260
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
الفصل السادس
فيما ذكروه بشأن المحدثين
والكلام في هذا الفصل يقع في جهتين :
الجهة الأولى
فيما رووه بهذا الشأنْ
أخرج البخاري في صحيحه وأحمد بن حنبل في فضائل الصحابة
وأبو بكر بن أبي عاصم واللالكائي الطبري وابن عساكر
بالإسنـاد عن أبي هـريرة عن الرسـول الأكرم (ص) قال :
إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محـدثـون وإنه إن
كـان في أمتي هـذه منهم فـإنه عمر بن الخطاب . (1)
(1) صحيح البخاري ج3 ص 1279 وص 1349 ط. دار ابن كثير –
دار اليمامة / بيروت سنة 1407هـ - 1987م ، كتاب السنة
لابن أبي عاصم ج2 ص 583 ح 1261ط. المكتب الإسلامي /
بيروت سنة 1400هـ ، كرامات الأولياء للالكائي الطبري ص
93 ح 41 ط. دار طيبة / الرياض سنة 1412هـ ، فضائل
الصحابة لأحمد بن حنبل ج1 ص 361 ح 529 ،
تاريخ مدينة
دمشق لابن عساكر ج44 ص 94 ،
فتح الباري ج2 ص 418 ح
3689 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1424هـ - 2003م
.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
261
وأخرج مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل في المسند وفضائل
الصحابة وإسحاق بن راهويه والحميدي والترمذي والنسائي
في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك على الصحيحين
ومعرفة علوم الحديث وأبو بكر الخلاَل وابن عساكر في
تاريخه واللالكائي الطبري والديلمي والعقيلي بالإسناد
عن عائشة عن الرسول الأعظم (ص) أنه (ص) كان يقول : قـد كان
يكـون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم
أحد فإن عمر بن الخطاب منهم . (1)
(1) صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج4 ص 1864
ح 2398 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ، المستدرك
على الصحيحين ج3 ص 92 ح 4499 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1411هـ - 1990م ، سنن الترمذي ج5 ص 622 ح
3693 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ،
السنن
الكبرى ج5 ص 39 ح 8119 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1411هـ - 1991م ، مسند أحمد بن حنبل ج6 ص 55ط1 ،
مسند الحميدي ج1 ص 123 ط. دار الكتب العلمية / بيروت –
مكتبة المتنبي / القاهرة ، مسند إسحاق بن راهويه ج2 ص
479 ح 1058 ط. مكتبة الإيمان / المدينة المنورة سنة
1412هـ - 1991م ، كتاب السنة للخلاّل ج2 ص 312 ح 387
ط. دار الراية / الرياض سنة 1410هـ ،
كرامات الأولياء
ص 93 ح 42 ، الفردوس بمأثور الخطاب ج2 ص 278 ح 4839 ط.
دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1986م ،
كتاب الضعفاء
الكبير للعقيلي ج2 ص 255 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1404هـ - 1984م ، معرفة علوم الحديث للحاكم ص 220
ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1397هـ- 1977م ،
فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج1 ص 354 ح 516 ط. مؤسسة
الرسالة / بيروت سنة 1304هـ - 1983م ،
تاريخ مدينة
دمشق لابن عساكر ج44 ص 91 ، 92 ، 93 .
262
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
أقول : وممن اعتبروهم من المحدثين معروف الكرخي : يقول
ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة : وقال إمامنا احمد
للمروذي : إذا أخبرت عن معروف بشيء من أخبار السماء
فاقبله . (1)
الجهة الثانية
في تفسيرهم لمعنى المحدث
اختلف علماء السنة في تفسير معنى المحدث على عدة أقوال
:
الأول : أنه الرجل الصادق الظن لكونه ممن ألقي في روعه
شيء من الملأ الأعلى .
الثاني : أنه من يجري الصواب على لسانه .
الثالث : أنه الشخص الملهم من الله عز وجل بما يتطابق
مع الواقع .
الرابع : أنه من تكلمه الملائكة بغير نبوة .
قال النووي في شرح صحيح مسلم : واختلف تفسير العلماء
للمراد بمحدثون ، فقال ابن وهب : ملهمون . وقيل :
مصيبون وإذا ظنوا فكأنهم حدثوا بشيء فظنوا ، وقيل :
تكلمهم الملائكة ، وجاء في رواية متكلمون وقال البخاري
: يجري الصواب على ألسنتهم ، وفيه إثبات كرامات
الأولياء ... (1)
(1) طبقات الحنابلة ج1 ص 382.
