص 26 ح16.
(2) كرامات الأولياء ص 123 رقم 69 ،
مجابوا الدعوة ص
83 رقم 43 ، تاريخ مدينة دمشق ج44 ص 346 ،
كنز العمال
ج8 ص 695 رقم 23538 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
245
9- من لقي بعض الأنبياء
(ع) والملائكة (ع)
وطلبوا منه إبلاغ السلام لأحمد بن حنبل
ذكر ابن الجوزي في منـاقب أحمـد بن حنبل بالإسنـاد عـن
أبي حفص
القاضي ، قال : قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل
رجلٌ من بحر الهند فقال : إني رجلٌ من بحر الهند خرجت
أريد الصين ، فأصيب مركبنا ، فأتاني راكبان على موجة
من أمواج البحر ، فقال لي أحدهما : أتحب أنْ يخلصك
الله على أنْ تقرئ أحمد بن حنبل منا السلام ؟ قلت :
ومن أحمد ؟ ومن أنتما يرحمكما الله ؟ قال : أنا إلياس
، وهذا الملك الموكل بجزائر البحر ، وأحمد بن حنبل
بالعراق ، قلت : نعم ، فنفضني البحر نفضة فإذا أنا
بساحل الأبلة ، فقد جئتك أبلغك السلام . (1)
أقول : التقاء كل هؤلاء بالملائكة لم نجد له معترضاً ،
ولكن عندما يقال بأنّ فاطمة الزهراء سيد نساء العالمين
(ع) بنص متسالم عليه من الرسول الأعظم (ص) أو أنّ أمير
المؤمنين (ع) أو أحـد الأئمـة الطاهرين (ع) من أهل بيت
الوحي يرى الملائكة أو تلتقيه الملائكة يكون ذلك القول
باطلاً وبعضهم يعتبره كفراً والعياذ بالله ، ولعمري
فإنّ قبول الأمر لهؤلاء والإصرار على إنكاره على عترة
الرسول الأعظم (ص) لم نجد له تفسيراً مقنعاً سوى نصب
العداء لأهل البيت (ع) من قبل
(1) مناقب أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص 190 ، 191 باب
15 .
246
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
بعض أولئك المعترضين ،
وأين أولئك الذين تحدثوا عنهم وعن حديث الملائكة بهم بالعترة الطاهرة
(ع) الذين نزلت فيهم آية التطهير ،
والذين أمر الله عز وجل بالصلاة عليهم مع الصلاة على
النبي (ص) إلى يوم القيامة ، ومن قرنهم سيد الأنبياء
وخاتم المرسلين (ص) بالقرآن الكريم دون أنْ يقرن به
أحداً من الخلق سواهم ، ومع الأسف أنك تجد الحديث عن
أولئك الناس لا يثير حفيظة البعض ولا يدفعه ، ولكن
عندما نتحدث عن فضائل أهل البيت (ع) وكراماتهم وبيان معاجزهم وأنّ سيدة نساء العالمين
(ع) مثلاً جاءتها
الملائكة تصنف الكتب ، وتكتب الردود على ذلك ولا
تحتمله نفوسهم .