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج15 ص 166.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
263
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني : محدثون بفتح الدال
جمع محدث ، وأختلف في تأويله ، فقيل : ملهم ، قاله
الأكثر ، قالوا : المحدث بالفتح هو : الرجل الصادق
الظن ، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى ،
فيكون كالذي حدثه غيره به ، وبهذا جزم أبو أحمد
العسكري ، وقيل : من يجري الصواب على لسانه من غير قصد
، وقيل : مُكلّم ، أي تكلمه الملائكة بغير نبوة ، وهذا
ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ولفظه قيل : يا
رسول الله ، وكيف يُحدث ؟ قال : تتكلم الملائكة على
لسانه . رويناه في فوائد الجوهري وحكاه القابسي وآخرون
ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة ويحتمل رده إلى
المعنى الأول أي تكلمه في نفسه وان لم ير مكلما في
الحقيقة فيرجع إلى الإلهام وفسره بن التين بالتفرس ،
ووقع في مسند الحميدي عقب حديث عائشة : المحدث الملهم
بالصواب الذي يلقى على فيه ، وعند مسلم من رواية بن
وهب : ملهمون وهي الإصابة بغير نبوة ، وفي رواية
الترمذي عن بعض أصحاب بن عيينة : محدثون يعني مفهمون
وفي رواية الإسماعيلية قال إبراهيم يعني بن سعد راويه
قوله : محدث أي يلقى في روعه انتهى ،
264
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
ويؤيده حديث إن
الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ، أخرجه الترمذي من
حديث ابن عمر ، وأحمد من حديث أبي هريرة ، والطبراني
من حديث بلال ، وأخرجه في الأوسط من حديث معاوية ، وفي
حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود يقول به بدل قوله
وقلبه ، وصححه الحاكم وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط
من حديث عمر نفسه . (1)
وقال الطيبي حسب ما ينقله عنه ابن حجر : المراد
بالمحدّث الملهم البالغ في ذلك مبلغ النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم في الصدق ، والمعنى : لقد كان فيما
قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون ، فإنْ يك في أمتي أحدٌ
هذا شأنه فهو عمر ، فكأنه في انقطاع قرينة في ذلك ، هل
نبي أم لا لذلك أتى بلفظ إنْ ويؤيده حديث لو كان بعدي
نبي لكان عمر . (2)
وقال المناوي : قال القرطبي الرواية بفتح الدال اسم
مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن وهو من
ألقي في نفسه شيء على وجه الإلهام
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج7 ص 50 شرح حديث
3468 ط. دار المعرفة / بيروت سنة 1379هـ ، وج2 ص 421
شرح حديث 3689 ط.دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1424هـ
- 2003م .
(2) فتح الباري ج7 ص 51ط. دار المعرفة وج2 ص 421
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
265
والمكاشفة من الملإ
الأعلى ، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد أو
تكلمه الملائكة بلا نبوة ، أو من إذا رأى رأيا أو ظن
ظنا أصاب كأنه حدث به وألقى في روعه من عالم الملكوت ،
فيظهر على نحو ما وقع له ، وهذه كرامة يكرم الله بها
من شاء من صالح عباده ، وهذه منزلة جليلة من منازل
الأولياء ، فإن يك من أمتي منهم أحد هذا شأنه ، وفي
رواية بدله وإن يكن في أمتي من أحد فإنه عمر بن الخطاب
كأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك كأنه نبي فلذلك أتى
بلفظ إن بصورة الترديد . (1)
وقـال ابن تيمية أثناء حديثه عـن عمـر بن الخطّاب (2)
: أفضل الأوليـاء
المحدثين الملهمين المخاطبين .
وقال أيضاً : والمحدّث : الملهم المخاطب . (3)
وقال أيضاً : المحدّث الملهم الذي ضرب الله الحق على
لسانه وقلبه .(4)
وقال ابن قيم الجوزية في بدائع الفوائد : والتحديث
المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا
طريقه
(1) فيض القدير للمناوي ج4 ص 507 ط.المكتبة التجارية
الكبرى / القاهرة سنة 1356هـ
(2) العقيدة الأصفهانية ص 157 ط. مكتبة الرشد / الرياض
سنة 1415هـ .
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية ج10 ص 376 .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 185 .
266
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في
الأذن . (1)
وقال في إعلام الموقعين : والمحدث هو المتكلم الذي
يلقى الله في روعه الصواب يحدثه به الملك عن الله . (2)
وقال البيهقي في الاعتقاد : وعن عبد الله بن مسعود ما
رأيت عمر قط إلا وكان بين عينيه ملكا يسدده ، وعن عبد
الله بن عمر قال كان عمر يقول القول فننتظر متى يقع .
قال البيهقي بعد ذلك : وكيف لا تكون وقد قال رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم أنه كان في الأمم قبلكم
محدثون فإن يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب ، وهذا
الحديث أهل في جواز كرامات الأولياء وفي قراءة أبي بن
كعب : ( وَمَـا أَرْسَلْنَـا مِـنْ قَبْلِكَ مِـنْ
رَسُـولٍ وَلاَ نَبِيٍّ ) (3) ولا محدث . وقرأها ابن
عباس كذلك ، ثم في بعض الروايات عن النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم أنه قيل : كيف يحدث ؟ قال يتكلم
الملائكة على لسانه ، وذلك يوافق ما روينا عن علي (ع)
وعبد الله في عمر ... (4)
(1) بدائع الفوائد ج1 ص 80 ط. مكتبة نزار مصطفى الباز
/ مكة المكرمة سنة 1416هـ - 1996م .
(2) إعلام الموقعين ج4 ص 142 ط. دار الجيل / بيروت سنة
1973م .
(3) سورة الحج : 54 .
(4) كتاب الاعتقاد للبيهقي ص 315 ط. دار الآفاق
الجديدة / بيروت سنة 1401هـ .